بعلبك والنزوح: قصة مبادرة وُلدت من رحم المعاناة

في قلب بعلبك، ولدت مبادرة مجتمعيّة أطلقها أبناء المدينة، إذ لم تكن بعلبك يومًا مجرّد حجارةٍ صمّاء، أو أطلالًا تروي حكايا الغابرين، بل هي نبضٌ حيّ، وروحٌ تأبى الانكسار. وفي ظلّ التحدّيات الجسام التي عصفت بالبلاد، تجلّى المعدنُ الأصيل لأهلها، فقاموا قيامة رجلٍ واحد، بعيدًا من أي اعتبار للنزعات الشخصيّة، متجاوزين كلّ الفوارق، كي يرّمموا ما تصدّع من جدار الحياة اليوميّة. هذه المبادرة لم تكن وليدة صدفة، بل كانت فيضًا من نخوة بعلبكيّة متجذّرة في الوجدان، نابعة من إيمان عميق بأنّ المدينة التاريخيّة قادرة اليوم على ابتكار حلولٍ من رحم معاناتها.
منذ الأيّام الأولى للنزوح، انطلقت في بعلبك “المبادرة المجتمعيّة في بعلبك”، من قبل أشخاص التقوا بداية بشكل فردي، ومن ثمّ كمتطوّعين من خلال غرفة إدارة الكوارث في بلديّة بعلبك وإتّحاد بلديّات منطقتها. انطلقوا من تبرّعات خاصّة وجهود ذاتيّة، لتتحوّل المبادرة إلى منظومة إغاثيّة متكاملة.
خليّة أزمة
تميّزت المبادرة بالدقّة الميدانيّة، من خلال تشكيل خليّة أزمة بالتعاون مع بلديّة بعلبك، حيث بلغت نسبة المسح الإحصائيّ نحو 99 في المئة، الأمر الذي أتاح تحديد احتياجات النازحين بدقّة عالية. ولم يقتصر الدعم على توفير الغذاء والمستلزمات الأساسيّة من فرش وأغطية وأدوية، بل شمل أيضًا تأمين مراكز إيواء آمنة لمن تقطّعت بهم السبل. وتشير الدكتورة زينب يوسف، عضو لجنة الإدارة في غرفة إدارة الكوارث إلى أنّ “العمل التطوّعيّ في بعلبك لم يكن وليد لحظة أو استجابة ظرفيّة للحرب الراهنة، بل هو مسار إنسانيّ متجذّر منذ ما يقارب الخمس سنوات، أي منذ أيّام جائحة كورونا”.
تتابع لـ”مناطق نت”: “عندما اندلعت الحرب واشتدّت الأزمات، لم يتوقّف العطاء على الرغم من قسوة الظروف التي جعلت بعض المتطوّعين أنفسهم من بين النازحين. وعلى رغم مرارة التهجير، استمر التنسيق مع الجهات المعنيّة لتأمين المساعدات الميدانيّة، وتجاوز العمل كذلك حدود الإغاثة الآنيّة ليشمل إعداد خطط استراتيجيّة لإعادة التعافي بالتعاون مع المحافظة والمنظّمات الدوليّة، بهدف تعزيز الموادّ الجاهزة لمواجهة التحدّيات المستقبليّة”.

ومع تزايد أعداد المتضرّرين، تركّزت المبادرة على دعم العائلات الصامدة والمتعفّفة داخل المدينة، وهي فئات تواجه صعوبات معيشيّة متفاقمة نتيجة تراجع مصادر الدخل. وبذلك تستمرّ المسيرة بقيادة فريق من المتطوّعين الذين آمنوا بأنّ التضامن المجتمعيّ هو الحصن الأقوى في مواجهة الأزمات، مقدّمين إنموذجًا في التفاني لخدمة الإنسان وأرضه.
توحيد الجهود وتشبيك المبادرات
بدورها تقول نجود الخطيب، التي تعمل في غرفة إدارة الكوارث: “لم تكن المبادرة مجّرد خطّة عمل، بل شكّلت نداء واجب إنساني ووطنيّ كامن في نفوسنا جميعًا. ومن هنا بدأت حكايتنا في اليوم الثاني للنزوح، إذ تحرّكنا بدافع شخصيّ وتطوّعي خالص، بعيدًا من أيّ اعتبارات مادّيّة”.
تتابع لـ”مناطق نت”: “في البداية كانت الخطوات بسيطة وعفويّة، فقد بدأت بنفسي، مستفيدة من مقتنيات العائلة، ثمّ اتّسعت دائرة المشاركة لتشمل بعض الصديقات، وكلّ من امتلك الرغبة في تقديم العون. وعندما اطّلعت على جهود السيّد عادل عواضة ومجموعته، بادرت فورًا إلى التواصل معه بهدف توحيد الجهود وتشبيك المبادرات، إذ إنّ الحاجة كانت أكبر من أن يتحمّلها فرد واحد. وهكذا أخذت هذه العائلة الإنسانيّة بالنموّ، لتضمّ أسماءً تركت أثرًا حقيقيًّا”.
نجود الخطيب: لم تكن المبادرة مجّرد خطّة عمل، بل شكّلت نداء واجب إنساني ووطنيّ كامن في نفوسنا جميعًا
من ناحيته قال عضو مجلس بلديّة بعلبك الأستاذ علي حسن، إنّ “مدينة بعلبك تُعدّ من المناطق التي اعتاد أهلها النزوح منها وليس إليها عند اندلاع الحروب، نظرًا إلى وقوعها المتكّرر ضمن دائرة الخطر. غير أنّ أحداث العام 2026 فرضت واقعًا مأسويًّا عقب وقوع مجازر دامية أودت بحياة عديد من الأطفال والعائلات”. وتابع حسن لـ”مناطق نت”: “أمام هذا المشهد الصعب، انطلقت مبادرة اجتماعيّة رائدة جسّدت التعاون الوثيق بين البلديّة والمجتمع المدنيّ، حيث بدأ التواصل مع الجمعيّات المحلّيّة التي أبدت استعدادًا صادقًا للعمل الميدانيّ، الأمر الذي شكّل حافزًا للاستمرار، انطلاقًا من الإيمان بأنّ العمل الجماعيّ هو الركيزة الأساسة للنجاح في الأزمات”.
65 عائلة نازحة إلى بعلبك
بدأت المبادرة بإجراء إحصاء دقيق للنازحين القادمين من الجنوب، إلى جانب إحصاء خمسٍ وستّين عائلة جرى تأمين مساكن لها داخل المدينة. ولم تقتصر الجهود على توفير الإيواء، بل امتدّت لتشمل تأمين الكساء، حيث بادر أحد أهل الخير بشراء بعض الملابس لضمان توفير ثياب مناسبة للرجال والنساء والأطفال. كذلك شملت المبادرة جوانب هندسيّة مهمّة عبر التعاون مع شركات متخصّصة لتأمين المياه الساخنة بواسطة أنظمة الطاقة الشمسيّة والغاز في عدد من مراكز الإيواء. وفي ختام هذه الجهود، جرى توزيع كمّيّات من المازوت (ديزل) لتدفئة العائلات جرت تغطيتها من تبرّعات عينيّة قُدمت للبلديّة.
تقول بارعة الزيّن، وهي إحدى المتطوّعات “اجتمعنا من منطلق إنسانيّ، خلعنا ثوب الطائفيّة والعصبيّات المذهبيّة، ومن هذا المنطلق تحوّلت المبادرة الفرديّة إلى شبكة من الشبّان والشابّات المبادرين إلى العمل التطوّعيّ. والهدف من هذا مساعدة أهلنا وتأمين أبسط مقوّمات الحياة”.
من ناحيته أوضح فادي رعد من خليّة الأزمة في الجامعة اللبنانيّة، “اجتمعت الجهود عبر خليّة الأزمة لنشكّل يدًا واحدة، ومن هنا حملنا راية واحدة تحمل عنوان خليّة أزمة في بعلبك”.
أمّا المتطوّعة ولاء الرفاعي، فقد أشارت إلى أنّ “المبادرة كانت فرديّة نابعة من شعورنا بالمسؤوليّة تجاه مجتمعنا”. الرفاعي بدأت بتلقّي الدعم المادّيّ من أصحاب الأيادي البيضاء ممّن وثّقوا برؤيتها الإنسانيّة. وسعيًا إلى مأسسة هذا الجهد وتوسيع أثره، نسّقت مع اللجنة الإداريّة في غرفة إدارة الكوارث، محوّلة العمل الفرديّ إلى منظومة جماعيّة متكاملة.
تنظيم العمل الإغاثيّ
من ضمن المبادرة برز الدور الفاعل للمحامي عادل عواضة، الذي لم يكتفِ بعمله القانونيّ، بل سخّر شبكة علاقاته لجمع التبرّعات المادّيّة دعمًا للمبادرة. كذلك وضع مكتبه الخاصّ بتصرّف الفريق ليكون مركزًا لانطلاق الجهود الإنسانيّة، الأمر الذي وفّر بيئة مناسبة لتنظيم العمل الإغاثيّ.
وبالتزامن مع الجهود الميدانيّة، قام المتطوّع بشير كيّاع بدور توثيقيّ مهمّ، إذ استخدم عدسته لنقل صورة واقعيّة عن أوضاع النزوح ونشاط المتطوّعين داخل مراكز الإيواء، ما أسهم في تعزيز الشفافيّة وإيصال نداءات الإغاثة إلى أوسع نطاق. ولم يقتصر دوره على التوثيق، إنّما شارك أيضًا في إعداد الخطط الاستراتيجيّة للتعافي بالتعاون مع المحافظة والمنظّمات الدوليّة.
يمكن القول إنّ أفضل ما ميّز هذه الحركة المجتمعيّة هو وحدة أبناء بعلبك، وذاك النسيج الذي تلاحم فيه الشابُ بالكهل، والمثقّفُ بالعامل، والمغتربُ بالمقيم. لقد أدرك الجميع أنّ “القلعة” (هياكل بعلبك) لا تحميها الأسوار وحسب، بل تحميها القلوب المتآلفة. لقد رأينا الجميع في الساحات، وفي الحارات الضيّقة، يتسابقون إلى مدّ يد العون، متقاسمين رغيف الصبر وشعلة الأمل.













