عانقت البيت بزهرة.. عن أنين الركام الذي لا يرحم

وإذا خلصت.. فكركن حنقدر نرجع؟!

أمرُّ في الطرقات المهجورة، أنظر شزرًا إلى ركام البيوت والمحال المتراكمة جبلًا فوق صبرنا، فأنين دمارها لا يرحم! أُفكّر في أنّ البيوت المدمّرة تخجل منّا، فهي لم تعد تصلح سكنًا، بعدما اغتيلت سكينتها! أرى اتّساعًا يطلّ على الفراغ، يباسًا يشبه السبع العِجاف، سكونًا موحشًا، أحمل هاتفي كي أصوّر ظلّ شجرة واقع من بين الرماد، أمسك يديّ ترتجفان، ويهطل شتاء نيسان الأخير على موتنا المُحتّم، فكيف نحيا وقلوبنا مجالس عزاء!

بغتة حدثت، كان لا بدّ أن تحدُث، كُنّا في جلساتنا نقول: ستحدُث. وكان المحلّلون والمُنجّمون يقولون لنا لا لن تحدُث فجارة السوء مُنهكة، والمقاومة انتهت.. وبعد كلّ حادثة إخلاء، وبعد كلّ عمليّة اغتيال، وبعد كلّ موت كنّا نقول: إلى متى؟ فجاء الحدث الذي قلب أماننا الأرِق ضبابًا، أشحنا عنه النظر، فانفجرت في وجوهنا مسيّرة التهمتنا نيرانها، وهي تهاجم ذاك الشاب الجريح الأعزل الذي غطّى وجهه بكلتيّ يديه مستسلمًا للموت الذي لا بدّ منه.

وكالعادة قرّرت أن أصمد، وصمدت؛ وهذه المرّة مع طفلين. في اليوم التالي للحرب خلَت الأماكن وأصبحت متاجر الخضار مشرّعة أمام الناس، هذه المحلّات التي تنتظر موسم رمضان لتزيد أسعارها لكثرة الطلب عليها، أصبحت فجأة فارغة، فقط “خوذ وإمشي”. لتأخذ منها ما تريد من دون أن تدفع فلسًا، فأخذ من بقي من الناس حاجته، وكانت النهارات تطول مع أنّه كان بداية شهر آذار (مارس)، ولكن كلّ يوم كان كألف سنة ممّا يعدّون.

حتّى محلّ الحلويّات الذي اشتريت منه “القطايف” ليلة حدوث الحرب، كان فيه موظّف يبدو أنّه ينام فيه، ينفّذ تعليمات صاحب المحلّ بأن نأخذ ما نريد مبروئي الذمّة. كانت علب البقلاوة شاهدًا حقيقيًّا كيف يصبح “البلاش” في زمن الحرب بلا طعم حتّى ولو كان حلوًا؟

الأيّام العشر الأواَئل

وضّبت ثياب أطفالي. أكره الحقائب الكبيرة، وفضّلت وقتها أن آخذ بعض الأشياء، وليس ما يوفي حاجتي، حتّى لا يكون فألًا سيّئًا، وفي طريقي إلى مدخل المبنى، انفتحت المنطقة على البؤس، بؤس الغياب، “كيف تمكّن هذا الكمّ من الناس ترك منازلهم بهذه السرعة؟ كيف استطاعوا أن يفرّوا بكلّ احتياجاتهم وأن يتركوا وراءهم ذكرياتهم؟”. قلت ذلك وأنا ألتفت إلى طفلتي وهي تشدّ قميصي، وتقول لي “خيفانه”! ففهمت في حينه أنّ استشعار الخطر هو شعور نفسي يمكّن الإنسان من طلب النجاة. لجأت إلى بيت أهلي كالعادة في القرية المجاورة.

الأيّام العشرة الأوائل كانت الأصعب وبعدها تأقلمنا، حتّى الأيّام التي كانت تمرّ بصعوبة صارت أكثر سرعة، ولم نعد نصدّق أنّ البارحة كان نهار الأحد وأنّ اليوم هو الخميس. بهذه السرعة صرنا نطوي أيّامنا، بعدما تبيّن لنا أنّ القصّة “مطوّلة”، وأنّ العدوّ يحيط بنا من كلّ جانب، وأنّ الأصابع التي على الزناد تحارب أسطورة الآلة، حيث القتل عن بعد وحيث التدمير بكبسة زرّ.

يومًا عن يوم بدأت تتكّشف لي تداعيات المشهد، أمّا همجيّة العدوّ التي لم تكن خافية يومًّا، وبطشه المدعوم بـ “كرت بلانش”، بتنا قومًا عُزّلًا لا حول لنا ولا قوّة، وإيماننا صار مرهونًا ببأس المقاومين عند الحدود وهم يتصدّون لقوّات الاحتلال وهي تدكّ البلاد دكّا بجرّافاتها ودبّاباتها، وأخطر ما كان يحصل أن تتحوّل العاطفة الشعبيّة إلى نوع من إشاعة الأكاذيب فتُنشر بيانات لا صحّة لها، وتُنشر معارك لا واقع لها، وتكثر الأقاويل ومع كثرة المواقع الإخباريّة تصبح الشائعة مشاعًا..

“البيقول انتصرنا دابكة بنيعو”

ربّما الحرب تطول، ولكنّ مقدرتنا على طلب النجاة استطالت حتّى التوت رقابنا، وإن حدث وباعونا هُدنة، تتألّف من وقف أزيز مسيّراتهم وضرباتهم العشوائيّة، فسيحلّ علينا رصاص الابتهاج عوضًا، ليُخبرنا أنّ الانفصال عن الواقع واقع لا محال! وعلى مقربة من سريان وقف إطلاق النار وبعد تقلّب دام لساعات في الفراش، وأمام هول مجزرة في صور ارتكبها شياطين الأرض قبل أن “يحلّوا” عن سمائنا، نهضت قاعدة وقلت مبربسة: “اللي بيقول انتصرنا دابكة بنيعه!”.

قدت سيارتي “البلا نمرة” لأوّل مرّة مسافة بهذا البعد، “شو أنا أحسن من العالم الي تهجّروا؟”

لم يكن صمودنا في الضيعة الواقعة قرب النبطيّة عاديًّا، كان الرعب يحوطنا، وفي تلك الليلة التي استشعرنا تهديدًا مباشرًا بالإخلاء، تغيّرت أحوالنا، انتقلنا من بيت إلى بيت آخر داخل الحيّ، اعتقدنا أنّ بيتنا المواجه للجبل ربّما يواجه غارة فاجرة طائشة، لم يعد الأمر شخصيًّا، فالخوف ليس على النفس، بل على الأطفال، عن قرارات تتّخذها وتتعلّق بآخرين معك.

أذكر أنّه في اليوم التالي حينما قرّر جميع أهلي الانتشار في بقاع أرض لبنان، بحثًا عن مأوى بعيد، كنت آخر المغادرين أيضًا. كانت أمّي تنتظرني، وكانت ابنتي متحمّسة ظنًّا منها أنّ أولاد أخوالها سبقوها في رحلة إلى مدينة صيدا، (بدنا نروح ع صيدا) وكان أبي وحيدًا كعادته لا يريد الذهاب، صرخ بنا: “يلا إمشوا هلّق شتا، قبل ما تصحى، كلّنا لدينا هذا الحسّ أنّ المطر يربك نظامهم الدمويّ”.

لا مفرّ من النزوح

قدت سيارتي “البلا نمرة” لأوّل مرّة مسافة بهذا البعد. أسبوع قضيته بعيدًا وكأنّني في حال عقاب، “شو أنا أحسن من العالم الي تهجّروا؟”، قلت في نفسي. الناس الذين يعيشون في المدارس بصفة نازحين، يغسلون ثيابهم على أيديهم، واستحدثوا مناشر غسيل تمتدّ من الشجرة حتّى الشجرة، ومن الشبّاك حتّى الباب! العالم الذين لم يجدوا مكانًا أعطوهم خيامًا، وناموا عراةً من ذاكراتهم. العالم الذين يتنافسون على أبسط احتياجاتهم، يبحثون عن دور لهم في استخدام غاز الأرض كي يطبخوا شيئًا يسدّ جوعهم. العالم الذين يمنّ عليهم المتبرّعون بكراتين “هات إيدك والحقني” تتكدّس فيها أكياس البرغل والعدس والفول والأرزّ والحمّص، وكأنّهم في حالة تموين وليس في حال تهجير!

يستحضرني صوت أحدهم: “شو بدّو الفقير بالبرغل والعدِس؟”. وفي الأزمات تظهر الاختراعات، فيبسّط الناس أمام مداخل مراكز الإيواء يبيعون ويشترون، حلّاقون، بائعو سكاكر، قهوة متنقّلة في سيّارة “رابّيد”، وغيرها.. الناس الذين يتكدّسون في أحسن الحالات عائلات في منزل مستأجر بمبلغ لا يتحصّل لمالك المنزل إلّا في حالات كهذه.

عانقت البيت بزهرة

أسبوع قضيته بعيدًا ورجعت، عانقت البيت بزهرة، “هدنة مش هدنة”، يتلاعب قادة الأمر بحيواتنا، يبيعوننا هدنات، والليلة يقولون إنّها هدنة حقيقيّة، فأشعر برغبة في البكاء، على كلّ الذين ما صدّقوا أوّل الخبر حتّى ركبوا سيّاراتهم وبدأوا بقوافل العودة، وهم يستثنون أنفسهم من كلّ تحذير وتريُّث. أذكر مشهدهم عندما أُوهموا قبلًا، كيف رقصوا وغنّوا وجمّعوا حقائبهم ثمّ عادوا خائبين، لأنّ لغطًا حصل حول موعد وقف إطلاق النار، وكان الأربعاء الأسود.

الليلة يمكن أن نهنّئ بعضنا بالهدنة ويمكن ألّا..! ولكن العودة ولو كانت يومًا مجيدًا، ستكون بداية انجلاء الصورة على القهر و”الشحار”، على الدمار والانكسار، على الوجوه الثقيلة التي أرهقها النزوح، على النفوس المتعبة التي وعلى الرّغم من شارة النصر التي ترفعها في وجوه الكاميرات، إلّا أنّ أصحابها يعرفون أنّهم غير منتصرين. ومن ينتصر فوق خرابه؟ هل النجاة هي فعل انتصار؟ لعلّنا نجونا، ولكن ماذا عن الذين استُشهدوا فرادى وجماعات؟ ماذا عن الذين عادوا ولم يجدوا بيوتهم ولا أرزاقهم؟ ماذا عن الهواء الموبوء برائحة البارود والقتل الهمجي؟

اخرسي يا بومة تقرع صدري، سيعبرون ونعبر الجسر خفافًا ثِقالًا، ولكن سيعودون وسيُرمّمون ما تبقّى من وجوههم المتعبة، سيعودون منهكين فاقدين حيارى، وجيوبهم متخمة بالخسارة، ولكن ليسوا مُهانين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى