صحافيّون يحملون ذاكرة النزوح وقصصاً حفرت بالوجدان

أغمضت الصحافيّة اللبنانيّة والناشطة الحقوقيّة ناهلة سلامة عينيها وهي تتذكّر تلك الفتاة، ذات الأعوام العشرة، أثناء تخيّلها لبنان أخضر وجميلًا وخاليًا من الحرب. مشهد هذه الطفلة علق في ذهنها، وحملته معها من تغطيتها لقصص النزوح خلال الحرب. “كان تصريحها البسيط، العميق في معناه، من أكثر الأمور الصادقة والبريئة والإنسانيّة التي صادفتني في أثناء تغطيتي قصص النزوح، لذلك لم أتمكّن من نسيانها”، تقول سلامة لـ”مناطق نت”.

تغطية نزوح وتهجير اللبنانيّين أثناء الحرب الأخيرة، لم تنتهِ عند إطفاء الكاميرا أو انتهاء المقابلة بالنسبة إلى الصحافيّين والصحافيّات. إذ تبقى قصص في دواخلهم طويلًا. الصحافيّون الذين نقلوا حكايات النازحين عادوا هم أيضًا محمّلين بما رأوه. تقول سلامة: “معرفة الأطفال أنّ قراهم تُقصف وأنّه لا مكان آمنًا لهم، هو أمرٌ حزين جدًّا بالنسبة إليّ ويؤلمني كثيرًا”.

في لحظةٍ كهذه، يتحوّل المشهد من مجرّد مادّةٍ إخباريّة تُنقل وتُختصر في تقريرٍ سريع، إلى أثرٍ شخصيّ يرافق من شاهده خارج حدود التغطية. بين خيام النزوح المرصوفة على الطرقات ومراكز الإيواء والبيوت التي فرغت فجأة من أصحابها، تتكوّن لدى الصحافيّين والصحافيّات ذاكرة موازية لا تظهر على الشاشة، لكنّها تبقى حاضرة في تفاصيل حياتهم اليوميّة.

الصحافيّ شاهد ليس مراقِبًا

ليست تغطية النزوح نقلًا محايدًا تمامًا لما يحدث. هي علاقة دقيقة بين الشهادة والمشاركة، حتّى لو حاول الصحافيّ الحفاظ على مسافةٍ مهنيّة. في هذا الإطار، تعتبر سلامة نفسها شاهدةً على قصص النزوح التي غطّتها وعلى ألم أصحابها، وليست مجرّد صحافيّة تنقل الحدث.

هي تمثّل صوت النازحين أنفسهم. “أنا أنقل آلامهم من خلال التعرّف إليهم وإلى قصصهم وإلى قراهم وإلى ذكرياتهم”. ترى سلامة أنّ مهمتها الصحافيّة والإنسانيّة تفرض عليها أن “تحمل قصص الفئات الهشّة وأوجاعها، وأن تشهد عليها، وتنقلها إلى العالم”.

صور تلاحق أصحابها

في مراكز النزوح، لا يواجه الصحافيّون صعوبة نقل الصورة وحسب، بل أيضًا التحدّي الأخلاقيّ في الاقتراب من الألم الإنسانيّ. كيف يمكن سؤال امرأة عن منزلها المدمّر؟ أو طفلٍ عن فقدانه؟ وأين تنتهي الحاجة إلى التوثيق وتبدأ ضرورة احترام هشاشة اللحظة؟

تقول سلامة لـ”مناطق نت”: “بعض المقابلات لم تكن سهلة حتّى على المستوى الإنسانيّ، بخاصّة تلك المرتبطة بالأطفال والفقدان”. وتشير إلى أنّها “في يومٍ كنت أعمل فيه على قصّة، وأثناء إجرائي المقابلات بدأت أبكي. شعرت أنّ هذا من أصعب الأسئلة التي يمكن أن تُطرح على شخص فقد عزيزًا عليه. وكان جزءٌ من المقابلة يتعلّق بكيفيّة تقبّل الطفل موت أو استشهاد أحد المقرّبين منه، وحالته النفسيّة بعد ذلك”.

تتابع سلامة: “إحدى الأطفال كانت تخبرني عن خالها، وكان ذلك من أصعب الأمور التي سألت عنها وسمعتها”. لم تستطع ناهلة أن تهدّئ من روعها في تلك اللحظة أو تتماسك. شعرت أنّ أيّ كلام لا يمكن أن يواسي هذا الشعور الذي عاشته الطفلة. كانت لحظة صعبة جدًّا بالنسبة إلى سلامة.

ناهلة سلامة: “من أكثر العبارات التي بقيت صعبة عليّ، هي حين كان بعض المسنّين يتحدّثون عن تمنّيهم الموت على الاستمرار في هذه الحياة القاسية التي يعيشونها في ظلّ النزوح والتهجير”.

ما لا يظهر في التغطية

وراء كلّ تقرير يُنشر أو مقابلة تُبثّ، هناك تفاصيل تظلّ خارج الصورة. لحظات لا تصل إلى الجمهور، لكنّها تبقى راسخة في ذاكرة الصحافيّين ممّن عاشوها.

تشير سلامة إلى أنّ: “أكثر الصور التي تردّدت في نشرها هي تلك التي تعبّر عن لحظات الانكسار الإنسانيّ، خصوصًا صور الأطفال والمسنّين”. تضيف: “أشعر أنّ هذه الصور مؤذية جدًّا. فالأطفال سيكبرون يومًا ما، وسيرون صورهم لاحقًا. الحرب ستمرّ، لكن تلك اللحظات ستبقى”.

وترى سلامة أنّ نقل معاناة الناس لا يجب أن يتحوّل إلى كشفٍ كاملٍ لهشاشتهم في أكثر لحظاتهم ضعفًا. وتشير إلى أنّ “جلّ ما كان يحاول هؤلاء الأشخاص فعله هو إيصال أصواتهم”.

أمّا أكثر الجمل التي عجزت سلامة عن كتابتها، فتقول إنّها تلك المرتبطة بالموت واليأس الشديدين. تصف سلامة ذلك بأنّه “من أكثر العبارات التي بقيت صعبة عليّ، هي حين كان بعض المسنّين يتحدّثون عن تمنّيهم الموت على الاستمرار في هذه الحياة القاسية التي يعيشونها في ظلّ النزوح والتهجير”.

وتشدّد على أنّ هذه اللحظات كانت تأتي غالبًا بصورةٍ عفويّةٍ خلال الحديث، لكنّها كانت تكشف حجم الوجع والضيق الذي يعيشه الناس. وتقول: “أشعر أنّه لا يجب نشر كلّ شيء، وبخاصّة لحظات الانكسار الإنسانيّ”.

ألم يكابده الصحافيّون

لم يعد السؤال عن التأثير النفسي في تغطية الحرب على الصحافيّين عابرًا بالنسبة إلى سلامة. إذ إنّها لا تتعامل مع التغطية بوصفها مهمّة مهنيّة تنتهي بانتهاء العمل الميدانيّ. فالحرب تسلّلت إلى تفاصيل يوميّاتها وروتينها وحياتها الشخصيّة، حتّى بات من الصعب رسم حدٍّ فاصل بينها وبين القصص التي تنقلها. “هذه الحرب أكلت من روحي، لأنّها أصبحت جزءًا منّي، ولم أعد قادرة على الخروج من هذا الجوّ إطلاقًا. أعيش قصص الناس، أتكلّم عنها، وأحكي عن أوجاعهم”، بحسب سلامة.

التغطية المستمرّة، وعدم توقّف الأحداث، جعلا من الصعب عليها الانفصال عمّا تعيشه ميدانيًا. “لم تنتهِ الحرب ولم يتوقّف العمل. أحيانًا أبقى وحدي، فأسمع كلّ شيء يعود إليّ من جديد. ثمّ أعود إلى البيت، وأشعر أنّ جزءًا منّي يخرج مع كلّ ما سمعته”. وتضيف سلامة: “حدث نوع من الانصهار بيني وبين هذه القصص. لم أعد أستطيع الفصل بين إنسانيّتي وبين التغطية الصحافيّة”.

الآثار النفسيّة التي تخلّفها تغطية الحرب غير محصورة بتجربة صحافيّة واحدة. تتحدّث الصحافيّة المستقلّة مروة صعب عن آليّاتٍ تحاول عبرها الاستمرار في العمل، على الرغم من الثقل النفسيّ المتراكم. وتوضح أنّ التراكم اليوميّ للمشاهد والتجارب يفرض عليها نوعًا من “الآليّة الدفاعيّة” كي تتمكّن من إكمال مهامها.

تتابع صعب لـ”مناطق نت”: “هناك تفاصيل تبقى معي، لكنّني أخلق آليّة حتّى أستطيع الاستمرار في العمل. في الحرب، أتعامل مع الأمر بهذه الطريقة: لا أستطيع أن أتعامل مع نفسي كما يجب، لذلك أفرغ كلّ طاقتي في العمل”.

وتؤكّد صعب أنّ هذا الأسلوب لا يعني غياب الأثر النفسيّ، بل على العكس، هو محاولة لتأجيله. وتلفت إلى أنّها في كثيرٍ من الأحيان تتجنّب الخوض في تفاصيل ما تشاهده أو تعيشه، حتّى لا تبقى عالقةً في ثقل التجربة “أنا من الأشخاص الذين يحاولون قدر الإمكان ألّا يتحدّثوا كثيرًا عن هذه القصص، ليس لأنّني لا أشعر بها، بل لأنّني أحاول أن أستمرّ. أحيانًا يكون الصمت وسيلةً للبقاء”.

التماس مع إنسانية الآخرين

بين المشهد الذي يُرى في مراكز الإيواء، والصوت الذي يُسمع في المقابلات، وما يبقى بعد العودة إلى البيت، تتشكّل طبقة صامتة من الذاكرة. طبقة يصعب ترتيبها أو إغلاقها، وهي ليست جزءًا من التقرير، لكنّها جزء من أثره.

هكذا، يبدو النزوح بالنسبة إلى الصحافيّين ممّن غطّوه أكثر من حدثٍ يُروى. هو تجربة طويلة من التماس مع إنسانيّة الآخرين، ومع حدودهم أيضًا، إذ لا تنتهي القصّة عند نشرها، بل تبدأ بصيغٍ أخرى في دواخل من حملوها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى