عن قنوات ريّ الليطاني هل عادت المياه إلى مجاريها؟

منذ عقود، شكّلت مياه نهر الليطاني شريانًا يغذّي علاقة الجنوبيّين بأرضهم، وديمومة لأرزاق المزارعين والفلّاحين ممّن توارثوها جيلًا بعد جيل. لكنّ الحرب لم تترك النهر يسير على هواه فاتّخذت من ضفّتيه علامات لها، فشطرت أمكنته وناسه بين جنوبه وشماله، وأدّت إلى أضرار جسيمة بالدورة الزراعيّة التي يساهم في ريّها بشكل منتظم، فلم تطاول الأضرار القنوات والمنشآت وحسب، بل امتدّت إلى المزارعين الذين وجدوا أنفسهم أمام أراضٍ متضرّرة وعطشى ومواسم مهدّدة أو تالفة.

طالت الحرب شبكات الريّ والأراضي الزراعيّة، وأصابت منظومة يعتمد عليها آلاف المزارعين في الجنوب للحفاظ على دورة زراعيّة مستمرّة منذ عقود. وبينما تؤكّد المصلحة الوطنيّة لنهر الليطاني أنّ الأضرار التي لحقت بالشبكة بقيت محدودة ولم تؤدِّ إلى توقّف المشروع، يكشف مزارعون عن واقع تتداخل فيه أضرار الحرب مع انخفاض كمّيّات المياه وصعوبة الوصول إلى بعض الأراضي، ما أدّى إلى خسائر في المواسم واضطرار بعضهم إلى اقتلاع الأشجار وإعادة الزراعة من جديد.

شبكة الليطاني شريان زراعيّ

يُعد مشروع ريّ القاسميّة ورأس العين من أهم مشاريع الريّ في الجنوب اللبنانيّ، إذ يشكّل منظومة متكاملة تضمّ الناقل الرئيس، والقسم الجبليّ، والموزّع الرئيس، والقناتين الشماليّة والجنوبيّة، إضافة إلى الأنفاق و«السيفونات» والجسور والخزّانات ومحطّة الضخّ الرئيسة.

يقول رئيس مجلس إدارة المصلحة الوطنيّة لنهر الليطاني، سامي علويّة: “إنّ المشروع يمتدّ على شبكة واسعة يصل طولها، مع الفروع والمنشآت المرتبطة بها، إلى أكثر من 60 كيلومترًا”.

يتابع لـ«مناطق نت»: «يبلغ طول القسم الشماليّ من القناة نحو 28.85 كيلومترًا، فيما يصل القسم الجنوبيّ إلى نحو 21 كيلومترًا، ويتفرّع منه قسم القاسميّة الجنوبيّ بطول يقارب 10 كيلومترات، وفرع رأس العين الشماليّ بطول أربعة كيلومترات، وفرع رأس العين الجنوبيّ بطول سبعة كيلومترات. وكانت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني قد تسلّمت إدارة المشروع وتشغيله رسميًّا في العام 1974، بهدف تأمين مياه الريّ للمزارعين والحفاظ على النشاط الزراعيّ في المنطقة الساحليّة الجنوبيّة».

يمتدّ نطاق المشروع بين قضاءي صيدا- الزهراني وصور، من الزراريّة وإرزيّ والجزيرة شرقًا، وصولًا إلى الغازيّة شمالًا والمنصوريّ جنوبًا، مرورًا بعشرات البلدات الجنوبيّة، أبرزها النجّاريّة والعدّوسيّة والبيساريّة والصرفند والسكسكيّة وعدلون والواسطة وعين أبو عبدالله والعبّاسيّة وبرج الشماليّ وصور وباتوليه ودير قانون رأس العين والقليلة والحنّيّة. وتبلغ المساحة الإجماليّة لنطاق المشروع نحو 212 كيلومترًا مربّعًا، فيما تصل المساحات الزراعيّة القابلة للريّ إلى نحو 4 آلاف هكتار، ويستفيد منه أكثر من ألفيّ مزارع، بمساحة مرويّة فعليّة تقارب 28.854 دونمًا.

الأضرار التي لحقت بقناة ري الليطاني جراء الحرب
أضرار موضعيّة

بحسب علويّة، «لم تؤدِّ الحرب إلى تدمير شامل لشبكة ريّ القاسمية ورأس العين، بل تركّزت الأضرار في مواقع محدّدة ومتفاوتة. ويشير إلى أنّ أبرز الأضرار سُجّلت في منطقة إرزيّ خلال الـ23 من آذار (مارس) 2026، حيث دُمّرت عبّارة خرسانيّة فوق الناقل الرئيس، وتضرّر جزء من جسم القناة بطول يقارب ستّة أمتار».

وكشف علويّة عن «تصدّعات وتشقّقات ظهرت في بعض أجزاء فرعيّ رأس العين الشماليّ والجنوبيّ نتيجة قوّة الانفجارات والاهتزازات في المناطق القريبة. كذلك، طالت الأضرار أيضًا جزءًا من نظام الطاقة الشمسيّة لمحطّة ضخّ مياه الصرف الصحّيّ في عدلون – حيّ العرش، إضافة إلى أضرار مادّيّة في مكاتب دائرة ريّ صيدا في أنصاريّة ومكاتب المصلحة في باتوليه – رأس العين، وإحدى آليّات المصلحة. كذلك أدّى القصف في بعض المناطق المحاذية لنهر الليطاني إلى سقوط أشجار وأغصان وردميّات داخل مجرى المياه».

يؤكّد علويّة أنّ «الأضرار، على أهمّيّتها، محدودة قياسًا بالحجم الكامل للشبكة، إلّا أنّ التقييم النهائيّ للأضرار لا يزال مرتبطًا باستكمال الكشف الفنّيّ، بخاصّة في المواقع التي يتعذّر الوصول إليها لأسباب أمنيّة».

في هذا السياق، يُوضح علويّة أنّ «المصلحة أعادت إنشاء العبّارة الخرسانيّة في إرزيّ، وأصلحت الجزء المتضرّر من الناقل الرئيس، كذلك عملت على معالجة الأضرار في المنشآت والمكاتب المتضرّرة. وتواصلت أيضًا أعمال تنظيف القنوات والمآخذ و‘السيفونات‘، وإزالة الأعشاب والردميّات، إضافة إلى إجراء كشوف على المواقع التي تعرّضت للقصف».

ويشير علوية إلى أنّ «القسم الأساس من الشبكة أعيد تشغيله»، موضحًا أنّ «الأعمال المتبقيّة تخضع لبرنامج زمنيّ مرتبط بنتائج الكشوفات النهائيّة وإمكانيّة الوصول الآمن إلى جميع المواقع».

لم تنتهِ آثار الحرب

في المقابل، على صعيد الأراضي الزراعيّة، يرى المزارعون أنّ إعادة تشغيل الشبكة لا تعني انتهاء الأزمة، إذ لم تزل تداعيات الحرب حاضرة في الأراضي الزراعيّة.

ويقول محمد علي نحولي، عضو مجلس تنفيذي في نقابة تجمّع مزارعي الجنوب، لـ«مناطق نت»، إنّ: «بساتين عدّة في مناطق الجنوب تأثّرت بشدّة». ويوضح أنّ «معظم هذه الأراضي مزروعة بالموز، إضافة إلى بعض الزراعات الأخرى، وأنّ المشكلة الأساس تكمن في حاجة الموز الكبيرة إلى المياه». ويضيف «عندما تمكّنّا من العودة إلى بعض البساتين، وجدنا أنّ أشجار الموز تضرّرت بشكل كبير، ووصل الضرر في بعض الأماكن إلى درجة اضطررنا معها إلى اقتلاع الأشجار وإعادة زراعتها».

ويشير نحولي إلى أنّ «بعض المزارعين اقتلعوا مزروعاتهم بالكامل، بينما حاول آخرون إنقاذ ما تبقّى عبر الريّ والمعالجة».

ويلفت كذلك إلى أنّ «المشكلة الحاليّة لا ترتبط فقط بالأضرار التي لحقت بالشبكة، بل أيضًا بتراجع كمّيّة المياه المتوافرة». ويؤكّد أنّ «انخفاض منسوب نهر الليطاني وتراجع كمّيّات الينابيع انعكسا على عمليّة توزيع المياه». ويشير إلى «مناطق تعاني اليوم من نقص في المياه مثل القليلة والزهراني».

جانب من قناة ري الليطاني في منطقة الزرارية
خسائر بآلاف الدولارات

يقدّر نحولي أنّ خسائر المزارعين كبيرة، ويوضح أنّ «إعادة تأهيل دونم واحد من أرض الموز مثلًا بعد تعرّضه للعطش ربّما تكلّف بين ألف وألفي دولار». وتشمل هذه الكلفة، بحسب قوله «إزالة الأشجار المتضرّرة، وتجهيز الأرض، وإعادة الزراعة، إضافة إلى الوقت اللازم حتّى تستعيد الأشجار إنتاجيّتها».

ويؤكّد نحولي أنّ «انقطاع المياه عن الموز يعني خسارة مباشرة، لأنّ هذا النوع من الزراعات لا يستطيع تحمّل العطش فترات طويلة؛ لذا لجأ بعض المزارعين إلى استخدام الآبار الارتوازية والتعاون في ما بينهم لتأمين كمّيّات إضافيّة». لكنه يرى أنّ «هذه الحلول تبقى محدودة، لأنّ بعض الآبار تحتوي على مياه مالحة وربّما لا توفر الكمّيّات المطلوبة».

وفق نحولي، «لا تزال بعض الأراضي الزراعيّة غير قابلة للوصول بسبب الظروف الأمنيّة»، ويشير إلى «وجود بساتين في منطقة المنصوريّ لم يعد المزارعون قادرين على الوصول إليها وريّها أو حتّى تفقدّها». ويختم نحولي مؤكّدًا أنّ «المشكلة ليست في توافر المياه وحسب، بل في القدرة على الوصول إلى الأرض ومتابعة الزراعة في ظلّ استمرار تداعيات الحرب».

الأزمة اليوم، إن صحّ التعبير، لا تكمن في إعادة المياه إلى مجاريها فقط، بل في إعادة القدرة إلى المزارعين على الاستمرار في زراعة أراضيهم. وبين أراضٍ يحاول أصحابها إنقاذها وواقع يفرض تحدّيات أمنيّة لا تنتهي، يبقى مستقبل الزراعة الجنوبيّة مرتبطًا بقدرة هذه المنظومة على الصمود أمام آثار الحرب والمخاوف من تجدّدها، والأزمات المتراكمة، والاعتداءات الإسرائيليّة التي لم تتوقّف يومًا. فالقرى الجنوبيّة التي اعتادت أن تستعيد الحياة بعد كلّ حرب تنتظر اليوم عودةً  إليها ما زالت مُعلّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى