من الغربة إلى الركام أحلام المغتربين قوضتها الحرب

في العام 1976، كان محمد صفاوي، المتحدّر من مدينة الخيام الجنوبيّة (مرجعيون)، ما زال شابًّا يافعًا، لا يعلم ماذا تحمل له الحياة من نجاحاتٍ وخيبات، كلّ ما كان يعلمه هو أنّ الحرب الأهليّة العمياء قد تسلبه سنوات شبابه، فحمل أمتعته وهاجر بحرًا إلى الكويت.

عمل صفاوي عندما وصل إلى الكويت، في مهنة الحدادة وكان “حدّادًا صغيرًا” بحسب قوله. اشتغل في الورش وتنقّل بينها. ثابر على تطوير نفسه ومصلحته، وبعد سنوات من الغربة والكدّ والتعب، أصبح رجل أعمال بارز في مصلحته، وشريكًا في مؤسسة تجاريّة معروفة في الكويت، متخصّصة في الأعمال المعدنيّة.

كان وضع صفاوي الماليّ مستقرًّا، ورصيده في المصارف يعكس سنوات من العمل المتواصل، لكن كلّ ما كان يتمنّاه هو العودة إلى مسقط رأسه، الخيام، كي يبني فيها منزلًا يعيش فيه مع عائلته بأمان. وهكذا فعل، بنى قصرًا فخمًا، وتملّك شقّتين أيضًا، وأراضٍ غرس في ترابها نحو 2000 شجرة زيتون، فأرض الخيام، كما قال لـ“مناطق نت”، هي “نقطة ضعفي”.

ولأنّه أحبّ بلدته إلى هذا الحدّ، وشعر بالانتماء إليها، حلم بالمساهمة في ازدهارها ونموّها. في العام 2021، بدأ بتحقيق هذا الحلم عبر بناء مصنعٍ لتكرير المياه المعدنيّة في الخيام، يؤمّن من خلاله فرص عمل للشباب في البلدة.

أحلامُ أضحت ركامًا

السؤال عمّا حلّ بأحلام صفاوي، لم يحتج إلى جهد كبير للإجابة عليه، فقد تكفّلت الأخبار الواردة من الخيام بالإجابة، بدءًا من حرب الـ66 يومًا العام 2024، وصولًا إلى الحرب الأخيرة والتي ما زالت خواتيمها غير واضحة، وتترافق مع غياب أيّ أخبار عن القرى الحدوديّة، سوى صور التفجيرات والأصوات المنبعثة من هناك، والتي تشي بأنّ جميع أحلام صفاوي التي نجح في جعلها واقعًا أصبحت اليوم طيّ المجهول وربما حبيسة الركام.

خسائر صفاوي لم تقتصر على ما حلّ بأملاكه في الخيام جرّاء الحرب، فقد تكفّلت المصارف التي وثق بها وأودع أمواله فيها بالبقيّة، حيث سُرقت مُدّخراته كما حصل مع جميع المودعين. بالإضافة إلى ذلك، خسر صفاوي ثلاث شقق كان قد تملّكها في الضاحية الجنوبيّة لبيروت. هكذا، وبلمح البصر، سلبت الحرب والأزمة الاقتصاديّة من صفاوي جنى العمر وتعبه.

يقول صفاوي لـ“مناطق نت”: “نحمد الله أنّ لي مصلحة في الكويت، وإلّا لم يتبقَّ لي ما أعيش منه أنا وزوجتي اليوم. ما خسرته ليس تعبي وحدي وحسب، بل تعب زوجتي أيضًا التي شاركتني الغربة والصبر”.

سيرة صفاوي ليست استثنائيّة. كثيرون هم أبناء الجنوب ممّن هاجروا سعيًا وراء لقمة العيش. قضوا حياتهم في الغربة، وأعالوا عائلاتهم التي بقيت في موطن الحروب والأزمات، وحاولوا ادّخار بعض الأموال أملًا في العودة يومًا إلى مساقط رؤوسهم والعيش فيها باستقرار. اليوم، جميع هذه الآمال أضحت عبارة عن أرضٍ من رماد ممزوجٍ بالدماء.

القصر الذي بناه صفاوي في بلدة الخيام جنوب لبنان
الهجرة ليست رفاهيّة

ثمة كثر يعتبرون أنّ على المغتربين مشاهدة ما يحدث في لبنان بصمت، فقط لأنّهم في بلدانٍ بعيدة لا حروب تُشنّ عليها. لكن المغتربة حنان طويل تقول لـ“مناطق نت”: “يقولون إنّنا لم نُهجّر من منازلنا، لكن في الحقيقة، نحن مهجّرون في بلاد الغربة منذ زمنٍ طويل. لو أنّ الحياة في لبنان قدّمت لنا فرصًا لبناء أنفسنا، لما كنّا لجأنا إلى خيار السفر”.

في العام 2007، كانت طويل تبلغ السادسة عشرة من عمرها، حين هاجرت مع زوجها إلى إفريقيا، كي يتمكّنا من تأسيس عائلة مستقرّة ومكتفية مادّيًّا. أمضت طويل حياتها في الغربة، حيث أنجبت وربّت أولادها، وادّخرت مالًا بهدف استكمال عمليّة بناء منزلها في قريتها، كفركلا (مرجعيون)، والاستقرار فيه مع عائلتها.

تروي طويل بغصّة “بدأنا عمليّة البناء في العام 2004، ثمّ هاجرنا، وكنّا ندّخر الأموال ونرسلها إلى لبنان من أجل استكمال عمليّة البناء. بعد 12 سنة، أيّ في العام 2019، أنهينا بناء المنزل، لكن بسبب جائحة كورونا، لم نتمكن من زيارة لبنان والتمتّع به”.

تضيف طويل “قبل اندلاع حرب طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، عدت إلى لبنان وأمضيت أربعة أشهر في منزلنا. كنت في غاية السعادة وأنا أشاهده، حيث العشب والأشجار والزهور المحيطة به. ثمّ اندلعت الحرب، وكان منزلنا من أوائل المنازل التي تضرّرت بفعل القصف”.

تشير طويل إلى أنّها حاولت التخفيف على نفسها، معتبرةً أنّه من الممكن ترميم الأضرار التي لحقت بالمنزل، ولكنّ تفاقم الحرب “أصبحت، في كلّ مرّة، تنهش حصّةً من منزلنا، حتّى سوّته بالأرض”.

حنان طويل: “نحن مهجّرون في بلاد الغربة منذ زمنٍ طويل”.

سنوات للادّخار ودقائق للدمار

بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في الـ27 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، وحين سُمح لأهالي القرى الحدوديّة بزيارة قراهم بعد هدنة الـ60 يومًا، جاءت طويل إلى لبنان، وقصدت بلدتها كفركلا. وقفت أمام تعبها الذي أصبح حجارةً مطحونة. وصفت طويل لـ“مناطق نت” تلك اللحظات قائلة: “بحثت عن بعض الصور والذكريات بين الركام، حاولت جمع تعب 18 عامًا في حقيبة ورحلت. الآن، أحمل هذه الشنطة معي في بلاد الغربة أينما ذهبت، أخشى أن تضيع، ولا يبقى لي أيُّ ذكرى من ذلك المنزل الذي تمنّيته وبنيته وفقدته”.

قضت طويل حياتها بعيدةً من والديها اللذين كبرا وهي في بلاد الغربة. كلّ ما سعت إليه هو حياة كريمة لها ولعائلتها، وكلّ ما تمنّته منزلًا في الجنوب تؤوب إليه. “حين بكينا على المنزل، لم نبكِ على حجارته، بكينا على مرارة الأيّام التي عشناها كي نبني هذا المنزل”. تختم طويل.

العودة حلمٌ قوّضته الحرب

خسارات محمد صفاوي وحنان طويل تشبه خسارات كثيرين من اللبنانيّين المغتربين التي طالتهم الحرب، ولم تكتفِ بسلبهم الاستقرار النفسيّ والعقليّ وأتعاب العمر. الحروب والأزمات المتتالية في لبنان عبرت الجغرافيا، لتسلب من اللبنانيّين المهاجرين ما هو أهم من الأراضي والبيوت: اليقين بأنّ التعب يكفي ليضمن مستقبلًا. الحرب هدمت الحلم الذي يقتات عليه المغترب: “العودة”.

المصنع الذي بناه محمد صفاوي لتكرير المياه المعدنيّة في بلدته الخيام جنوب لبنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى