الكتابة كفعل رثائيّ.. عن مجزرة شبّان «تفّاحتا» الثلاثة عشر

لم تكن المنطقة المترامية عند سفح تلٍّ صغير في قرية تفّاحتا (الزهراني صيدا) بجنوب لبنان، تُسمّى «ضهر الدرجة» بمنأى عن صراعات العالم. والرقعة الجغرافيّة الصغيرة، تتحوّل في لحظة ما، إلى حقل للتوتّر والخوف بوصفهما نزعة فطريّة إنسانيّة. الطريق، «ضهر الدرجة»، شيّق للغاية، تحفّه جوانب ترابيّة تنحدر نحو وادٍ صغير، يزداد رطوبة واخضرارًا مع قدوم شهر نيسان (أبريل)، وتهبّ منه نسمات هواء لطيفة عند وقت العصر.

الطبيعة تحوّل هذا الركن من القرية، لتجمّع الشبّان، تحديدًا قبل مغيب الشمس: سيجارة، وكوب قهوة بفنجان بلاستيكيّ، وأحاديث حول توتّر نفسيّ داخليّ، أو انتظار انفراجة معيشيّة.

يتبدّد هذا الإيقاع مع بدء الحرب في أوائل آذار (مارس) الماضي؛ إذ تشهد تفّاحتا كما غيرها من القرى، نزوحًا لا سابق له. القرية تصبح فارغة من سكّانها، فيما يقرّر عدد من الشبّان المدنيّين البقاء في بيوتهم، إمّا بسبب عدم وجود مأوى للنزوح، وإمّا بهدف تقديم مساعدة لكبار السنّ والمحتاجين ممّن بقوا في القرية. هنا، يتحوّل «الصمود» إلى فعلٍ محفوف بالخطر… فعل يعيد ترتيب العلاقة بين الحياة والموت، الذي يبدو احتمالًا دائمًا، لكلّ من يبقى في الجنوب.

قهوة وسيجارة وشجر ليمون

الصورة لـ«ضهر الدرجة» هي أشبه بصورة مصغّرة، مكثّفة، وانغماسيّة، للطرقات الهادئة في جنوب لبنان. وقت العصر، قبل آذان المغرب بساعة تقريبًا؛ الشمس على كفّيّ اليدين تعطي دفئًا. تهبّ ريح منعشة تبعث طمأنينة لا متناهية. خلال هذه المدّة من النهار، يرخي الزمن بثقله، لا سيّما مع رائحة البنّ المحروق التي تفوح من كوب القهوة، أمام مشهديّة التلال والوديان الخضراء، وقليل من نفحات زهر الليمون، قد تبدو الصورة مستهلكة، لكنّها أصيلة.

عصر الـ11 من نيسان (أبريل) الماضي، بعد نحو 40 يومًا من الحرب الإسرائيليّة على لبنان، كانت الحياة تمشي على إيقاعها البسيط. يمرّ رئيس البلدية السابق إبراهيم كوثراني، ومعه هيثم رضا، في سيّارة «رابّيد»، بمحاذاة الشبّان المجمعين في ساحة البلدة. الأغلب أنّهم كانوا يحتسون القهوة، ويتدفّأون بأشعّة الشمس. يلقي الحاج إبراهيم التحيّة عليهم، ومن بعدها يكمل طريقه باتّجاه «ضهر الدرجة». لحظات قليلة، ويُسمع دويُّ غارة من مسيّرة إسرائيليّة. ضربةٌ أولى، تودي بحياة من كان في سيّارة «الرابّيد». صمتٌ قصير، وكأنّه استراحة للموت. الطريق تحترق، والسيّارة تذوب من فوقها.

يسمع عددٌ من الشبّان المجمعين في الساحة، والقاطنين في جوار «ضهر الدرجة»، الصوت. يهرعون إلى مكان الاستهداف، لعلّ أحدًا ما زال حيًّا ويمكن انقاذه. تُفتح أبواب المنازل دفعة واحدة، يهرع الشبّان من بينهم هارون الشامي (شابّ عشرينيّ يعمل في دهان الموبيليا)، وجاره حسين كوثراني (سائق حافلة لنقل تلامذة المدرسة). لا شيء يضاهي غريزة النجدة لدى أهل القرى.

بينما يحاول الشباب الوصول إلى مكان الاستهداف، تعود الطائرة الإسرائيليّة، تحوم للحظات قصيرة، يرسل المسعف حسين عبيد، رسالة صوتيّة يسأل عن مكان وقوع الغارة الأولى، يهتدي إلى مكان الاستهداف، ويأتي فوق درّاجته الناريّة بشكل فرديّ.

بلدة تفاحتا الجنوبية (تصوير مصطفى كوثراني)
طريق مشحون بالموت والحزن

تضرب الطائرة الإسرائيليّة غارة ثانية على مسافة نحو 20 مترًا من مكان الاستهداف الأوّل، منعًا لأيّ محاولة إنقاذ، علمًا أنّ السيارت صارت متفحّمة. يصاب عددٌ من الشبّان في الغارة الثانية، من بينهم هارون الشامي الذي يحاول الابتعاد عن مكان الاستهداف 100 متر. الشاب مصاب في بطنه إصابة بالغة. يهرع المسعف وشرطيّ البلدية هارون زبيب للمساعدة، من تلقاء نفسه، ويحاول مساعدة هارون الشامي الذي كان قد نجح بالابتعاد قرابة 100 متر من مكان الغارتين الأولى والثانية.

تحوم الطائرة من جديد. لم تكتفِ بغارتين، فتضرب غارة ثالثة، على بعد 100 متر. وتستهدف الجريح هارون الشامي والمسعف هارون زبيب. على جانبي الطرقات، تتكدّس جثامين كلٍّ من حسين عبيد، محمّد حمّود، حسين كوثراني، مالك صالح، هادي زبيب، هارون الشامي، وهارون زبيب، بالإضافة إلى عدد من الجرحى.

الفيديو الذي تمّ تداوله، يظهر ثلاث غارات على طريق «ضهر الدرجة». خلال عشر دقائق، طريق يمتدّ لـ100 متر، يتعرّض لثلاث غارات متتاليّة، في حين أنّ الاستهداف لسيّارة «الرابّيد» حقّق هدفه من الغارة الأولى. الزمن نفسه لم يتوقّف، بل الإحساس به. مشهديّة انتشال الجثث وإنقاذ من بقي حيًّا تجعل الطريق مشحونةً بالموت والحزن. هنا، يتصدّع ما كان قبل ذلك. تتشكّل طبقة زمنيّة أخرى، مترافقة مع طبقة متداخلة من الذاكرة: رائحة زهر الليمون تفوح في هذا الوقت من السنة على طريق «ضهر الدرجة»، تبشّر بقدوم الربيع في جنوب لبنان، وتجمع الشبّان لمجّ سيجارة وكوب قهوة بعد موسم مطر قاسٍ، تؤكّد أنّ ما كان عليه المكان لم يعد كما هو الآن.

قهوة وسيجارة وشجر سَّرو

وحشيّة لا مثيل لها. لم يتوقّع أحد أن تصل الفظاعة إلى هذا الحدّ. ثلاث غارات، والمسيّرة الإسرائيليّة لا تزال تحوم فوق القرية، والحصيلة تستقرّ على سبعة شهداء بالإضافة إلى شهيدين في الغارة الأولى.

في مكان يبعد نحو أربعة كيلومترات من مكان المجزرة، يرسل الشاب محمّد عبيد، الذي يتجمّع مع عدد من الشبّان الآخرين، رسالة صوتيّة على إحدى مجموعات الـ«واتساب»: «الطيران لا يزال يحوم فوقنا مباشرةً. نحن الآن نحتمي بشجر السَّرو، لا يمكنني الردّ، من سقط في غارة ‘ضهر الدرجة‘ أقربائي ولا يمكنني الذهاب إلى هناك الآن، سننتظر قليلًا قبل أن نغادر المكان».

لِمَ يتجمّع الشبّان المدنيّون في هذا الوقت؟ وفي هذه النقطة؟ التجمّع عند العصر هي عادتهم، حتّى خلال الحرب، لقتل الوقت، للتدخين وارتشاف قهوة عند العصر، كما جرت العادة في منطقة «البيدر» في تفّاحتا، إذ لكلّ قرية جنوبيّة بيدرها حتّى لو امتلأ بناءً، هناك، تحت أشجار السَّرو التي تُزرع عادة على جانب البيدر المزروع بالقمح لصدّ الرياح.

تبدو اللحظة وكأنّها خارج دائرة الخطر، لكنّ المسيّرة لم تغادر السماء. تقترب من «البيدر»، من شجرة السرو تحديدًا. وتسهتدف الشبّان المجمعين. غارة رابعة، يستشهد محمّد عبيد، وكلٌّ من عماد كنج، وإبراهيم الشامي، والمسعف حسن العلي الذي كان متواجدًا صدفة معهم. في لحظاتٍ قليلة، يستقرّ عدد الشهداء على 13 شهيدًا، بين مدنيين ومسعفين. دفعةً واحدة توصد حكاية 13 شابًا كانوا يمرحون ويتسامرون منذ دقائق قليلة. تذوب الأجساد بفعل الانفجار، تنتهي بهم الحياة.

في الغارة الرابعة والأخيرة، لم يعرف إبراهيم الشامي أيَّ شيء عن أخيه هارون الذي استهدُف بغارتين لم ينجُ منهما. لم يعلم إبراهيم أنّه سيلحق بالآخر، فارق الحياة ولم يعلم أنّ أخيه استشهد أيضًا. القدر هنا ليس حياديًّا: شقيقان، ومصيران متوازيان نحو المأساة نفسها. عماد كنج، أيضًا، استشهد في الغارة الأخيرة في «البيدر»، وما زال يحمل خسارة أخيه من حرب أيلول (سبتمبر) 2024. كأنّ الموت لا يكتفي بالاختيار بل يتربّص ويُراكمه.

التحاق الأخوة بالشهادة، بنيةٌ تتكرّر. شيء يقترب من السرديّة “الكربلائيّة”، (الإمام) الحسين بن علي وأخوه العبّاس. التقاطع مع السرديّة الكربلائيّة، يأتي كاستعارة رمزيّة، تخفّف من ثقل الفقد لدى الأهالي، وتهدّئ من روعهم على المصيبة. لجوء أهل جبل عامل إلى المخزون الدينيّ، يأتي بوصفه استعانة لغويّة للتهدئة، والصبر، والاتّزان العاطفيّ، ومساحة لتطهير الحزن القابع في النفس.

ماذا كانوا يشعرون في لحظاتهم الأخيرة؟ ما الفكرة أو الكلمة أو اللحظة التي سبقت الموت؟ هل توقّعوا الموت أصلًا أو فكّروا في أنّه يهجم عليهم؟

المياوم، الشهيد: معادلة الحياة

حسين عبيد، مسعف، لديه محلّ لتصليح الدواليب (الإطارات) ويعرفه الجميع، كان يعمل في إسعاف «كشّافة الرسالة الإسلاميّة»، أيضًا. «بوش» أو إبراهيم الشامي، يعمل دهّانًا، لوّن جدران بيتنا مرّةً. هارون، أخوه، كان يعمل في دهان الخشب «الموبيليا»، لطالما لمحته يقود درّاجته الناريّة، ويحمل سيجارة بين أصابعه.

هيثم الذي ارتقى مع رئيس البلديّة السابق سائق شاحنة. هارون يعمل شرطيًّا في البلديّة، ويُعرف عنه أنّه كان حريصًا على مساعدة من بقي في القرية. حسين كوثراني الذي كان أوّل المتوجّهين بعد الغارة الأولى، كانت لديه حافلة لنقل طلّاب المدرس. مالك صالح، سائق حفّارة “بّوكلين”. محمّد حمّود كان يعمل في الزراعة. ومحمّد عبيد صاحب رسالة الـ«واتساب» من البيدر، سائق شاحنة. أمّا هادي كفاح زبيب فهو شاب في مقتبل العمر، يلعب كرة قدم ويوزّع خبزًا، عماد كنج موظّف في مصنع للكابلات (الأسلاك) الكهربائيّة، حسن العلي مسعف وسائق بّوكلين.

حكايات متفرّقة، شخصيّات تعمل باليوم، وتعيش على الهامش الإنسانيّ نفسه: دهان، زراعة، نقل، تصليح، توزيع خبز. أيّام متقطّعة من العمل، واستراحة عند العصر. في لحظة واحدة، سقطوا بدقائق سريعة. في ذلك اليوم، بدت القرية وكأنّها تغرق. «المياه كلّها بلون الغرق» وفق عنوان إميل سيوران Emil Cioran، صارت القرية كلّها بلوّن الدم. مدنيّون ومسعفون غرقوا في اللحظة نفسها، داخل عملهم اليوميّ البسيط. يعيشون في هامش الاستقرار. ماذا كانوا يشعرون في لحظاتهم الأخيرة؟ ما الفكرة أو الكلمة أو اللحظة التي سبقت الموت؟ هل توقّعوا الموت أصلًا أو فكّروا في أنّه يهجم عليهم؟ كانوا يضحكون؟ يتجادلون؟ يشكون تعبهم؟ أم فقط ينتظرون عصرًا عاديًّا، كما يفعل الشبّان دائمًا حين يجتمعون بلا سبب كبير، وبكلّ ما للحياة من معنى خفيّ؟

الرقم، الاسم: معادلة الموت

خلال تلك الفترة، كنت في أمستردام، هولّندا. بعثت برسالة نصّيّة عبر «واتساب» لتعزية أحد الأصدقاء العزّل من مجزرة 11 آذار في تفّاحتا. اطمأننت عليه، ونصحته بتجنّب التجمّعات. لم يأخذ الأمر بجدّيّة كاملة، وقال: «لماذا لم يُكتب نصٌّ عمّا حصل في القرية؟ أيُّ كلمة ربّما تمنحنا بعض المعنويّات». كلامه كان اعتراضًا على الغياب: غياب التوثيق، وغياب الأسماء أمام الرقم. محاولة لاستعادة ذكر 13 شابًّا، معظمهم من أصدقائه، اختُزلوا في لحظة واحدة في تعدادٍ جامد.

الحرب لا تزال مستمرّة، وعدّاد الضحايا في ارتفاع بحسب بيانات (عدّاد) وزارة الصحّة اللبنانيّة. يطرح التسجيل الصوتيّ الذي أرسله إليَّ الصديق من تفّاحتا، قضيّة إخراج الضحايا من منطق التعداد، وتحويل الكتابة إلى سؤال أخلاقيّ يواجه الموت، لا مجرّد سرد له. «التذكّر فعل أخلاقيّ»، تورد الناقدة الأميركيّة سوزان سونتاغ Susan Sontag في كتابها عن ألم الآخرين (Regarding the Pain of Others، 2003)، فالذاكرة، بحسب ما تقول: «هي العلاقة الوحيدة التي يمكن أن تربطنا بالموتى».

أذكر أن صديقي الفلسطينيّ الفنّان المسرحيّ علاء ميناوي، بينما كنت أتجوّل برفقته في شوارع أمستردام، أشار بيده إلى كنيسة Dominicuskerk قائلًا: «هنا، منذ بداية حرب الإبادة في غزّة، تتمّ استضافتي لقراءة أسماء الشهداء الذين سقطوا، على وقع الموسيقى». يقرأ علاء، فيما يصغي الحضور إلى آلاف الأسماء التي تعود إلى الحياة عبر النطق. هكذا يُنتزع الضحايا من سلطة الرقم، ويُستعاد شيء من فرديّتهم المفقودة.

في عصر الـ 11 من نيسان، لم يكن الشبّان في تفّاحتا يطلبون أكثر من لحظة تنفّس عابرة، خارج ثقل الحرب. كانت لهم حيوات كاملة قبل استهدافهم: يعيشون يومًا بيوم، يفرحون ويحزنون. لكنّهم اختُزلوا جميعًا في رقم واحد، كما ضحايا الحرب في جنوب لبنان، وفي كلّ رقعة أخرى أيضًا. أن يُذكروا، أن تُستعاد أسماؤهم، أن يُكسر اختزالهم إلى رقم، ليس فعلًا إضافيًّا على الحكاية، بل جزءٌ من بنية اجتماعيّة وسياسيّة ورمزيّة في آن واحد.

تفاحتا (تصوير مصطفى كوثراني)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى