بعلبك الهرمل.. حياة معلّقة على انتظارات الحرب

في البقاع الشماليّ، تمرّ الأيّام ببطء شديد، فالحياة هنا لم تعد عاديّة. شعور ثقيل يُخيّم على القرى والبلدات، كأنّ الحرب لم تبدأ بعد لكنّها حاضرة في تفاصيل حياة الناس ومن خلال أحاديثهم وقلقهم، وفي قراراتهم المؤجّلة. هنا لا يُحسب الزمن بالأيّام والساعات، بل بترّقب شبح المواجهة والخوف من نتائجها.
نار الحرب خوف مكبوت
في قرى ومدن محافظة بعلبك – الهرمل يتردّد السؤال ذاته ويتقدّم على ما عداه: هل ستصلنا الحرب أكثر؟ هل فعلًا ستحضر الإنزالات؟ كيف سيكون شكل المواجهة إن وقعت؟
أسئلة وإن لم تُطرح علانيّة في كلّ المجالس، إلاّ أنّها مخيّمة على الوجوه. تصف الناشطة بهيّة صلح من بعلبك في حديث لـ”مناطق نت” واقع المدينة اليوميّ قائلة “حتّى الآن لم نعش الحرب كما عشناها في المرة الماضية، لكنّنا نعيش انتظارها، وهذا أصعب على الناس، بخاصّة في ظلّ ضخّ الشائعات حول واقع الحدود مع سوريا”.
الترقّب هنا كما تشير صلح “ليس حدثًا طارئًا، بل حالة مستمرّة منذ سنوات. ومع كلّ تطوّر إقليميّ، يرتفع منسوب القلق، ويصبح الناس أكثر حذرًا في تحرّكاتهم وإنفاقهم. هناك إقبال ملحوظ على تموين الموادّ الغذائيّة والأدوية، نلاحظه بكثرة في التعاونيّات والصيدليّات”.

النزوح ذاكرة ألم
في بلدة البزّاليّة، صور النزوح الشامل خلال الحرب السابقة، لا تزال حيّة في الذاكرة بمرارتها، تحزّ في النفوس، وتتردّد قصصها على الألسن. كثيرون يتحدّثون عن اضطررهم لمغادرة منازلهم، وما رافق ذلك من خسائر وتراكمات نفسيّة ومعنويّة ومادّيّة.
تروي م. البزَّال فتقول: “الخوف ليس فقط من الحرب وأهوالها، الخوف الأكبر من التهجير مرّة أخرى، نزح بعض الناس ممّن لديهم أماكن آمنة، لكن فعليًّا لا طاقة لنا على تكرار التجربة”.
هذا القلق لا يقتصر على القرى والبلدات الدائرة في فلك “حزب الله”، بل يمتدّ إلى كلّ البقاع الشماليّ، حيث يتحضّر الجميع للنزوح كأمر حتميّ، وليس كاحتمال أو سيناريو بعيد المدى.
المجتمعات المضيفة بين تضامن وضغط
في البلدات التي تمّ تصنيفها كمراكز إيواء، تبرز هواجس لدى المجتمعات المضيفة في حال توسّع دائرة الحرب. في بلدة القاع يلفت حكمت عاد وهو عضو في خليّة الأزمة وأحد الناشطين الفاعلين في الإغاثة في دردشة مع “مناطق نت” إلى عمق القلق “نحن أهل كرم وضيافة، استقبلنا في حرب الإسناد الآلاف في بيوتنا ومدارسنا، حاليًّا وفدت إلينا عشرات العائلات، لكنّ الواقع صعب”. ويشير عاد إلى غياب دعم الدولة والجمعيّات والجهات المانحة “لا إمكانيّات ولا دعم، البلديّة تعمل قدر إمكاناتها”.
الحديث هنا لا يُخفي روح التضامن، ولا إرادة الاستقبال، لكنّه يكشف حدود القدرة. فالمجتمعات المحلّيّة تعاني أصلًا من أزمات اقتصاديّة حادّة، تجد نفسها أمام احتمال تحمّل أعباء إضافيّة في حال حصول موجات نزوح جديدة.
يقول عاد” “لأكون صادقًا ولا أجامل الانقسام في البلد حادّ، وغير خافي على أحد، والاحتقان كبير والاستفزازات المتبادلة في أوجها”. وخشية من حدوث أيّ أخطاء أو إشكالات يناشد عاد بـ”ضرورة احترام واقع البيئات المستضيفة، كذلك عدم تحميل النازحين تبعات الحرب”.
علي رباح: “الناس لا تستطيع التخطيط لأيّ شيء، فقط تأكل وتشرب وتنتظر، وهذا بحدّ ذاته أزمة”.
جمود اقتصادي
تشهد الحركة التجاريّة في البقاع الشماليّ حالة ركود كبيرة، تقترب من الشلل التامّ. ففي أسواق بعلبك، يشير التجّار إلى تراجع ملحوظ في المبيعات، وسط إحجام الناس عن الشراء إلّا الضروريّات. يقول أحد أصحاب المحال “طبيعيّ ما يحصل، فالناس خائفة، ولا أحد يصرف، الكلّ ينتظر بحذرٍ ماذا سيحدث”.
إلى جانب ذلك، تستمرّ الأسعار بالارتفاع الجنونيّ، والغلاء استنزف القدرة الشرائيّة للمواطن، فيما الدخل ثابت أو تراجع، وكثيرون فقدوا مصادر رزقهم بالكامل، ما يجعل أيّ تطوّر أمنيّ محتمل عاملًا إضافيًّا في تعميق الأزمة.
أمّا في بلدة اللبوة، فيختصر الشاب علي رباح المشهد بكلمات مؤثّرة، فيقول “نحن عالقون بين الحرب والسلم. نعيش حياة رماديّة لا نعرف ماذا نفعل؟ أو كيف نتصرّف؟ جميعنا تائهون”. يتابع لـ”مناطق نت” بتأثّرٍ شديد “أخطر ما نعيشه اليوم هو عدم اليقين، كلّ يوم بيومه، لا ثقة بالغد، ربّما لا نبقى للغد. الناس لا تستطيع التخطيط لأيّ شيء، فقط تأكل وتشرب وتنتظر، وهذا بحدّ ذاته أزمة”.

مدارس تترنّح
القطاع التربويّ ليس بمنأى عن هذا الواقع. ففي بلدات عدّة، مثل: الفاكهة، رأس بعلبك، عرسال والقاع، ما زالت المدارس تستقبل طلّابها حضوريًّا، على رغم حال القلق بشأن استمراريّة العام الدراسيّ. بينما ثمّة مدارس أخرى مثل: رسم الحدث، أمهز، البزّاليّة، حربتا، وغيرها انتقلت إلى التعليم عن بُعد.
يشرح مدير ثانويّة الفاكهة الرسميّة الأستاذ محمّد خليل في حديث إلى “مناطق نت” قيامهم بفصل المدرسة إلى قسمين بعد اعتمادها كمركز إيواء. يقول “نقوم بواجبنا الوطنيّ الإنسانيّ تجاه الأخوة النازحين، ونقوم بواجبنا التربويّ تجاه طلّابنا بالتعليم الحضوريّ”. ويشير خليل إلى أنّ “أيّ تصعيد حربيّ في منطقتنا، سيؤدّي حتمًا إلى إقفال المدارس، وتوقّف التعليم حضوريًّا كما حصل في مرّات سابقة”؛ واعدًا بالتعويض على الطلّاب “حالما تسمح الظروف لأنّ التعليم عن بُعد غير ذي جدوى تربويّة فعليًّا، لكن نحن ننفّذ ما تطلبه منّا وزارة التربية”.
أمّا أهالي الطلّاب، وعلى رغم رغبتهم في استمرار تعليم أبنائهم حضوريًّا، إلّا أنّ خوفهم من المخاطر الأمنيّة سيدفعهم إلى عدم إرسالهم إلى المدارس حفاظًا على حياتهم.
حياة معلّقة
هنا في البقاع الشماليّ، تبدو الحياة معلّقة بين الأمل واليأس. لا قرارات حاسمة، ولا طمأنينة كافية. كلّ شيء مؤجّل: الأفراح، المدارس، المشاريع، الأعمال، السفر وحتّى الأحلام باتت هي الأخرى مؤجّلة.
هنا في مناطق الأطراف، لا يحتاج الناس إلى إعلان الحرب كي يشعروا بثقلها، أو يكتووا بنيرانها. فقط يكفي أن تكون محتملة أو قريبة، كي تتحوّل إلى عبءٍ يوميّ يُثقل كاهلهم، ويملأ تفاصيل حياتهم بالقلق والهموم.



