مزارع “بيت مشيك” على هامش الحرب والإهمال

منذ بدء الحرب في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 مرورًا بتوسّعها في عاميّ 2024 و2026، كانت منطقة مزارع “بيت مشيك” الواقعة في قضاء بعلبك عرضة للغارات الإسرائيليّة. هي مناطق منسيّة تتألّف من مجموعة بلدات انفصلت عن بلدية شمسطار، واستقلّت في بلديّات منفردة منذ العام 2013.
تتوافر في هذه القرى والبلدات موارد مائيّة وبيئيّة وسياحيّة، لكن شأنها شأن كلّ البلدات الواقعة على المقلب الآخر من سلسلة جبال لبنان الغربيّة، تفتقر إلى التمويل والمشاريع الإنمائيّة، ويعصف بها الإهمال على مختلف المستويات، بدءًا من أبسط مقوّمات العيش والخدمات إلى أكثرها أهمّيّة. هذا الأمر يدفع عديدًا من سكّانها إلى الهجرة الطوعيّة باتّجاه بيروت أو باتّجاه تجمّعات سكنيّة، حيث يسهل الوصول إلى الخدمات الأساسيّة.
لكن وعلى الرغم من الظروف الصعبة، فإنّ قسمًا كبيرًا من العائلات لا يزال يقطن في تلك المناطق، وقد واجه جولات الحرب العنيفة والغارات المدمّرة، بقليل من المساعدات.
بقاء تحت النار ولا النزوح
عند توسّع الحرب في الثاني من آذار (مارس) الماضي، وعلى رغم الغارات العنيفة، اختارت مريم سويدان البقاء في منزلها. لم يكن القرار نابعًا من شعورها بالأمان، إنّما كان نتيجة تجربة سابقة وقاسية في النزوح إلى مركز إيواء. مريم التي هي في العقد الخامس من عمرها، متزوجة من أحمد سويدان ولديهما أربعة أولاد: ثلاثة أولاد تتراوح أعمارهم بين الـ10 والـ14، وابنة تبلغ من العمر 11 عاماً. يسكنون في منطقة مزارع بيت مشيك.
في الحرب الأخيرة، قرّرت سويدان البقاء مع عائلتها تحت القصف، كي لا تكرّر سيناريو معاناة النزوح السابقة. ظلّت، على الرغم من نزوح غالبيّة سكّان المنطقة إلى المدارس في مناطق آمنة مجاورة.
تقول سويدان لـ”مناطق نت”: “كانت الليلة الأخيرة من الحرب الماضية هي الأصعب، لم يتمكّن أحد من النوم بسبب كثافة الغارات، والقصف المرعب دون توقّف، حتّى الصباح”.
تستعيد سويدان لحظات عاشتها تحت النار، وتحكي عن محاولات تدبيرها أمور العائلة بما هو متوافر، لكنّها تشير إلى أنّ “الإنسان عندما يشعر بالخوف تتوقّف رغبته في الطعام، وكلّ ما يفكّر فيه هو إن كانت الطائرة الحربيّة ستقصفه أم لا”.

الوضع لم يزل سيّئًا
بعد الحرب، زادت صعوبة الأوضاع المعيشيّة، معاناة سويدان والتي تتمثّل بمشكلات صحّيّة في القلب والجهاز التنفّسيّ، وهو أمر يتطلّب متابعة وأدوية ثمنها مرتفع.
تقول سويدان: “أحتاج اليوم إلى أدوية بقيمة تقارب الـ200 دولار شهريًا. عائلتي تساعدني قدر الإمكان، لكن هناك كثيرين غيري لا يجدون من يساعدهم. أحيانًا أبحث عن الدواء عند الناس إذا لم أكن أستطع شراءه، إذ لا يمكنني الاستغناء عنه. كلّ هذا التدهور في حالتي الصحّيّة حصل بسبب تطوّرات الحرب في العام 2024، والذي أدّى إلى تفاقم وضعي الصحّيّ بعد نزوحنا إلى مركز الإيواء المكتظ”.
على الرغم من وضعها الصحّي، إلّا أنّ كلّ ما يشغل بال سويدان في الوقت الحاضر هو مستقبل أولادها. فتقول: “ابنتي ترغب في إكمال تعليمها، لكن لا أعرف إن كنّا سنتمكّن من تحمّل الكلف. هذا الأمر يقلقنا كثيرًا، لأنّ الإمكانات المادّيّة محدودة”.
البطالة وغياب الدولة
أحوال عائلة سويدان المعيشيّة لا تختلف عن بقيّة سكّان منطقة غرب بعلبك، فالبطالة هي إحدى أكبر التحدّيات التي يواجهونها. كثير من شباب هذه المنطقة، ينتظرون دورات التطوّع في الجيش، لأنّهم لا يجدون فرص عمل أخرى، حتّى لو كانوا يحملون شهاداتٍ جامعيّة. بحسب سويدان التي تؤكّد “الغياب التامّ للدولة ومؤسّساتها، من استشفاء إلى بنى تحتيّة وحتىّ الحماية”.
توضح سويدان أنّ “دخل الأسرة بالكاد يكفي تأمين الطعام والشراب وتعليم الأولاد، دون أن يتبقّى شيء لتأمين نفقات الاستشفاء”. يعمل زوج سويدان سائق سيّارة عمومية مستأجرة، لكن بعد ارتفاع كلفة إيجارها، اضطرّ إلى تركها، والانتقال إلى الزراعة من أجل تأمين عيش العائلة.
بين مرّين
بدوره، يروي أحمد سويدان زوج مريم، تفاصيل عاشها في الحروب المتعاقبة، فيقول: “واكبت حرب العام 1975، لكنّي لم أتأثر بها كما فعلت الحرب الأخيرة”. يتابع لـ”مناطق نت”: «الطيران والأسلحة التي استُخدمت كانت مرعبة بشكل لا يوصف. القصف كان يستمرّ ليلًا ونهارًا، ولم نصدّق أنّنا تمكّنا من النجاة. وقع انفجار في منطقة قريبة منّا حيث استمرّت النيران تتصاعد مدة ساعتين. كان المشهد مخيفًا، لكن الحمد لله لم نصب بأذى مباشر”.
يضيف سويدان “نزح قسم من أهالي البلدة إلى زحلة، وآخرون إلى دير الأحمر، وشليفا، وسيّدة بشوات، وبرقة. أقاموا في المدارس، وكانت معاملة أهالي المناطق التي نزحوا إليها جيّدة جدًّا، فقدّموا لهم المساعدة والطعام”.
بعد تجدّد الحرب وعلى رغم اشتداد الغارات في المناطق الجرديّة، بقي سويدان مثل كثير من الناس في منطقة غرب بعلبك، في قراهم، بسبب الظروف المعيشيّة الصعبة وتجربة النزوح المريرة في الحرب السابقة.
يؤكّد سويدان أنّ “التنقّل كان خطيرًا؛ بعض العائلات كانت تملك الطحين فتخبز في منزلها، وبقي عدد قليل من المحال التجارية مفتوحًا في طاريّا وشمسطار، فكنا نقصدها بحذر شديد بسبب القصف”.
أحمد سويدان: “الأيّام التي عشناها خلال الحرب كانت صعبة، رأينا الشهداء والدخان يحيط بنا من كلّ حدب وصوب”.
تبعات نفسيّة وشحّ المساعدات
لم ينتهِ أثر الحرب كما يقول سويدان: “فما زالت ابنتي تخاف وتهرب حين تسمع صوت الطائرات. أمّا الأطفال فما زالوا عاجزين عن التركيز والاستمرار بالدراسة. الأيّام التي عشناها خلال الحرب كانت صعبة، رأينا الشهداء والدخان يحيط بنا من كلّ حدب وصوب”.
ويكرّر سويدان ما قالته زوجته حول غياب الدولة، وهذا لسان حال كثير من أهالي غرب بعلبك الذين لم يتوافر لهم أيّ دعم من قبل الجهات الرسميّة، فالتهميش الذي كانت تعانيه المنطقة قبل الحرب، لا تزال تعانيه بعدها ولم يطرأ أيّ تغيير على ذلك.
أعاد الناس ترميم الأضرار الناتجة عن القصف على نفقتهم. يقول سويدان: “أصلحنا ما استطعنا في بيوتنا وحدنا، أمّا المساعدات التي جاءت من المنظّمات الإنسانيّة، فكانت عبارة عن أغطية وموادّ غذائيّة، على رغم أنّ بعض الموادّ الغذائيّة لم تكن جيّدة، إلّا أنّنا اضطررنا إلى تناولها طوال فترة النزوح”.
الطمأنينة حلم مؤجّل
بعد الحرب، أصبحت أوضاع الناس أكثر صعوبة. يؤكّد سويدان قائلًا: “الجميع يعاني، حتّى الموظفين، لأنّ الرواتب لم تعد تكفي. لم يعد هناك خير كما في السابق، ومعظم الناس يحتاجون إلى المساعدات. من يملك المال يعاني، ومن لا يملكه يعاني أكثر، نحاول أن نقنع أنفسنا بالقليل ونكتفي بما هو متوافر”.
يتابع سويدان “تأمين الطعام أصبح مكلفًا، وتربية الأولاد تحتاج إلى مصاريف لا نستطيع تحمّلها. لم يعد لدينا ضمان صحّيّ أو أيّ حماية اجتماعيّة تساعدنا على الاستمرار”.
نعم، انحسرت الحرب في بعض المناطق، لكنّ العودة إلى الحياة الطبيعيّة ليست بالأمر السهل. بالنسبة إلى عائلة سويدان، لا يبدو الأمر هيّنًا، فالخروج من الخوف والحرمان، مهمّة شبه مستحيلة في منطقة مزارع بيت مشيك، حيث يرزح الناس تحت مطرقة الخوف من حروب لا تنتهي وحرمان متعاقب منذ سنوات، لم تفلح الدولة ولا حتّى القوى السياسية الفاعلة في معالجته. فهل من عينٍ تنفتح على هذه المعاناة؟



