عن خرائط غوغل… هل “وصلت إلى وجهتك”؟

“وصلت إلى وجهتك”. بالنسبة إلى كثيرين، يفترض أن تكون هذه الجملة نهاية الطريق المقصود. لكن في لبنان، قد تكون أحياناً بداية السؤال: “وصلت بس لوين؟”.
طريق مغلق، مدخل لا وجود له، شارع يأخذك إلى جهة معاكسة، أو طريق قصير على شاشة الهاتف يتحوّل إلى رحلة أطول على أرض الواقع. وأحياناً، قد لا تكون المشكلة في الطريق أساساً، بل في النقطة الزرقاء التي يفترض أن تحدّد مكانك.
مع الاعتماد المتزايد على تطبيقات الملاحة، أصبح “غوغل مابس” بالنسبة إلى كثر من المستخدمين أشبه بمرافق يوميّ: يقترح الطريق، يحسب الوقت، ويعيد توجيه السائق إذا أخطأ. لكن خلف هذه التجربة توجد طبقات من البيانات والخوارزميّات وإشارات الأقمار الاصطناعيّة، وكلّ طبقة منها يمكن أن تحمل هامشاً من الخطأ. وفي لبنان، حيث تتغيّر الطرقات والاتّجاهات والتحويلات، وحيث تتداخل مشاكل البنية التحتيّة مع اضطرابات GPS، ربّما تصبح المسافة بين الخريطة والواقع أكبر ممّا نتوقّع.
الواقع يتغيّر أسرع من البيانات
قد يبدو “غوغل مابس” وكأنّه يعرف كلّ شارع وكلّ منعطف، لكنّ الخريطة الرقميّة لا تُرسم مرّة واحدة ثمّ تبقى ثابتة. تعتمد خرائط “غوغل” على مجموعة من المصادر لتحديث معلوماتها، بينها مساهمات المستخدمين والشركات والمصادر الرسميّة والبيانات الجغرافيّة وغيرها. وهذا يعني أنّ الطريق الذي يظهر على الشاشة هو في الحقيقة نتيجة بيانات يجب أن تبقى محدّثة في استمرار. لكن ماذا يحدث عندما يتغيّر الواقع أسرع من البيانات؟
بحسب خبيرة الأمن الرقميّ سمر الحلال، لا يوجد سبب واحد يمكن تحميله مسؤوليّة أخطاء الخرائط. وتوضح لـ”مناطق نت”، أنّ “البيانات غير المحدّثة وتغيّر الواقع على الأرض من أكثر الأسباب شيوعاً”، مشيرةً إلى أنّ “الطريق قد يتغيّر أو يُغلق أو يصبح باتّجاه واحد بينما تبقى قاعدة بيانات الخريطة على حالها”.
بيد أنّها تميّز بين مشكلة الخريطة ومشكلة تحديد موقع المستخدم، إذ قد “تكون الخريطة صحيحة لكنّ الهاتف يحدّد موقعك بشكل خاطئ، أو قد يكون موقعك صحيحاً لكنّ بيانات الخريطة نفسها قديمة أو غير دقيقة”.
وتضيف أنّ أخطاء اختيار المسار يمكن أن تحدث أيضاً بسبب الطريقة التي تُفسَّر بها البيانات، لكن ليس من الدقّة افتراض أنّ كلّ مسار خاطئ هو بالضرورة “خطأ في الخوارزميّة”. وهنا تظهر نقطة أساس: عندما يقترح غوغل مابس طريقاً معيّناً، فهو لا يعرف الشارع كما يعرفه شخص يعيش في المنطقة. هو يختار من بين الخيارات المتاحة له بناءً على البيانات التي يمتلكها.
مكان لم تكن تقصده
تقول روان (اسم مستعار) لـ”مناطق نت” إنّها كانت تقود سيّارتها ليلاً إلى منطقة في جبل لبنان لم تزرها من قبل، فاستعانت بخرائط غوغل واختارت المسار الأسرع، متّبعةً تعليمات التطبيق خطوة بخطوة. لكن بعد دقائق، بدأت الطريق تضيق تدريجا، قبل أن تتحوّل من شارع واضح إلى طريق فرعيّ مظلم.
تضيف أنّها وصلت إلى نقطة لم تعد فيها متأكّدة من أنّها تسلك الطريق الصحيح، فتوقّفت لتتفقّد الخريطة مجدّداً. عندها، لاحظت شابّين يسيران باتجاهها بطريقة أثارت قلقها، ما دفعها إلى التراجع سريعاً وتغيير مسارها.
تقول روان: “منذ ذلك الحين، لم أعد أثق في الخريطة بشكل كامل، وأحاول ألّا أعتمد عليها إلّا عند القيادة في الشوارع الرئيسة”.
تختصر هذه التجربة، إلى جانب تجارب أخرى مشابهة، مشكلة أساسيّة في استخدام الخرائط الرقميّة: الثقة بالمسار الذي تقترحه الخوارزميّة ربّما تدفع المستخدم إلى أماكن لا يتوقّعها. فالخريطة قد تقول إنّك على الطريق الصحيح، لكنّ ذلك لا يعني أنّ الطريق آمن، أو مناسب لسيّارتك، أو إنّه قابل للعبور في اللحظة التي وصلت فيها إليه. وهنا تصبح معرفة المستخدم بالمنطقة، أو التحقّق من الطريق عند الشكّ، أهمّ من الوثوق في المسار الذي يظهر على الشاشة.

النقطة الزرقاء
هناك نوع آخر من الأخطاء أكثر تعقيداً، وهو أن تكون بيانات الخريطة نفسها صحيحة، لكنّ موقع المستخدم غير صحيح. تشرح الحلال أنّ نظام GPS ربّما يتأثّر بنوعين أساسيّين من التداخل: التشويش (Jamming)، والتزييف (Spoofing).
وتوضح أنّه في الحال الأولى “لا يشير الهاتف إلى موقع خاطئ، بل يتمّ إغراق أو حجب الإشارة الآتية من الأقمار الاصطناعيّة بحيث يصبح الهاتف غير قادر على تحديد موقعه بشكل موثوق”. أمّا في الحال الثانية، فتشير إلى أنّه “بدلاً من منع الهاتف من استقبال الإشارة، يتمّ إرسال إشارات مزيّفة تشبه إشارات الأقمار الاصطناعيّة الحقيقيّة. والنتيجة أنّ الجهاز قد “يقتنع” بأنّ الإشارة حقيقيّة فيظهر موقعاً خاطئاً”.
وهذا فرق مهمّ جدّاً، بخاصّة في سياق الأمن الرقميّ. فالتزييف من الممكن أن يكون أخطر من مجرّد فقدان GPS لأنّ المستخدم قد لا يعرف أنّ الموقع الذي يراه خاطئ. وليس هذا السيناريو نظريّاً. ففي شباط (فبراير) 2025، تمّ رصد موجة قويّة من GPS spoofing في بيروت، وأفادت تقارير بأنّ إشارات GPS المضلّلة كانت تؤثّر حتّى في تحديد مواقع الطائرات، بينما كان اللبنانيّون أساساً يواجهون مشاكل متكرّرة في تحديد مواقعهم خلال فترة الحرب.
وتذكر الحلال أنّ الوكالة الأوروبّيّة لسلامة الطيران (EASA) حدّثت في تمّوز (يوليو) 2026 إرشاداتها بشأن اضطرابات أنظمة GNSS، محذّرةً من تزايد حوادث التشويش والتزييف في إشارات تحديد المواقع، وما قد تسبّبه من تأثيرات على سلامة الملاحة الجوّيّة.
الخريطة وواقع سريع التغيّر
بالنسبة إلى لبنان، التحدّيات لا تتوقّف عند GPS، إذ إنّ هناك تغيّراً مستمرّاً في الطرق، وتحويلات وإغلاقات وطرقاً جديدة، إضافة إلى مشكلة أكثر أساسيّة تتعلّق بالعناوين نفسها. ففي بعض المناطق، لا تكون أرقام الأبنية أو أسماء الشوارع متّسقة أو واضحة، ما يجعل تحويل العنوان إلى موقع جغرافيّ دقيق أكثر صعوبة.
وهناك مثال عمليّ تلفت إليه الحلال وهي بيانات OpenStreetMap الخاصّة بلبنان، والتي تشير إلى أنّ بعض المناطق، ومنها أطراف بيروت، ما زالت تحتاج إلى استكمال الهندسة والبيانات الجغرافيّة، ما يوضح أنّ جودة الخرائط ليست متساوية في كلّ المناطق.
المشكلة الأساس في علاقتنا مع الخرائط الرقميّة أنّنا نتعامل معها أحياناً كأنّها حقيقة ميدانيّة.
خطأ فرديّ ومشكلة جماعيّة
وعن دور المستخدمين، فبالفعل يمكن للمستخدم الإبلاغ عن طريق مفقود، أو شارع مغلق، أو اتّجاه خاطئ، أو عنوان غير صحيح. وتستخدم غوغل هذه المساهمات إلى جانب مصادر وبيانات أخرى لتحديث الخرائط. لكنّ هذا لا يعني أنّ أيّ شخص يستطيع تغيير الخريطة للجميع بضغطة زرّ.
تخضع التعديلات للمراجعة وأنظمة تهدف إلى اكتشاف المعلومات الخاطئة أو الضارّة والتلاعب. مع ذلك، تقول الحلال إنّ احتمال انتقال المعلومة الخاطئة إلى مستخدمين آخرين موجود من حيث المبدأ إذا تمّ اعتمادها ضمن قاعدة بيانات الخرائط.
وهنا تكمن المفارقة: الخطأ الذي يبدأ بمعلومة واحدة قد يتحوّل، بعد اعتماده، إلى معلومة تعتمد عليها خوارزميّة توجّه عشرات أو مئات المستخدمين. لذلك، لا ينبغي النظر إلى الخرائط باعتبارها مجرّد تطبيقات مريحة للملاحة، بل باعتبارها أنظمة تعتمد على بيانات يمكن أن تكون ناقصة أو قديمة أو خاطئة.
أقصر الطرق ليست الأفضل
عندما يعرض التطبيق طريقاً بطول سبعة كيلومترات ويقول إنّه سيستغرق 12 دقيقة، يميل المستخدم إلى اعتبار هذا الطريق الخيار الأفضل. لكنّ “الأفضل” بالنسبة إلى الخوارزميّة لا يعني بالضرورة “الأفضل” بالنسبة إلى الشخص خلف المقود. قد يكون الطريق أقصر على الخريطة، لكنّه أكثر خطورة ليلاً، أو ضيّقاً، أو يمرّ في منطقة لا يعرفها السائق، وغير ذلك. لذا توصي الحلال أنّه في الظروف الحسّاسة، لا ينبغي الاعتماد على مسار GPS وحده كحقيقة ميدانيّة مؤكّدة.
فالخوارزميّة لا تمتلك هذا النوع من المعرفة المحلّيّة. ولهذا، فإنّ الاعتماد الكامل على الوقت الذي تعطيه التطبيقات والمسافة أو المسار يعطي شعوراً زائفاً بالدقّة والثقة. ومن هنا ربّما تكون المشكلة الأساس في علاقتنا مع الخرائط الرقميّة أنّنا نتعامل معها أحياناً كأنّها حقيقة ميدانيّة. لكنّ “غوغل مابس” وغيره من التطبيقات لا يرى الشارع. هو يبني نموذجاً رقميّاً عنه. وكلّ نموذج يعتمد على جودة البيانات التي بُني عليها.
في لبنان تحديداً، تتضاعف أهمّيّة هذه الحقيقة بسبب تغيّر الطرق، وصعوبة بعض العناوين، والتضاريس، والظروف الأمنيّة، إضافة إلى اضطرابات GPS التي يمكن أن تجعل المشكلة تنتقل من الخريطة إلى الموقع نفسه. لذلك، قد يكون استخدام هذا النوع من التطبيقات ضروريّاً بالفعل، لكنّ الثقة العمياء به ليست كذلك.
إذا قال لك التطبيق: “انعطف يميناً”، لا يعني ذلك أنّ الطريق أمامك خيار جيّد بالضرورة. وفي بلد تتغيّر فيه الطرق أسرع أحياناً من البيانات التي تصفها، بخاصة في المناطق غير الرئيسة، تبقى معرفة الطريق على أرض الواقع، أو الحذر إذا لم نكن نعرفه، إلى جانب المنطق، عوامل يجب أن تكون أساسيّة في الخيارات التي نتّخذها على الشارع.



