أن تكون كسولاً في عالم مجنون

لعلّه من الغرابة بمكان أن يتكلّم المرء عن القوّة التحفيزيّة للكسل، ذلك أنّ الصيت السيّء للكسل يحفر عميقًا في الوجدان وفي جلّ أنماط الحياة العصريّة. إنّ الحياة وقد روّضتْ أمزجتنا بما يتناسب مع محض السرعة والركض والجريان واللهاث دفعتْ كلًّا منّا لأن يرى في الكسل تلك الآفة المقيتة، إنّما الحقيقة هي على العكس من ذلك إلى حدّ كبير.
ليس من باب العبث في هذا السياق أن نرى أسماء وازنة في تاريخ الفكر والأدب وعلم الاجتماع ممّن تطرقوا إلى الكسل باعتباره حاجة ضروريّة من حاجات العيش، وفي البال بهذا الصدد الفيلسوف الإنكليزيّ “برتراند راسل” وما بثّنا إيّاه من قيمة عليا للكسل في كتابه “في مدح الكسل” ثمّ الألمانيّ “هيرمان هسه” ونصّه الرائع في الكسل والذي لم يجد أدنى حرج في عنونته “فنّ الكسل” وصولًا إلى عالم الاجتماع “بّول لافارغ” وكتابه الذائع الصيت “الحقّ في الكسل” والذي ربّما وضعه من باب النكاية بوالد زوجته “كارل ماركس” حيث العمل ثمّ العمل ثمّ العمل.
على الرغم من تباين المقاربات بين كلّ من هذه الكتب، فضلًا عن غيرها من تلك التي تناولت الكسل، فثمّة ما يشبه الإجماع على أنّه من الحكمة في هذا العالم أن يكون الإنسان من آن لآن كسولًا. فحكمة أن يتمتّع الإنسان بنعمة الكسل تستبطن تحدّ شرس ورائع لكلّ أنماط الحياة التي يعيشها الإنسان في هذا العالم السريع العدو والجريان وربّما أروع تجسيد لهذه النعمة – نعمة الكسل – تتمثل بصورة مدّ الكسل لسانه بوجه العالم استخفافًا منه بما يمور في قلب هذا العالم من دعوة زائفة للنشاط وللإرهاق.
رفع الوسطى
إنّ الكسل في هذا الوضع هو أقرب إلى بَرْم الظهر ليوميّات حامية شديدة الوطأة ولا تستكين، بل هو –وهنا روعته – أقرب إلى رفع الوسطى بوجه تلك الملامح الصارمة لحياة لا تعترف بالاسترخاء إلّا كمحطّة من أجل الجريان التالي.
على الرغم من تلك الوجاهة المفترضة للمناصب العليا ولوفرة المال وللسعي المضني إلى المكانة الاجتماعّية، وهي أمور ترى العالم الشديد السرعة يدغدغ الناس من خلالها، فإنّ الكسل يبقى تلك الرفاهية المنقرضة التي تعزّز وجود الإنسان أمام نفسه بالدرجة الأولى إذا ما أردنا أن نستعير كسولًا شهيرًا في التراث الثقافيّ العالميّ توفّي سنة 1680 ويدعى “فرانسوا دو لاروشفوكو” صاحب تلك الشذرات الرائعة.
من “لحّق حالك” مرورًا بـ “لازم تكون أسرع من هيك” ترانا وقد تحوّلنا إلى مجرّد إطارات مكركبة في عربة تنحدر نزولًا على الدوم، و أسمّي هذه العربة، الحياة.
عيبٌ مخزٍ
ربّما يخامر المرء الشكّ في أنّ كسله عيب مخزٍ، إنّما الحقيقة تقع في مكان آخر حيث الكسل هو بمثابة ذلك اللعب الذي يحدج وقار العالم المهلهل من كلّ حدب وصوب. فإذا كانت السرعة هي توق من أجل الوصول، فإنّ الكسل هو الوصول بأمّه وأبيه إذا أردنا أن نأخذ بعين الاعتبار شكل العالم الذي يقوم على محض الركض. فمن “لحّق حالك” مرورًا بـ “لازم تكون أسرع من هيك” وصولًا إلى “الوقت ما بينطر” ترانا وقد تحوّلنا إلى مجرّد إطارات مكركبة في عربة تنحدر نزولًا على الدوم، ومزاجيّ يسوقني لاعتبارات عدّة بأن أسمّي هذه العربة، الحياة.
لطالما خمّنتُ أنّ العالم كحدث هلعيّ على الدوم هو محل استنفار دائم بوجه عدوّ يدعى الكسل. فالكسل يمتلك تلك القدرة على الإفشاء بأسرار هذا الهلع المزمن، بل وترى الكسل يمتلك تلك الحيلة البريئة لتذويب مجمل فولاذيّة هذا الحدث الهلعيّ الطائش الذي يدعى العالم.
إنّ خلخلة كلّ ضجيج ذلك القفز الذي يستدعيه العالم في كلّ يوم، يجعل الكسل محلّ وجاهة شبه منقرضة إزاء عالم يعمل على العبث بكلّ أسباب السكينة والهدوء والإسترخاء. إنّ امتهان الحياة كمجرّد ركض علينا مجاراته بكلّ الطرق والوسائل هو – هذا الامتهان – في جلّ وجوهه استدعاء يوميّ لشدّ الأكفّ فوق الرقاب، لكنّه أيضًا استدعاء مرهق لاستهلاك القلب والذهن والروح والأعصاب، حيث اضمحلال تلك الفرديّة التي تعززها هذه العناصر في الإنسان.
نعمة الكسل
نعم، إنّ نعمة الكسل في هذا العالم المجنون هي في بعض متونها رفع لقيمة الإنسان باعتباره فردًا قائمًا بذاته، وليس مجّرد برغيّ مشدود إلى آلة ضخمة لا تأبه إلّا بديمومة ضجيجها وسرعة تدفّقها، وسوق الإنسان من ثمّ إلى الشعور بأنّه مدين في وجوده بشكل دائم لأن يجري بسرعة تراها في غالب الأحيان تفوق طاقاته.
في غمرة الكسل الذي ينتابني في أثناء كتابة هذه المادّة تراني أتخاطف النظرات بين الكلمات التي أدوّنها فوق بياض الورق من جهة وأخبار الحروب التي تبثّها شاشة التلفزيون أمامي من جهة أخرى. من حرب مالي إلى السودان فالحرب الروسيّة الأوكرانيّة فضلًا عن تلك الإسرائيليّة الأميركيّة الإيرانيّة، وبشكل خاصّ حرب إسناد إيران في الجنوب اللبنانيّ المنكوب وفي البال فكرة مفادها أنّ الكسل هو فعل بطولة بامتياز، بل لعلّه فعل البطولة الأوحد في هذا العالم التعيس.
أداور هذه الفكرة برأسي مستجديًا هذا الكتاب أو ذاك، هذا المؤلّف أو ذاك، كي يأخذ بيدي في بلورة فكرة الكسل كفعل بطوليّ لأرى فجأة إلى الألمانيّ “غونتر غراس” يهمس بأذني عبر رواية “الطبل الصفيح” تلك المقولة الرائعة التي ترى فعل البطولة الوحيد في كلّ حروب الأرض يتمظهر عبر ذلك الجنديّ الكسول الذي يرمي سلاحه بخفّة، ويغادر ساحة المعركة باستخفاف لا يجاريه استخفاف آخر. لا شكّ في أنّ كسل جنديّ غراس هو دعوة صريحة للسلام العالميّ غصبًا عن القادة الأشرار، وهو دعوة للإسترخاء ومجافاة كلّ موبقات العالم وما يحفل به هذا العالم من انتصارات ومن بطولات ومن سرعات قميئة.



