“كابوس الميم” بغرب بعلبك (2): التعليم الخاص خارج قدرة الأسر

بعد أن أنهت نوف (اسم مستعار) تحضير حشوة الباذنجان الذي سلقته في الليلة السابقة، راحت تعيد حساب المصاريف المدرسيّة لابنها وابنتها. إنّها المرّة العاشرة التي تحسب فيها كلف التسجيل والقرطاسيّة، ثمّ الزيّ المدرسيّ وأجرة النقل، وقد تجاوزت ما تمّ إنفاقه في السنة الماضية ووصلت إلى ما يقارب 1500 دولار أمريكي.
التهم القلق أعصابها؛ فمن أين ستأتي بهذا المبلغ الكبير؟ دخل العائلة الوحيد يعتمد على المحصول الزراعيّ، وهو ليس دخلاً ثابتاً، كذلك يجب أن يكفي نفقات المؤونة والتعليم والمازوت. هذا أشبه بمعضلة نسبة إلى عائلة لديها صبيّ وفتاة في المرحلة الابتدائيّة. لم يجد الوالدان خياراً أمامهما سوى نقلهما من المدرسة الخاصّة إلى الرسميّة في البلدة. هذا هو القرار الأنسب إن كانا يريدان إكمال تعليم أولادهما.
قرار نوف وزوجها بات سبيلاً شبه وحيد للعائلات التي لا تتلقّى مدخولاً شهريّاً ثابتاً، أيّ التي تعمل في القطاع الزراعيّ والتجاريّ مثلاً، وهذا حال غالبيّة الأسر في قرى وبلدات غربيّ بعلبك.
باتت المدرسة الرسميّة هي خشبة النجاة الوحيدة لدى كثير من العائلات بعيد توسّع الحرب الإسرائيليّة الأخير، فيما حافظت الأسر التي تتلقّى دخلاً ثابتاً على إبقاء أبنائها في المدارس الخاصّة. فكيف تبدو النفقات المدرسيّة عشيّة بداية العام الدراسيّ؟ وكيف غيّرت الأزمة المعيشيّة قرارات الأسر في ما يخصّ التسجيل في المدارس الرسميّة أو الخاصّة؟ وما هي تحدّيات هذا الانتقال من القطاع الخاصّ إلى الرسميّ؟
كلف تتجاوز قدرة الأسر
في عمليّة حسابيّة بسيطة لمجمل الكلف المتوجّب دفعها لكلّ طالب أو طالبة يتمّ تسجيلهم في المدارس الخاصّة، يتبيّن أنّ قيمة الأقساط تراوح ما بين 1500 و2000 دولار كمعدل وسط لمجموع الأقساط عن العام الدراسيّ.
لا تقتصر كلف العام الدراسيّ للتلميذ على الأقساط فقط، بل تتخطّاها بكثير، وهي تبدأ باكراً مع شهر أيلول (سبتمبر) إذ على الأهل تأمين مبلغ يتراوح ما بين 200 و400 دولار عن كلّ ولد بدل رسوم تسجيل وحجز مقعد (يتغيّر المبلغ بناءً على الحلقة الدراسيّة)، على أن يُحسم المبلغ من القسط. لكن ما يلي ذلك المبلغ هو كلف إضافيّة على القسط تتوزّع بين 100 و200 دولار ثمناً للكتب، وبين 75 و100 دولار للقرطاسيّة، بالإضافة إلى الحقيبة التي يتراوح ثمنها بين 30 دولاراً و100 دولار. ويبقى النقل الذي يتأرجح بين 40 دولاراً و100 دولار شهريّاً وفقاً لموقع المدرسة وبُعدها عن بيت الطالب.
أمّا المدارس الرسميّة، فالتسجيل في الحلقتين الأولى والثانية مجّانيّ، حيث لا يتوجّب دفع أيّ مبالغ باستثناء 400 ألف ليرة لبنانية تذهب إلى مجلس الأهل، ويُخصّص غالباً للتدفئة. أمّا المرحلة الثانويّة، فيتوجّب دفع مبلغ 13 مليون و80 ألف ليرة للطالب/ة اللبناني/ة. كذلك بالنسبة إلى الكتب، فهي مجّانيّة، وفي كثير من الأحيان تتمّ استعارتها من الطلبة المترفّعين من سنة دراسيّة إلى أخرى، والحال ذاتها بالنسبة إلى الزيّ المدرسيّ، فهو مجّانيّ. أمّا كلفة القرطاسيّة والحقيبة، فتتراوح بين 40 إلى 80 دولاراً بحسب نوعيّة وكمّيّة القرطاسيّة المطلوبة والحلقة التعليميّة.

كلفة التعليم مقابل دخل الأسرة
بحساب بسيط لأسرة تعيش في غرب بعلبك، يبلغ دخلها الشهريّ 314 دولاراً، وهو الحدّ الأدنى للأجور (وفق المرسوم الحكوميّ رقم 699 الصادر في الـ18 من تموز/ يوليو 2025)، ولديها ثلاثة أولاد، فإنّ كلفة تعليمهم في القطاع الخاصّ ستبلغ نحو 4500 دولار سنويّاً، إذا افترضنا أنّ المعدّل الوسط لكلّ ولد هو 1500 دولار، في حين تبلغ كلفة الطلّاب الثلاثة مجتمعين في التعليم الرسميّ مبلغاً قدره 600 دولار.
في عمليّة حسابيّة لمقارنة مدخول الأسرة وفق الحدّ الأدنى للأجور مع كلف التعليم سواء في الخاصّ أو الرسميّ، يتبيّن أنّ العائلة تحتاج لرفع مدخولها إلى الضعف، أيّ إلى 200 في المئة من إجماليّ الدخل السنويّ لو أرادت تسجيلهم في مدرسة خاصّة، في حين تتراوح كلفات التعليم في المدرسة الرسميّة نحو 25 إلى 30 في المئة من دخل الأسرة ذاتها.
دخلٌ لا يكفي للتعلّم
وفقاً لتقرير نشرته إدارة الإحصاء المركزيّ ووزارة الماليّة، يبرز ارتفاع أسعار خدمات التعليم إلى أكثر من 50 ضعفاً منذ بدء الأزمة الاقتصاديّة. ويذكر التقرير أنّ قدرة الحكومة على دعم تعليم الأسر تراجعت مع انخفاض الإنفاق الحكوميّ على التعليم بنسبة 70 في المئة بين عاميّ 2019 و2025، إذ كان ملياراً و372 مليون دولار وتراجع إلى 408 ملايين دولار العام 2025.
كذلك يتناول تقرير إدارة الإحصاء المركزيّ ارتفاع مؤشّر أسعار المستهلك في محافظة البقاع بنسبة 1.38 في المئة في شهر آب (أغسطس) 2026 مقارنة مع شهر تموز من العام ذاته، بينما سجّل المؤشّر على المستوى الوطني 16.66 في المئة في شهر آب 2026.
على رغم أنّ هذه الأرقام لا تعكس بشكل مباشر كلفة التعليم، إلّا أنّها تقدّم مؤشراً على الضغوط الاقتصاديّة الصعبة التي تواجهها العائلات في هذه المنطقة خلال موسم المدارس. ومع ثبات الحدّ الأدنى للأجور عند 314 دولاراً (ما يعادل 28 مليون ليرة)، تصبح كلفة التعليم عبئاً إضافيّاً على دخل الأسر، في ظلّ تآكل قدرتها الشرائيّة. من هنا يأتي القرار بالتحوّل من التعليم الخاصّ إلى الرسميّ، على الرغم من الفجوة في جودة التعليم.
نزوح قسري نحو المدارس الرسميّة
النتيجة الطبيعيّة لتآكل قدرة الأسر على تسديد جميع المصاريف بشكل عادل ومتساوٍ بين الاحتياجات الأساسيّة، هي النزوح القسريّ من المدارس الخاصّة إلى الرسميّة، حيث إنّ كلفة المقعد الدراسيّ تتناسب إلى حدّ ما مع دخل الأسرة. وعلى الرغم من ذلك، فهناك كثير من الأسر ذات الدخل المحدود، أو التي ليس لها دخل ثابت، تواجه تحدّيات تعيق وصول الأطفال إلى حقّهم في التعليم بأمان وكرامة.
تقول والدة شمس، السيّدة هلا الحاج من بلدة شمسطار (بعلبك- الهرمل)، إنّ ابنتها كانت تدرس في مدرسة خاصّة في الضيعة. بلغت رسوم التسجيل في الصف الأوّل ما يقارب 800 دولار، بالإضافة إلى الزيّ والقرطاسيّة واللباس المدرسيّ، لترتفع الكلفة إلى 1000 دولار. عندما قرّرت تسجيل أخيها الأصغر في المدرسة ذاتها، طلبت حسماً للأخوة أو أيّ مساعدة من جمعيّة خيريّة، فكان الجواب قاطعاً بـ”لا”. ما كان أمامها من خيار إلّا بنقلهما إلى المدرسة الرسميّة، لأنّ الأقساط باتت خياليّة مقارنة بدخل زوجها المحدود.
تشير الحاج لـ”مناطق نت” إلى أنّ “المعاناة الكبرى كانت في تسجيل الطفل الأصغر أمير، ففي المدرسة الخاصّة يزيد قسط الروضة 100 دولار عن الابتدائيّ بحجّة توفير مساعدة للنظافة. لذا قرّرنا الانتقال إلى المدرسة الرسميّة، ولكنّ المفاجأة أنّه لا توجد روضة أولى، وهو أمر يخفّف على المدرسة مصاريف التعاقد مع معلّمات ومساعدات. جاء جواب المدير ببساطة: دعيه في المنزل هذه السنة، وفي العام الدراسيّ المقبل سجّليه في الروضة الثانية”.
هلا الحاج: الأزمة اكتملت عندما تحوّلنا إلى التعليم من بُعد، ما جعل متابعة الدراسة مهمّة صعبة نظراً إلى ضعف الإمكانيّات اللوجستيّة، كالإنترنتّ والكهرباء وأجهزة الهاتف والحاسوب.
أزمة القطاع الرسميّ
ساهم تردّي الأوضاع الاقتصاديّة وتراجع الإنفاق الحكوميّ في تفاقم أزمة قطاع التعليم الرسميّ اللبنانيّ. فعلى الرغم من تأمين مجّانيّة التعليم، إلّا أنّ إشكاليّة البيئة والمستوى التعليميّ بقيا موضع نقاش كبير يرجّح كفّة التعليم الخاصّ على الرسميّ.
تشير هلا الحاج إلى أنّ “المدرسة الرسميّة مجّانيّة، ويُعتبر ذلك على المستوى الاقتصاديّ جيّداً، لكنّ المعاناة لا تتوقّف هنا. الإضرابات، مثلاً، تُنهك العام الدراسيّ، فلا يستطيع الطلبة دراسة سوى ربع المنهاج الدراسيّ، بالإضافة إلى تقليص أيّام الدراسة إلى أربعة أو ثلاثة أيام فقط. كذلك الأمر بالنسبة إلى الكتب المجّانيّة، ففي العام الماضي، تأخّرت الوزارة في إرسالها شهراً من بداية العام الدراسي، ففتشنا عن طالب سابق لاستعارة كتبه”.
وتؤكّد الحاج أنّ “الأزمة اكتملت عندما تحوّلنا إلى التعليم من بُعد، ما جعل متابعة الدراسة مهمّة صعبة نظراً إلى ضعف الإمكانيّات اللوجستيّة، كالإنترنتّ والكهرباء وأجهزة الهاتف والحاسوب”.
المجالس التحكيميّة التربويّة
لا تنتهي “وجعة الرأس والجيبة” لدى أهالي الطلبة في قرى غرب بعلبك عند حدود الحسابات الماليّة. فعند طلب الإفادة المدرسيّة لإتمام عمليّة الانتقال من المدرسة الخاصّة إلى الرسميّة، ترفض إدارة المدارس الخاصّة تسليمها في حال وجود أقساط غير مسدّدة بالكامل.
من هنا، تبدأ رحلة شقاء أخرى تضاف إلى سابقاتها، حيث ينشأ نزاع إداريّ وماليّ يرهن المصير التعليميّ للطالب أو الطالبة، إذ من دون تلك الإفادة، لا يمكن إتّمام عمليّة التسجيل في المدرسة الرسميّة.
في هذا السياق، تكشف رئيسة قلم المجلس التحكيميّ التربويّ في زحلة، الأكّاديميّة غادة عقل حميّة، أنّ المجلس تسلّم ما يقارب 275 دعوى منذ أن فتح باب تقديم طلبات الاسترحام قبل أشهر قليلة فقط. وتوضح حميّة أنّ كلّ دعوى مرفوعة تشمل أكثر من طفل داخل العائلة الواحدة (تصل في بعض الحالات إلى ستّة أطفال)، يسعى أهاليهم إلى نقلهم قسراً من المدارس الخاصّة إلى الرسميّة لعدم قدرتهم على تسديد الأقساط.
500 دعوى مسجّلة
تضيف حميّة أنّ هذه الأرقام تتكرّر في كلّ سنة، إذ بلغت الدعاوى المسجّلة في العام الماضي 500 دعوى، فيما تجاوزت في العام الذي سبقه 700 دعوى، مشيرة إلى أنّ أرباب الأسر العاملين خارج القطاع العسكريّ (الذين يفتقرون إلى التقديمات المدرسيّة) يشكّلون النسبة الأكبر من المتقاضين.
وعن دور المجلس في فضّ النزاع، توضح حميّة أنّ الآليّة تعتمد على الاستدعاء إلى جلسة تسوية، يتعهّد فيها أولياء الأمور بتقسيط المبالغ المستحقّة عبر جدول زمنيّ متّفق عليه، أو وفق آليّة محدّدة لتسديد المبلغ المستحقّ، مقابل تعهّد إدارة المدرسة بتسليم الإفادة فوراً، ضماناً لمستقبل الطالب أو الطالبة التعليميّ.
كلفة لا تُحتمل لخيارات محدودة
في نهاية كلّ عام دراسيّ، تحسب العائلات في قرى غربيّ بعلبك كلفة الأقساط والكتب والقرطاسيّة، كذلك تحسب ما تستطيع عائلتها التخلّي عنه لتبقي أبناءها على مقاعد الدراسة. بالنسبة إلى هذه العائلات، فإنّ الانتقال إلى المدرسة الرسميّة ليس خياراً تربويّاً بقدر ما هو استجابة لدخل لم يعد يكفي متطلبات الحياة الأساسيّة.
هنا، تتراجع قدرة الأسر على تحمّل كلفة التعليم الخاصّ، فيما لا يزال التعليم الرسميّ يعاني من تحدّياته الخاصّة. وبين كلفة لا تستطيع العائلات دفعها ومدرسة رسميّة لا تملك دائماً الإمكانات الكافية، يجد الأهالي أنفسهم أمام معادلة صعبة: كيف يضمنون لأبنائهم حقّهم في التعليم، من دون أن يتحوّل هذا الحقّ إلى عبء يفوق قدرتهم على الاحتمال؟



