زيتون الجنوب تحت الاحتلال.. موسمٌ تأكله الشمس والنيران

في مثل هذا الوقت من كلّ عام، يبدأ موسم قطاف الزيتون كطقس بديهيّ. تفتح معاصر الزيت، يتهافت الناس إلى الحقول، يفترشون كعب الشجرة، يهزّون أغصانها فتتساقط حبّات الزيتون، لتبدأ بعدها أصوات المكابس والعصر تحضيراً لمؤونة الشتاء.
لكن، بالنسبة إلى أهالي القرى الحدوديّة التي تقع ضمن نطاق ما يسمّى بـ”الخطّ الأصفر”، فإنّ ما كان يُعدّ ثابتاً لم يعد ممكناً اليوم بعد الحرب الإسرائيليّة الممتدّة منذ قرابة ثلاثة أعوام، وما نتج عنها من احتلال وتدمير، وسرقة للزيتون المعمّر، وإحراق الحقول بالفوسفور. حُرم أهالي هذه القرى من العودة إلى منازلهم، ولم يعد موسم قطاف الزيتون مجرّد مرآة تعكس التداعيات الكارثيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بل تحوّل إلى نكبة وحسرة تعصر قلوب المزارعين الذين فقدوا أرزاقهم وأماكنهم.
كيف يستقبل أهالي قرى الجنوب الحدوديّة وبخاصّة تلك التي تقع شمال نهر الليطاني في قضاء النبطيّة، موسم قطاف الزيتون هذا العام؟ وما هي أبرز التحدّيات التي يواجهها المزارعون ممّن يعتمدون كلّيّاً على هذا المحصول؟
خسارة الزيتون كخسارة البيت
تختصر تجربة المزارع نوفل علّيق مأساة بلدة يحمر الشقيف (قضاء النبطيّة) التي تقع اليوم تحت الاحتلال الإسرائيليّ الذي يحرم أهاليها من العودة إليها. يروي نوفل كيف تشكّل هذه البلدة مجتمعاً زراعيّاً كاملاً قائماً على الزيتون، إذ يُقدّر عدد أشجار الزيتون فيها بنحو 15 ألف شجرة، بينها أشجار يصل عمرها إلى 120 سنة، وتغطّي هذه الزراعة نحو 80 في المئة من أراضيها.
يوضح علّيق أنّه يعتمد على الزيتون كمصدر أوّل وأخير للعيش، فهو يمتلك 100 شجرة يتجاوز عمرها 40 عاماً. لكنّ النزوح المستمرّ أدّى إلى إلحاق ضربة اقتصاديّة قاسية جدّاً لم يسبق لها مثيل مقارنة بالأزمات والحروب السابقة. يعبّر عليق عن هذه الخسارة قائلاً: “إنّ الزيتون بالنسبة إليّ كالإنسان تماماً. كلّما اعتنيت به أعطاك من خيره، وإهماله أو تركه يجعله أشبه بالشخص المشرّد والتائه دون وجهة”.
يشير علّيق إلى أنّ خسارة الزيتون توازي لديه خسارة البيت، لأنّ الزيتون كما البيت على حدّ قوله هو الملك، وهما يختصران بعضهما بعض سنين حياته التي نسفتها إسرائيل في لحظات. “على رغم افتقادنا قبل الحرب لمقوّمات كثيرة منها القدرة على الريّ، إلاّ أنّ ما نفتقده اليوم لا يمكن تحديده بعد حرق واقتلاع شجر الزيتون”، يقول علّيق لـ”مناطق نت”. ويردف “أشعر بأنّني عدت إلى الوراء كثيراً، إلى نقطة الصفر التي وضعتني أمام تحدّيات وصعوبات تحتاج 60 عاماً لتجاوزها”.
تعب السنين حُرق بلحظات
يوضح علّيق أنّ نسبة الأضرار في أراضي يحمر بلغت 70 في المئة نتيجة استخدام الفوسفور والنيترات التي أحرقت الأراضي ولوّثت التربة، إلى جانب تدمير شبكات الريّ.
بناءً على ذلك، تحتاج شجرة الزيتون من ثلاث سنوات إلى خمس لإعادة الإنتاج في حال وصول الحريق إلى الجذع، ما يتطلّب مساراً يبدأ بفحص التربة للتأكّد من صلاحيّتها عقب توقّف العمليّات العسكريّة.
في الإطار نفسه، يتحدّث علّيق بحسرة عن أهالي يحمر العاجزين عن تحديد حجم خسائرهم الفعليّة في ظلّ الدمار والنزوح الذي كبّدهم مبالغ باهظة من دون بيوت تؤويهم أو أدنى حدّ من الاهتمام. ويؤكّد أنّ “إزالة الركام – في حال انتهاء الحرب- ربّما تستغرق ستّة أشهر، والتعافي يحتاج إلى خمس سنوات، بينما ترميم البلدة القديمة والمواقع الأثريّة والزيتون، فيحتاج إلى سبع سنوات في الأقلّ”.
ويختم علّيق حديثه قائلاً: “لا شيء يمكن تعويضه، والنكبة حلّت بنا. ما أريده اليوم هو الانسحاب الإسرائيليّ كي نعود إلى قرانا ونقدّر خسائرنا، كذلك على المؤسّسات الزراعيّة تقديم دعم حقيقيّ ومباشر لمزارعي الجنوب الذين خسروا تعب السنين في لحظات”.

شجر الزيتون في أرنون
على بعد ثلاثة كيلومترات من وسط يحمر الشقيف شمالاً، تتّصل المأساة نفسها في بلدة أرنون المجاورة، لتكشف حجم النكبة التي لحقت بقطاع الزيتون في تلك القرى. هناك، يعيش المزارع علي حكمات عجمي تفاصيل أزمة تعمّقها حالة النزوح المستمر.
يرى عجمي أنّ التحدّي الأقسى يبدأ من مواجهة المزارع لنفسه في الشتات من دون أمل واضح بالعودة. يقول لـ”مناطق نت”: “اضطررت أنا وزوجتي إلى تحمّل تبعات النزوح على مدار عامين في ظلّ غياب أيّ دعم جدّي، وهو ما يشعرني بأنّني أصل إلى شفير الهاوية”. ويشير إلى أنّ حياته توقّفت بالكامل لكونه يعتمد حصراً على زراعة الزيتون، فهو يمتلك 2000 شجرة توقفت عن الإنتاج بالكامل، ما رتّب عليه التزامات ماليّة ودفعات شهريّة تراكمت من دون وجود أيّ مُعين.
وعن عادات العمل التي سبقت الحرب، يستحضر عجمي التجهيزات التي كانت تبدأ قبل موسم القطاف بشهر كامل؛ حيث ينصرف الأهالي إلى تجهيز الآلات والعمالة وبراميل الزيت، وينظّفون الأرض تحت الأشجار إلى جانب عمليّات الرشّ المتتابعة. وعن ذلك يقول: “أكثر ما أفتقده اليوم هو الأوقات التي نتحضّر لها كي نقطف الزيتون. موسمه يعني لنا كثيراً، وهو بالنسبة إلينا كوسام شرف”.
سبع سنوات للإنتاج
في ما يخصّ حجم الخسارة التي تعرّض لها، يوضح أنّه كان ينتج سنويّاً ما يقارب 100 طنّ من الزيتون، إذ ينتج كلّ طن واحد ما بين 16 إلى 17 تنكة زيت، وكان يصدّر جزءاً منه إلى الخارج. يقول عجمي: “خسرت حتّى الآن عامين كاملين من الإنتاج والعمل، ونحن اليوم نعيش تحدّيات صعبة بعد إحراق الزيتون”. ويؤكّد عجمي أنّ شجرة الزيتون إذا أعيد غرسها اليوم تحتاج إلى ستّ سنوات للإنتاج، وإلى سبع سنوات في الأقلّ كي تعطي كمّيّات وفيرة من الزيتون.
ينهي عجمي حديثه فيقول: “نحن كمزارعين لا نبحث عن مساعدات موقّتة، بل نطالب بحلول جذريّة، وننتظر بفارغ الصبر عودتنا إلى قرانا للوقوف على ما تبقّى من هذا الرزق الذي كان دخلنا الوحيد والمصدر الأساس لاستمرارنا”.
زوطر الشرقيّة نهبت وأحرقت
يتّسع نطاق الأزمة ليطال بلدات عدّة، من بينها بلدة زوطر الشرقيّة (النبطية)، التي تشكّل تاريخاً وموروثاً زراعيّاً امتدّ إلى عقود قبل أن تتحوّل هي الأخرى إلى منطقة محتلّة عقب الاجتياح الإسرائيليّ الأخير، ما أدّى إلى حرق حقولها وسرقة زيتونها وحرم أهلها من العودة.
يمتلك المزارع عماد جابر 600 دونم من أراضي الزيتون في بلدة زوطر الشرقيّة، يستهلّ حديثه لـ”مناطق نت” قائلاً: “أكثر ما أحزنني هو سرقة الجيش الإسرائيليّ ما يقارب 600 زيتونة معمّرة يصل عمرها إلى 200 سنة، إسرائيل لا تهدم قرانا وبيوتنا فقط، بل تسرق وتستبيح تاريخنا”.
يوضح جابر أنّ “زوطر الشرقيّة في أراضيها ما يقارب 15 ألف شجرة زيتون، تنتمي إلى الصنف البلديّ المعروف بجودة ثماره وكثافة زيته عالي الجودة، وأنّ الزيتون يشكّل ركناً أساساً في الاقتصاد المحلّيّ وهويّة المنطقة”. ويضيف جابر: “يمثّل الزيتون بالنسبة إليّ ولأهل الجنوب الأرض والثبات والتجذّر. لا يقلّ الزيتون أهمّيّة عن البيوت المدمّرة. لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار حجم الخسائر التي مُني بها المزارع الجنوبيّ ولبنان عموماً، فالزيتون كان له دور في تحريك عجلة الاقتصاد اللبنانيّ، ونحن نفتخر به”.
ويؤكّد جابر مع عمليّات اقتلاع الزيتون وإحراق الحقول، إضافة إلى انسداد الأفق في موعد العودة إلى القرى، وهو ما فرض مخاوف جديدة على المزارعين “أننا نخاف كثيراً، لأنّنا بالفعل بدأنا نعتاد على حياة النزوح وكأنّنا لن نعود. أعتقد أنّنا لن نعود في القريب العاجل، وهذا ما يرتّب علينا تحدّيات بدأنا نكتشف تدريجاً مدى صعوبتها وقساوتها”. ويختم جابر حديثه موضحاً أنّ مزارعي زوطر الشرقيّة، أسوة بباقي القرى، ينتظرون الانسحاب الإسرائيليّ لمعاينة الأضرار وتلقّي الدعم اللازم لتعويض أرزاقهم التي فقدوها.
زهراء عبدالله من بلدة الخيام: كنت أحبّ تناول مناقيش الزعتر (الصعتر) تحت الزيتونة.
خسارة الزيتون والطقوس العائلية
لا تقتصر خسارة موسم قطاف الزيتون على كبار المزارعين أو من يعتمدون عليه كمصدر أساس للدخل، بل طالت كلّ جنوبي حُرم هذا العام من زيارة أشجار قريته.
على سبيل المثال، زهراء عبدالله من بلدة الخيام الحدوديّة (مرجعيون)، والتي على الرغم من أنّها ولدت في بيروت وعاشت فيها طوال حياتها، إلاّ أنّها تلمس، كبقيّة أهالي الجنوب، معنى انعدام القدرة على الوصول إلى الأراضي وقطف الزيتون.
تمتدّ الخسارة في تجربتها لتطال التفاصيل البسيطة التي شكّلت الذاكرة الجمعيّة للعائلات الجنوبيّة. تقول عبدالله في حديثها لـ”مناطق نت”: “عندما كنت أصغر سنّاً، ومع بداية موسم قطاف الزيتون، كانت عائلتي تزور القرية خلال العطلة الأسبوعيّة لمساعدة جدّي وجدّتي في قطاف الزيتون. كانت تلك من أمتع ذكرياتي في بلدتي”.
30 زيتونة تجمع العائلة
على رغم أنّ جدّيها يمتلكان أرضاً متوسّطة، تضمّ 30 زيتونة فقط، إلاّ أنّ ما فقدته هو الرابط الجماعيّ الذي كان يكرّسه موسم قطاف الزيتون كلّ عام. تضيف عبدالله: “كنت أنتظر هذا الموسم كي ألتقي بأبناء البلدة في الحقول”.
كذلك تستحضر عبدالله الطقوس العائليّة البسيطة فتتذكّر “كيف تبدأ زحمة الناس والسيارات المتّجهة إلى حقول الزيتون صباحاً. كنت أحبّ تناول مناقيش الزعتر (الصعتر) تحت الزيتونة”.
يتحوّل الزيتون بنظر زهراء إلى رمز للصمود والتحدّي، ولا سيّما عندما تصف شعورها بقرب الاحتلال الإسرائيليّ “لم يكن وجودهم يخيفنا أبداً، بل يعزّز في دواخلنا شعور القوّة والتعلّق بهذه الأرض أكثر”. وتشير أخيراً إلى أنّ ما تتمنّاه هو قدرة جدّها وجدّتها على العودة إلى منزلهما وأرضهما وعودة أهالي الجنوب، “إنّ الحرب جعلت من موسم قطاف الزيتون موسم حسرة ونكبة تعصر قلوب الجنوبيّين”.
خسارة تتجاوز الزيت والزيتون
بالنسبة إلى المزارعين وجميع أهالي القرى الجنوبيّة التي باتت محتلّة، فإنّ شجرة الزيتون تجسيدٌ لسنوات أو عقود طويلة من العمل والرعاية، وأرض توارثوها، وطقوس عائليّة واجتماعيّة ارتبطت بها. وبينما تحتاج الأشجار التي أُحرقت أو اقتُلعت إلى سنوات كي تستعيد قدرتها على الإنتاج، يحتاج أصحابها أوّلاً للعودة إلى أراضيهم حتّى يتمكّنوا من معرفة ما يمكن إنقاذه.
ويبقى موسم القطاف هذا العام شاهداً على خسارة تتجاوز الزيت والزيتون: خسارة علاقة يوميّة بالأرض، وذاكرة عائليّة، ومصدر رزق كان يشكّل جزءاً من حياة قرى بأكملها. وفي انتظار أن تتاح لهم العودة، يبقى المزارعون والأهالي أمام موسم لا يقطفون فيه ثمار أشجارهم المتروكة للنيران وحرارة الشمس ويحصون ما خسرته سنواتهم.



