بحر الرشيدية.. رمل وأمواج متنفّس سكان المخيم

يحتار أبناء مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين قرب صور، في صيف حارّ كالنار، يلهب وجوههم وأجسادهم. تارةً يجدون أنفسهم كالصغار، يلعبون بالماء أمام البيت، وتارةً يبحثون عن نسمة هواء بجانب شجرة زرعها آباؤهم قرب منزل هنا أو جدار هناك، ليجدوا أنفسهم في النهاية أمام بحر مخيمهم، كأطفال يلهون ويبحثون عن مساحة للحياة وسط واقع كئيب يلاحق أحلامهم.

في ظل الظروف الأمنية الراهنة، ومخاوف الناس من التوجه إلى المنتزهات في جنوب لبنان، تحوّل شاطئ مخيم الرشيدية إلى المتنفس الأبرز لسكانه، وملاذهم من الحرارة المرتفعة والرطوبة، ومساحة يهربون إليها من ثقل الأيام وضغوطها.

يشكّل شاطئ مخيم الرشيدية امتدادًا لشاطئ مدينة صور الجنوبي؛ إذ يقع على بُعد نحو خمسة كيلومترات منها، ويُعد الأقرب جغرافياً إلى فلسطين.

مساحة للسباحة والاستجمام

لا يقتصر ارتياد شاطئ المخيم بالنسبة لأبنائه على أنّه مساحة للسباحة والاستجمام فقط؛ فإضافة إلى ذلك، شكّل الشاطئ ملاذًا ومتنفسًا ومصدرًا للرزق لعائلات عديدة أثناء فصل الصيف، من خلال الاستراحات والخيم المنتشرة على الشاطئ، وذلك على الرغم من تحديات البنية التحتية المترهلة ومخاطر ارتفاع الأمواج التي تهدد أحياناً المنازل المحاذية للبحر.

هنا، يجد الناس أنفسهم يسبحون بين الأمواج أو يجلسون تحت خيم الاستراحات، بينما يركض الأطفال على الرمال ويصنعون بأيديهم الصغيرة بعضاً من أحلامهم المتلاشية. وهناك من يمارس كرة الطائرة والتنس وكرة القدم وركوب الخيل والتمارين الرياضية، وغيرها من الأنشطة التي تجعل الشاطئ مساحة للحياة وسط واقع لا يشبه الطفولة.

لكن بحر الرشيدية يحمل معنى أبعد من الترفيه؛ فبالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين، يشكل البحر رمزاً للعودة، ففي الأفق البحري يرون نافذة معنوية ورمزية نحو فلسطين، وتحديداً نحو الشواطئ الفلسطينية القريبة من الحدود اللبنانية. وحتى في ظل خطورة الوضع في جنوب لبنان، يبقى البحر شاهداً على المشهد؛ فمنه يمكن لسكان المخيم رؤية الغارات الإسرائيلية باتجاه الجنوب اللبناني والأراضي الفلسطينية المحتلة.

تخوّف من الوضع الأمني

يقول عبدالله الحج، صاحب إحدى الاستراحات على شاطئ مخيم الرشيدية لـ”مناطق نت”: “تراجعت حركة الناس هذا الصيف مقارنة بالسنوات السابقة، وذلك بسبب التخوف من الوضع الأمني وأيضًا الواقع الاقتصادي والمعيشي. ظروف الناس اليوم صعبة جدًا، لكن البحر يبقى هو المتنفس الوحيد”.

يضيف الحج: “البحر هو مصدر رزقي في فصل الصيف، وهو يعوضني عن فصل الشتاء. كصاحب مصلحة وابن للمخيم، بحر الرشيدية يعني لي كل شيء؛ أستيقظ وأنام على البحر، ولا أُغادر إلى منزلي كثيرًا، فهو المتنفس الوحيد لشباب المخيم”.

ولا يخفي عبدالله أنَّ الواقع الاقتصادي الصعب ينعكس على أصحاب الاستراحات كما ينعكس على الزوار: “أوضاع الناس متشابهة، فما أعيشه من حروب وأزمات يعيشه الناس أيضًا”. وعمّا إذا كانت الاستراحة تشكّل مصدر رزق له، يشير عبدالله: “كصاحب استراحة بطلع (رأس برأس)، لا أستطيع رفع السعر، لكنني سعيد هكذا. إذا لم أشعر بأولاد شعبي، فبمن أشعر؟”.

ملاذ للشباب

يؤكد عبدالله أن البحر يتحول خلال الصيف إلى ملاذ للشباب الذين يقصدونه هرباً من الحر والضغوط النفسية، فيما يبقى بعضهم حتى ساعات الفجر، بحثاً عن نسمة هواء تخفف وطأة الحرارة وثقل الحياة.

وعلى الرغم من المخاطر والخوف من الاحتلال الإسرائيلي وغاراته وبوارجه الحربية التي تجوب الساحل الجنوبي باستمرار، يتمسك عبدالله بشاطئ المخيم، بالمكان الذي نشأ فيه وبمصدر رزقه الذي يؤمّن منه لقمة عيشه.

وعن الحرب وقساوتها يعبّر عبدالله: “إسرائيل لن تخيفنا، رغم أن كثيرين حاولوا إبعادنا عن الشاطئ وتسببوا لنا بالمشاكل، ومن بينهم الأونروا، التي أعتبرها شريكة للاحتلال”.

بحر “البارد” يتوق للرشيدية

وعلى الرغم من وجود مخيم نهر البارد عند شاطئ البحر شمال لبنان، فإنه لا يوفر المساحة نفسها للسباحة واللعب على الرمال التي يوفرها بحر الرشيدية.

وحول هذا الموضوع، تعبّر ابنة مخيم نهر البارد، جنين القاضي، والتي جاءت في زيارة إلى مخيم الرشيدية، عن تجربتها بين الشاطئين؛ فتقول إنّ الشيء المميز في بحر الرشيدية أنه قريب من فلسطين، وهذا زاد من شعوري وانتمائي لبلدي. وتابعت لـ “مناطق نت”: “إضافة إلى ذلك، المشهد في الرشيدية مريح للنظر وجميل جداً مع الغروب، ويزيد من ذلك عامل النظافة وأنه آمن للسباحة ولعب الأطفال”. وتضيف القاضي: “الاستراحات جميلة وأسعارها رخيصة مقارنة بخارج المخيم، ولأنها أيضًا قريبة من فلسطين، أشعر أن الهواء جنوبي”.

هكذا وصفت جنين هواء الجنوب قائلة: “أقف أمام البحر، وأرى جمال شاطئ الرشيدية يمتد بعينيّ نحو الشمال، نحو بلادي فلسطين، فيما تغرب الشمس وتعانق البحر، ويرسل الهواء القادم من الجنوب شيئاً من رائحة بلادي، فيلفح وجهي ويمنحني أملاً جديداً بالحياة”.

هنا، على شاطئ الرشيدية، لا يبدو البحر مجرد ماء ورمل؛ إنه ذاكرة، ورزق، وملاذ، وطفولة، وحلم بالعودة. وربما لهذا السبب، كلما وقف أبناء المخيم أمامه، يسألون أنفسهم: “هل سيبقى الأمل حلماً على امتداد الأفق، أم سيأتي يوم يصبح فيه حقيقة؟”.

الإستراحات على شاطئ مخيم الرشيدية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى