الإيجارات جنوباً إلى ارتفاع… الأمان المؤقّت أضحى مكلفاً

يسجل ارتفاع بدلات الإيجار في قرى وبلدات جنوبيّة عدّة، بخاصّة تلك المحاذية لما يُعرف بالخطّ الأصفر وصولاً إلى ضواحي صيدا، بعدما زاد الطلب عليها، لسببين أساسيّين: ثمة قرى كثيرة لم يتمكّن الأهالي من العودة إليها بعد، هي القرى الحدوديّة المدمّرة في الخطوط الأولى والثانية والثالثة، إلى قرى لا يزال الوضع الأمنيّ فيها مأزوماً جدّاً بسبب موقعها القريب من التفجيرات والاستهدافات الإسرائيليّة.

كذلك لا يمكن تجاهل الضرر الكبير والدمار اللذين أصابا أعداداً لا تحصى من الوحدات السكنيّة في الجنوب، فاضطرّ أصحابها إلى استئجار بيوت بديلة في أماكن أخرى، وغالباً في خارج بلداتهم، مع العلم أنهم يفضلون البقاء في الجنوب، لكن المتاح من المنازل قليل جدّاً، ما ساهم في ارتفاع بدلات الإيجارات، وصلت إلى حدّ تدخل بعض البلديّات للتخفيف منها.

“بدّلت سبعة منازل”

امرأة جنوبيّة تدعى منال غرّيب هي واحدة من هؤلاء، من بلدة طير حرفا (قضاء صور) وتسكن راهناً في منطقة قدموس في صور، تروي بداية قصتها مع النزوح فتقول: “خرجت من منزلي منذ بدء الحرب على غزّة في العام 2023، دمّرت إسرائيل منزلي وكذلك مصدر رزقي، ومنذ ذاك الحين وأنا أتنقّل من منزل مستأجر إلى آخر”.

وتضيف لـ”مناطق نت”: “خرجت بأوراقي الثبوتيّة فقط، وطوال الفترة الماضيّة حاولت ترتيب أموري على رغم جميع الظروف، آثرت البقاء في صور، وحتّى خلال الحرب الأخيرة لم أبتعد أكثر من صيدا”. تُحدّثنا غريّب عن الجنوب وكيف أنّ أهله مثل السمكة لا يستطيعون مغادرته، وهي منهم.

لكنّها تواجه صعوبات جمّة، أكثرها تأثيراً كان ارتفاع إيجارات المنازل، وتُعلّق قائلة: “كان يرفع صاحب العقار الإيجار بعد مكوثنا بقليل، عانيت من هذه المشكلة مرّات ومرّات، في المنازل التي سكنتها وكذلك في المتجر الذي استأجرته لبيع خبز الصاج والسندويشات”. تمتهن غريّب صناعة الخبز مذ كانت في بلدتها وكانت تمتلك متجراً خاصّاً بها.

مسألة أخرى كانت سبباً في تنقلها سبع مرّات، إذ كانت تبحث عن منزل بحديقة صغيرة، وليس شقّة في مبنى كبير، لكنّ الأسعار كانت مرتفعة، إلى أن تمكّنت أخيراً من استئجار المنزل الذي تسكن فيه بسعر مقبول مقارنة بما هو متوافر في سوق العقارات.

“يبعد قليلاً من ركام منزلي”

لم يخطر ببال إسراء (اسم مستعار)، أنّها ستضطرّ يوماً إلى استئجار منزل في بلدتها “كفرا” عينها، لكنّ الحرب شاءت ذلك. استأجرت منزلاً يبعد مئات الأمتار من موقع منزلها الذي كانت تقطنه ودمّرته إسرائيل وحوّلته إلى كومة أحجار. تقول لـ”مناطق نت”: “نحن عائلة كبيرة، لديّ أربعة أطفال، ومساعدة منزليّة، ومن غير المنطقيّ أن أسكن لدى أحد أقاربي، خصوصاً وأنّ المدّة قد تطول إلى حين بناء منزل خاصّ بنا”.

وعن بدل إيجار المنزل تقول: “أدفع راهناً 500 دولار، والمنزل فيه المستلزمات الأساس من الفرش، يتولّى والدي تسديد المبلغ شهريّاً، ذلك لأنّني خسرت زوجي في حرب الـ2024، وهو مسعف في كشّافة الرسالة، قتلته إسرائيل في البلدة”. واللافت، أن بلديّة كفرا كانت قد تدخّلت وفرضت خفض الإيجار الذي طلبه مالك العقار بعد أن بلغ 800 دولار.

للمفارقة هنا، أنّ كفرا من البلدات التي أطلق عليها قرى “الصفّ الثاني” وهي تتّصل مع قرى الخطّ الأصفر بشارعها العام، الذي يشكّل مدخلاً رئيساً للوصول إلى ياطر وصربّين وبيت ليف وحاريص، وجميع هذه القرى والبلدات تحتلّ إسرائيل أجزاء منها وتستهدفها يوميّاً بالغارات الحربيّة والقذائف المدفعيّة وتُفجّر أحياءً منها. والوضع الأمنيّ فيها متوتّر للغاية، فهي على خطّ النار، ولا يمكث فيها راهناً غير قلّة من العائلات، التي يغادر بعضهم البلدة عند كل تصعيد تشهده المنطقة، ما يجعل من بدلات الإيجار هذه رقماً كبيراً جدّاً.

مهى صبرا من بلدة الدوير : 800 دولار لشقّة مؤلفة من ثلاث غرف غير مفروشة.

وقرى النبطيّة

لا يبدو المشهد في النبطيّة مختلفاً كثيراً، وقد يكون أسوأ من قرى قضاء بنت جبيل، بخاصة في الأسابيع القليلة الماضية، جراء أحداث “تلّة علي الطاهر”. تقول مهى صبرا لـ”مناطق نت”: “نزحنا وعائلتي من الدوير في قضاء النبطيّة إلى قرية جنسنايا في قضاء صيدا، منذ الشهر الماضي بسبب التصعيد الحاصل”. وتروي صبرا، كيف تمكّنت وعائلتها من استئجار الشقة بالصدفة، عن طريق صديق يسكن في المبنى نفسه: “اتّصل بوالدي كي يخبره أنّ سكّان إحدى الشقق سيغادرون آخر الشهر، فحجزناها فوراً”.

كان بدل الإيجار مرتفعاً بالنسبة إلى عائلة صبرا، 800 دولار لشقّة مؤلفة من ثلاث غرف غير مفروشة. تعلّق صبرا: “الخيارات المتاحة ليست كثيرة، وكان الوضع الأمنيّ قد تفاقم جدّاً، وظننّا أنّ التصعيد لن يستمرّ أكثر من شهر، لذا يمكننا دفع هذا المبلغ لمرّة واحدة” ليتفاجأوا بأنّ الأمور تفاقمت أكثر، واضطرّوا للإبقاء على منزل النزوح شهراً إضافيّاً.

تضيف صبرا: “هو مبلغ كبير مقارنة مع دخلنا الشهريّ”. لأجل ذلك، لا يعلمون كيف ستسير الأمور في الأشهر المقبلة في حال بقيت الأمور على ما هي عليه أو ساءت أكثر، وتُعلّق: “حقيقة لا نعلم ماذا سنفعل في وقتها”. طوال الحرب السابقة ظلّت مهى وعائلتها في منزل أقرباء لهم في جون (الشوف)، تقول: “لم يعد هذا الخيار ممكناً، فقد مكثنا لديهم وقتاَ طويلاً جدّاً”، وعن اختيار المنطقة نفسها: “أردنا البقاء في الجنوب على مقربة من النبطيّة؛ بحثنا عن مكان آمن أيضاً”.

مع الإشارة إلى أن العائلات الجنوبيّة تعاني – كما كلّ اللبنانيّين – من أزمة تضاف إلى كلفة الإيجارات المرتفعة، وهي فاتورة اشتراك الكهرباء التي قفزت الشهر الماضي بشكل كبير وباتت ترهق المستأجرين.

رحلة البحث عن منزل

تبحث زهراء بدرالدين، من حي البياض في النبطيّة، راهناً، عن منزل بإيجار مقبول من أجل النزوح، تقول إنّ منزلها على مقربة من تلّة علي الطاهر، وكذلك منزل والديها في حيّ المسلخ (التعمير)، لذلك فإنّ موقعها الجغرافيّ تسبب في خروجها مرّات إلى الكورنيش البحريّ في صيدا والعودة بعد أن تهدأ الأمور.

تروي لـ”مناطق نت” كيف مرّت ليالٍ صعبةٌ للغاية عليها: “عشت وعائلتي المؤلفة من أربعة أفراد لحظات رعب هائل بسبب شدّة القصف، وقربه منّا. لم يغمض لنا جفن لساعات طويلة”، وتضيف: “بالأمس، خرجت كي أشتري بعض الحاجيّات، وإذ بغارة إسرائيليّة تقع على مقربة منّي”.

بالنسبة إلى بدرالدين يصبح الرعب مضاعفاً مجرّد التفكير بأنّ عائلات كثيرة مدنيّة تمّ استهدافها وهي في منازلها: “أسأل نفسي مرّات: قد يصيبنا صاروخ ونحن جالسين في منزلنا؟ هو رعب تامّ؛ لا يوجد أيّ أمان”.

تبحث زهراء حاليّاً، عن منزل تلجأ إليه، عبر الأصدقاء ومنصّات التواصل الاجتماعيّ. لا مشكلة لديها أين يقع، ولكن ضمن الجنوب، وصولاً إلى صيدا. لكنّها تواجه صعوبة كبيرة بسبب بدلات الإيجارات  “تتراوح بين 600 و700 دولار، وفي حال كان أقلّ من ذلك، يطلبون ثلاثة أشهر مسبقاً وعمولة مكتب”، وهو رقم تعجيزيّ بالنسبة إلى زهراء، وما يحصل عليه زوجها لا يكفي دفع الإيجارات والفواتير الأخرى.

ضرر كبير في الشقق السكنية جراء الحرب
راتبان لا يكفيان

تتشابه قصّة زهراء مع الجنوبيّة حنان فقيه، التي تقيم في محلّة كفرجوز في النبطيّة، فسكنها مكشوف إلى تلّة علي الطاهر، وتبحث عن منزل تستأجره، وقد اختارت مدينة صيدا كي تكون قريبة من مقرّ عملها.

تقول فقيه لـ”مناطق نت”: “أبحث عن منزل صغير لي ولزوجي في صيدا والجوار، بمبلغ معقول، لكنّ الأسعار المطلوبة والتأمين وعمولة المكتب، يضاف إليها تفاصيل الخدمات الأساسيّة الأخرى، مرتفعة جدّاً ومرهقة”.

وتضيف: أنا وزوجي موظّفان، وعلى رغم ذلك هذه الكلفة خارجة عن قدرتنا، فما هيذ حال من لا يملكون دخلاً ثابتاً”.

حاليّاً، تقطن فقيه منزل عائلتها في زفتا (النبطيّة)، بسبب التصعيد الإسرائيليّ الأخير، وفي حال تطوّرت الأمور ستنتقل إلى بشامون (قضاء عاليه)، إلى أن تجد سكناً يناسبها.

الجنوب في زمن الحرب

تبدو الصورة أوضح، خلال حديثنا مع سوزان توتنجي الوسيطة ومقدّمة الخدمات العقاريّة. تقول لـ”مناطق نت”: “إن الطلب الكبير على إيجارات البيوت، رفع الأسعار، من المؤكّد أنّها ليست كما كانت في الأوضاع الطبيعيّة، فهي مرتفعة جدّاً، وغالبيّة النازحين تعاني منها”.

ومن خلال ما تختبره يوميّاً مع المستأجرين، تروي كيف اضطرّت بعض العائلات إلى السكن سويّة، في شقّة واحدة، كي يتمكّنوا من دفع بدل الإيجار. وتُخبرنا أنّ هناك عائلات تسكن حاليّاً  في مراكز الإيواء وتبحث عن منزل لها، شرط أن يكون إيجاره مقبولاً، وهذا نادر ما يحدث. والأسوأ أنّه لا يوجد حسيب أو رقيب.

فالبعض يطلب أجرة أشهر عديدة سلفاً، مع تأمين في غالب الأحيان لا يكون مرتجعاً، ودائماً ما تكون حجّة أصحاب العقارات أنّ بعض المستأجرين يتركون المنازل فجأة ومن دون دفع فواتير كهرباء. وبحسب توتنجي “تبدأ الأسعار في صيدا وضواحيها، بـ600 دولار وما فوق، بحسب مواصفات الشقّة، وهذا المبلغ هو إيجار غرفة صغيرة جدّاً، هذا نفسه يحدث في الجنوب، من الصرفند ونزولاً نحو صيدا، الحال واحدة تقريباً. وأحياناً تنخفض الأسعار إلى 500 دولار، لكنها حالات نادرة جدّاً.

أكثر ضرراً

أكثر الناس تأثّراً في هذا الوضع هم من لم يتمكّنوا من العودة إلى قراهم، وبخاصّة إذا كانوا من ذوي الدخل المحدود، فإن هذا الإيجار يعدّ خارجاً جدّاً عن قدرتهم، ويمنع كثيراً منهم اللجوء إلى أماكن أكثر أماناً، لاسيّما وأنّ مدّة الحرب هذه طويلة، هناك عائلات نازحة منذ العام 2023، ونعني هنا أبناء القرى الحدوديّة ممّن هجّروا منذ دخول “حزب الله” حرب “إسناد غزّة” في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) العام نفسه.

مسألة أخيرة، لا بدّ من الإشارة إليها: إنّ عائلات جنوبيّة كثيرة، عادت إلى منازلها في الجنوب ولكنّها لا تزال تحتفظ بمنازلها المستأجرة خيفة من استئناف الحرب من جديد أو تطوّر الأوضاع الأمنيّة غير المستقرّة، بخاصّة في القرى المحاذية لمنطقة الخطّ الأصفر، أو التي هي في الأصل متداخلة جغرافيّاً، والأمثلة كثيرة في الجنوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى