رحيق مر: نحالو الجنوب ضحايا الحرب والإهمال

على مدى عقود، اعتُبر الساحل الجنوبيّ المشهور بزراعة الحمضيّات، ملاذًا غذائيًّا للنحّالين من مختلف المناطق اللبنانيّة، يقصدونه لنشر مناحلهم. لكن مع اندلاع الحرب في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 وتوسّعها في الـ23 من أيلول (سبتمبر) 2024 وثمّ الثاني من آذار (مارس) 2026، لم يعد ذلك الساحل ملاذًا آمنًا، بل ساحة لإحصاء الخسائر بسبب ما خلّفته الحرب في قطاع يُعتبر من القطاعات المهمّة في الاقتصاد المحلّيّ الجنوبيّ.

بعد وقف إطلاق النار في الـ27 من تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2024، وما تلاه من هدنة الـ60 يومًا، عاد نحّالو الجنوب إلى مناحلهم آملين تعويض ما خسروه، لكنّ ذلك لم يحصل، إذ أدّى توسّع الحرب في الثاني من آذار الماضي إلى تعاظم الكارثة.

قُدّرت الخسائر التي تكبّدها النحّالون منذ توسّع الحرب في الثاني من آذار المنصرم بنحو 90 ألف قفير، في حين بلغت الخسائر بعد توسّع الحرب في العام 2024 بنحو 32 ألف خلية، وأدّى ذلك إلى تراجع في إنتاج العسل الوطني إلى مستويات قياسية، وذلك وفق رئيس “مزارعي ونحّالي لبنان المتجدّد” علي شقير. تُرك النحّالون أمام خسائرهم من دون تعويضات، في ظلّ ما يصفونه بإهمال رسميّ لقطاع أضحى العاملون فيه يختصرون واقعهم بعبارة واحدة: «دبّر راسك».

حريق في مراعي للنحل جرّاء الحرب في بلدة العباسية
مناحل تُركت لمصيرها

بإمكانات محدودة وبشكل تدريجيّ، بدأت رشا عسّاف (36 سنة) من قرية كفرحتّى (صيدا)، في مشروع تربية النحل. حلمت عسّاف بإنتاج زراعيّ مستدام، يحافظ على جودة العسل والاستفادة من مختلف منتجات الخليّة، ليأتي توسّع الحرب بين عامي 2024 و2026 لتخفّض مستوى الإنتاج.

تقول عسّاف لـ«مناطق نت»: «لم تتعرّض خلايا النحل لأضرار مباشرة، لكنّ الحرب أدّت إلى خسائر مرتبطة بالتطريد وموت بعض الخلايا». عانى مشروع عسّاف جرّاء الحرب، وترى أنّه من الصعب إجراء مقارنة دقيقة بين مستوى الإنتاج قبل الحرب وبعدها، لأنّ عوامل كثيرة تداخلت، منها الواقعان الأمنيّ والمناخيّ وظروف الوصول إلى المنحلة.

وأدّت الغارات المتواصلة إلى صعوبة وصول النحّالين إلى مناحلهم، حيث تُرك عددٌ كبير منها في مكانها، ضاعف من ذلك واقع النزوح والغياب الطويل عنها. وعلى الرغم من ذلك فإنّ قلّة من النحّالين ساعدتهم الظروف على نقل مناحلهم إلى مناطق آمنة.

وفي هذا الإطار تشير عسّاف إلى أنّ: «المنحلة بقيت في مكانها خلال فترات الإخلاء والنزوح. كان القرار صعبًا، لأنّ ترك المنحلة من دون قدرة الوصول إليها أو متابعتها يعرّض الخلايا لمخاطر مختلفة».

الحرب تطيح بالموسم الربيعيّ

ينتظر النحّالون الموسم الربيعيّ بفارغ الصبر، كونه يشكّل المرحلة الأساس من نشاط النحل، حيث تتفتّح الأزهار وتتوافر مصادر الرحيق وحبوب اللقاح بكثرة.

النحّال عاصم حمزة (39 سنة) من بلدة الجميجمة (بنت جبيل)، يقول لـ«مناطق نت»: «خسرنا الموسم الربيعيّ هذا العام بسبب الحرب، ما أدّى إلى تراجع في إنتاج العسل». يُقدّر حمزة «تراجع الإنتاج عن السنوات السابقة بنحو 30 في المئة، دون أن تتأثّر جودة العسل» على حدّ قوله.

يعمل حمزة نحّالًا إلى جانب مهنته في الهندسة الطبّيّة، ويتحدّث عن خسائره خلال توسّع الحرب فيقول: «يتطلّب العمل جهودًا مستمرّة دون توقّف، لكنّ اندلاع حرب الإسناد في تشرين الثاني 2023 وما تلاها، أدّى إلى موت خلايا النحل بسبب صعوبة وصول النحّالين إلى مراعيها».

قفائر نحل تالفة جرّاء الحرب في زبقين
خسائر وتراجع الإنتاج الوطنيّ

وعلى الرغم من ظروف الحرب وتداعياتها الكارثيّة على القطاع، والتي شكّلت عاملًا أساسًا في تطوّر الأزمات التي يعاني منها قطاع النحل في لبنان، إلّا أنّه ومنذ العام 2006، يواجه هذا القطاع تهديدًا يطال استمراريّته.

في هذا الإطار يشير رئيس مزارعي ونحّالي لبنان المتجدد، علي شقير، لـ«مناطق نت» إلى دراسة أُجريت العام 2023 تُظهر أنّ لبنان ينتج قرابة 1350 طنّ عسل سنويًّا، فيما تشير التقديرات إلى أنّ الإنتاج تراجع إلى نحو 1200 طنّ. ويرى شقير أنّ القطاع كان يحتمل أن ينتج أكثر، لو أنّ الدولة قرّرت دعمه.

اليوم، تنقسم خسائر النحّالين إلى ثلاثة أقسام: جزء خسر 90 في المئة من مناحله، وجزء خسر 50 في المئة، أما الجزء الثالث، فتراوحت خسائره بين 20 غلى 30 في المئة.

الجدير ذكره أنّ عدد خلايا النحل في جنوب لبنان قبل الحرب قُدّر بنحو 100 ألف خلية، تمكّن أصحابها من إنقاذ ربعها، أيّ 25 ألف خليّة فقط.

مشكلات تتجاوز الحرب

يعمل عدد لا بأس به من الجنوبيّين في قطاع تربية النحل، فيما يستغلّ سائقو عربات النقل (ڤان) المهنة للحصول على رخص لشراء عربات نقل صغيرة، تحت عنوان «نحّال»، بسبب الشروط التي تضعها الدولة لامتلاك تلك الوسيلة، وبذلك يزداد عدد النحّالين غير العاملين في المهنة، بينما يبقى النحّالون العاملون يواجهون الإهمال والصعوبات دون دعم يُذكر.

وعلى رغم تطوّر قطاع النحل خلال السنوات التي سبقت الحرب، إلّا أنّ ذلك كان يسير وسط إهمال الوزارات وتجاهلها، وعدم معرفة البلديّات ومواكبتها هذا القطاع، إذ انعكس ذلك على أوضاع النحّالين، ضاعف ذلك عدم التزام بعض المزارعين بمواعيد رشّ المبيدات.

اليوم، يتطلّب العمل في إعادة انتظام القطاع في الجنوب، تضحية وخسارة موسم سنويّ وأكثر، ومع غياب التعويضات وإهمال الوزارات، سيبقى مستقبل النحّالين الجنوبيّين أمام معاناة طويلة الأمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى