وقتٌ شاسعٌ كالسماء

لديّ وقت شاسع، وأمور قليلة لأملأه بها.

لا يختلف الأمر الآن عمّا كان عليه قبل أن أترك الضيعة.

الكتابة والرسم غير كافيين لملء الوقت كلّه، ولكنّني كنت أحتال على الوقت بطرقٍ نسجتها ببطئ لأكثر من أربع سنوات.

أعيش إيقاعًا خاصًّا هنا أيضًا، البطء أساسيّ فيه، كذلك التكرار والهروب.

أكرّر جلساتي في المقاهي يوميًّا وأكثر من مرّة، وبعد قيلولة بعض الظهر التي لم أتخلّ عنها، وأتابع أخبار الغارات وأشاركها مع مجموعة “واتس أب” أصدقاء “حيّ البيدر” في الضيعة. وأهرب يوميًّا قدر المستطاع من الأحاديث المكرّرة، بغضّ النظر عن موافقتي على مضمونها. وهذا الهروب يستحوذ على حيّز كبير من وقتي، وفيه أفكر في بيتي ومرسمي. كنت قد بدأت أهرب إلى النادي الرياضيّ، ولكنّهم أقفلوه بسبب الحرب.

أخيرًا، صرت أمشي في الأحياء الخلفيّة، أستمتع بهدوئها وبالأصوات القليلة التي تخرج من نوافذ بيوت تلك الأحياء. أحاول أن أتخيّل حيوات أصحاب هذه الأصوات والشقق المضاءة. أحدّق بالشرفات، وأنفر من تلك التي سكّرها أصحابها طمعًا بمساحة إضافيّة مغلقة.

تعجبني الشرفات في المباني. لا تشبه شرفات الضيعة ولا الحديقة.

أستطيع أن أشعر بعلاقة مختلفة تسمح بها الشرفة بين البيت والفضاء الخارجيّ، غير تلك العلاقة بين شرفة بيوت الضيعة. الشُرفات في الضيعة تشعرك بأنّها تابعة للخارج بشكل تامّ. في المباني التي أراها هنا في أثناء تمشايتي، الشرفة وسيط، وتعبّر عن رغبة وتحفّظ في آن.

حارة حريك

بيتنا القديم في حارة حريك والذي عشت فيه أكثر من 23 عامًا لم يتضمّن شرفة، كنّا نتأمّل الشارع والناس من خلف نافذة، مستندين بأذرعنا على حافّتها. ثمّ توقّفنا لأنّ مولّد الكهرباء كان يقابل بيتنا وضجيجه ينغّص أيّ متابعة، وعندما صار السواد وبوسترات (ملصقات) الصور تحاصر بصرنا من كلّ اتّجاه.

هذه المرّة الأولى أسكن في بيروت مدة 45 يومًا. فهمت متأخّرة أنّ حارة حريك ليست من ضمن بيروت.

يعجبني الشجر الذي يزيّن بعض مداخل المباني هنا. وجوده خارج السياق يسحرني. وسياق الشجر بالنسبة إليّ هو الحديقة.

أنظر إلى السماء كثيرًا في أثناء تمشايتي، وجلوسي على أرصفة المقاهي أو من غرفتي في الطابق السابع التي لها واجهة زجاجيّة واسعة تتيح لي رؤية سماء شاسعة وإن كانت مختلفة عن سماء الضيعة، لكنّها تعجبني.

أملأ وقتي أيضًا بالهروب نحو تناول الأكل. آكل كثيرًا.

في الضيعة كان الطبخ يملأ وقتًا لا بأس به من ساعات يومي. تقريبًا محطّة يوميّة ثابتة.

لست طبّاخة

أنا لست طبّاخة ماهرة، بل حتّى إنّني لست طبّاخة. صرت أطبخ عندما عدت للعيش في لبنان منذ خمس سنوات تقريبًا لأنّ أمّي لم يعد بإمكانها إعداد الطعام.

صرت أطبخ بإِشراف صوتها من الغرفة حيث تجلس. تقريبًا أطبخ كلّ شيء ولا أحبّ أن يساعدني أحد عندما اقوم بذلك. حتّى عندما ألفّ (أعدّ) ورق عنب أو أحشو الكوسى.

أطبخ في الضيعة كي آكل مع أخي. ولأنّني أحبّ أن أصل يومًا ما إلى نكهة طعام أمّي الذي أحبّه. ويبدو أّنني أحبّ رحلة إعداد الطعام بدءًا من التحضير الذي غالبًا ما يكون في الحديقة، إذا سمح الطقس بذلك، من تقطيع الخضار إلى عصر الحامص وهرس الثوم.

وأحبّ كيف أقطف الحامض من شجرتنا، أو البقدونس من مسكبتنا أو الحبق من على شرفة المطبخ الخلفيّة. نبتة الحبق التي كانت أمي تذكّرني بأن أسقيها كلّ يومين وكنت أغضب: “مش ناقصني مهام إضافيّة أني يا إمي”.

في بيروت آكل كثيرًا لكن لا أطبخ كثيرًا.

لا أشعر برغبة في الطهي ولا حتّى بتناول الطبخ. أفضّل أيّ ساندويتش. وأصلًا محاولات طهيي القليلة هنا ليست ناجحة تمامًا.

لدي دفتر فيه وصفات أمي ولكن بخطّي. كانت تملي عليّ بصوتها وأنا أكتب. نسيته في الضيعة لما غادرت، ولكنّ أخي أحضره لي لاحقًا. للحظة ظنّنا أنّه ضاع منه، فشعر بضيق فظيع لحين طمأنته أنّه معي.

في بيروت وقتي شاسع.

أجلس في المقهى، أمرّ على الأصحاب في المقاهي المجاورة، أشرب “كورتادو”، أشارك أخبار الغارات مع مجموعة أصدقاء “حيّ البيدر”، أكتب، أرسم، أمشي في الأحياء، أنظر إلى السماء والشرفات، أفكّر في بيتي ومرسمي، أنام بعد الظهر، أهرب، آكل ولا أطبخ كثيرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى