عندما يصبح النزوح واقعة ذهنية تأبى الانزياح

لا يمكن للمتشرّد أن يستكين إلى أفق بعينه. فالتشرّد هو بوصلة رجراجة تقوم على جملة من الأعطاب التي تسوق المرء إلى تيهان يداخل تيهانًا آخر.
“ولا كإنّو في سقف فوق راسنا”، بهذا نبستْ الحاجّة “إمّ علي” وهي تطلق دخان سيجارتها من بين شفتيها المرتجفتين داخل إحدى غرف المدرسة التي تؤويها هي وعائلتها بعد نزوحهم من الضاحية الجنوبيّة، مردّدة باستمرار “مشرّدين مشرّدين”.
إنّ أكثر ما تشي به تعابير وجوه هؤلاء النازحين الذين يعيشون تشرُّدًا قاسيًا، هو أنّ ثقل حاضر النزوح الذي يرزحون تحته يجعل حتّى مستقبلهم زهيدًا، بخسًا ورخيصًا. يبدو أنّ للنزوح تلك القوّة الفائقة على أن يبسط حضوره حتّى في الأيّام التي تليه.
كانت سُحب الماضي القريب تتكاثف داخل ذهن الحاجة إمّ علي وهي تسرد أخبار يوميّاتها في بيتها الأصليّ، لكنّ همّ المستقبل كان شديد الوطأة والحضور. ليس الصبر حيال الخروج من منازل الألفة وصولًا إلى النزوح إلّا كذبة. فالصبر – كما أنبأتني تلك الدموع المكبوتة بين رموش إمّ علي – إزاء أن يكون المرء نازحًا لا يتجاوز أن يكون بمثابة الكليشّيه الرثّة، دعوات فارغة يداخلها كثير من قلّة المسؤوليّة وعبث النزق وقلّة الأخلاق.
فَلترة النزوح
قد يعمد بعض القادة الموتورين إلى فَلْتَرة النزوح والتشرّد والعيش في الشوارع والأزقّة وبالتالي إخراج هذه الأمور من أفق الذلّ والهوان وتحويلها إلى انتصارات وبطولات وعناوين للصبر الجليل وما شاكل من مفردات ممسوخة، بيد أنّ كلمات الحاجّة إم علي عن كرتونيّة كلّ سقوف العالم مقارنة بصلابة سقف بيتها يرمي بهؤلاء القادة في أتون الحقارة… ليس أقلّ من الحقارة.
إنّ النزوح كما عايشتُ بعض تفاصيله عبر مجالستي لكثير من النازحين في هذه المدرسة أو تلك، في هذه الحديقة أو تلك، فوق هذا الرصيف أو ذاك ينزع عنه تلك الصفة، ليصبح تشرُّدًا قاسيًا لا يعرف المجاملة، والخطير في ذلك أنّ النزوح ينتقل في أذهان النازحين وقلوبهم من كونه حالة موقّتة أو طارئة إلى كونه حدثًا دائمًا لا يعرف الزوال.
نعم، إنّ التقييد الدائم لنمط حياة مجموعة من البشر بما هو طارئ، بما هو مستجدّ يحوّل هذه الحياة برمّتها إلى محض قيد. يكفّ النزوح والعيش هبابًا فوق الطرقات عن أن يكون مجرّد حالة عابرة، بل تراه يتحوّل عبر مساربه الخبيثة ليكون واقعة ذهنيّة تأبى الانزياح.
إنّ إهانة كلّ ما هو حميميّ، إنّ إهانة معايشة الناس اليوميّة لجدران بيوتهم ولأسقف هذه البيوت وأبوابها ونوافذها يودي بهؤلاء إلى الوقوع في ذاكرة مستقبليّة تأبى التواري في التالي من الأيّام والشهور والسنوات. ثمّة حفرة من الصعب طمرها ترى النزوح يجيد حفرها داخل أعماق النازحين، وهو ما يمكن لحظه عبر نظرات عيون النازحين وعبر تلعثم الكلمات فوق ألسنتهم، وعبر تنهيداتهم التي غالبًا ما تكون متقطّعة الأوصال.
التشرّد هو ألّا تملك شيئًا، هو أن تفقد كلّ شيء… إنّ التشرّد بعمقه الأقصى هو ذلك الشعور المضنيّ بأنّ العالم تخلّى عنك.
التشرّد ألّا تملك شيئًا
في كتابهما الجدير بالإعتبار “العيش في الشوارع – أنثروبّولوجيا التشرّد” (منشورات سطور – ترجمة د. هناء خليف غني) وبعد طول تمحيص وبحث، يسأل الثنائيّ أرين غلاسر ورا برجمان، ما هو التشرّد؟ ليجيبا: إنّ التشرّد هو ألّا تملك شيئًا، هو أن تفقد كلّ شيء… إنّ التشرّد بعمقه الأقصى هو ذلك الشعور المضنيّ بأنّ العالم تخلّى عنك.
إنّ التشرّد – وقد عاين كلّ من مؤلفيّ الكتاب كثيرًا من حالاته في شتّى أصقاع الأرض – هو نمط مرهق من محاولة الإنسان أن يبقى على قيد الحياة عبر الاستعانة بإمكانات قد لا تتوافر لديه… العيش على الحافّة، العيش في القاع… سدّ منافذ العيش.
فأن يسند الإنسان حياته على الدوم بالموت يعني أن يكون مشرّدًا. أتت الحاجّة إمّ علي بحركة من يدها وقد أرفقتْ هذه الحركة بعبارة مفادها أنّ وعيهم بالاستقرار في بيتهم صار منذ سنوات وسنوات مرادف للتشرّد. “كلّ كم سنة عنّا حفلة هرب وشحار”، قالت وهي تبلع بقيّة كلماتها.
شأن إمّ علي، بعض كلمات من كان مشاركًا في جلسة التشرّد تلك، كانت أقرب إلى الطلاسم وكأنّي بنزوحهم المذلّ هو بالفعل عمليّة نسف للكلمات. وعلى الرغم من محاولات القادة وزعماء السوء تصوير النزوح كنمط يوتوبيّ من أنماط الحياة على طريق العزّة والكرامة والانتصارات فإنَّ النزوح هو في بعض متونه تشريح جذريّ لفعل الانتماء.
استقصاء النزوح
ترى النزوح وقد أرهق ناسه عن بكرة أبيهم فعل قراءة – كلّ على طريقته الخاصّة– في جدوى الانتماء إلى هذا الحزب وصولًا – وإن كان بتردّد وهمس– إلى رفس هذا الانتماء وإن كان البعض ما زال يكابر حيال هذه النقطة بالذات، وقد قرّر هذا البعض البقاء في بطن هذا الوحش، ومن النافل -استطرادًا- أنّ من يعش في بطن الوحش يصعبْ عليه أن يراه كما هو بحقيقة الأمر.
إنّ جلّ المحاولات التي تجهد في استقصاء النزوح والوقوف على عقابيله الأخيرة ستكون حكمًا محلّ تيه. إنّ النزوح هو بالعنوان العريض معايشة مرهقة للتشرّد والغموض، غموض الحاضر من جهة وعدم الثقة بالمستقبل من جهة أخرى. وليست زحمة النغصات تلك والتي تداخل تفاصيل أيّام وساعات النازحين إلّا مؤشّرات على عدم القدرة على تشخيص النزوح بالمطلق.
إنَّ النزوح هو في متنه الأعمّ، واقعة ضبابيّة شديدة الحلكة تأبى الانضواء ضمن أيّ قراءة ذهنيّة دقيقة، وهو أمر تجذّر في رأسي أكثر لدى تخاطف نظراتي بين المجموعة التي كنت أجالسها من جهة، وفتاة تجلس في إحدى زوايا الملعب وكانت منغمسة بقراءة كتاب من جهة أخرى!
“شو عم تقري؟”، سألتها لتبادلني بعدها نأمة ابتسامة وترفع الكتاب: “الجريمة والعقاب”، دوستويفسكي. لم أفكّر بالجريمة التي قد اقترفتها هذه الفتاة العشرينيّة والتي أودت بها إلى هذا المكان، وأيضًا لم تساورني الحيرة إزاء العقوبة التي فُرضتْ عليها لذنب لم ترتكبه من قريب أو من بعيد، وفي بالي عبارة تفوّه بها أمامي بذعر أحد الرجال: “شو إيران أفيهاش تدافع عن حالا يعني؟ إلّا ما يفوتونا بهل حرب؟”. عدت بخاطري إلى دوستويفسكي “الجريمة والعقاب” وإن كان العنوان الدوستويفسكي الملائم لناس التشرّد هؤلاء هو: “مذلّون مهانون”.



