البدّاوي في مواجهة مطمر النفايات: حلّ أزمة طرابلس أم ترحيلها؟

بمكبّرات صوت مثبّتة فوق باص صغير، يجوب عيسى نعمان شوارع البدّاوي داعياً أبناء بلدته إلى الاعتصام في ساحتها. دعوةٌ تختصر غضب بلدة تخشى أن تتحوّل أرضها إلى مكبّ جديد لنفايات طرابلس، في أزمة لم تبدأ مع تكدّس الأكياس في الشوارع، بل مع اقتراب المطمر الحاليّ من استنفاد قدرته الاستيعابيّة، قبل تأمين بديل مستدام.
تستقبل مدينة طرابلس يوميّاً نحو 400 طنّ من النفايات، بينها أكثر من 100 طنّ من خارج القضاء، وفق الأرقام المتداولة في ملفّ الأزمة. ومع تخمة المطمر وتوقّف استقبال النفايات، ظهرت أكياس في الشوارع، ووجدت المدينة نفسها أمام أزمة صحّيّة وبيئيّة تتجاوز قدرة الحلول الموقّتة على احتوائها.
في مواجهة هذا الواقع، تعدّدت المقترحات بين تمديد استخدام المطمر الحاليّ، ونقل النفايات إلى مطمر سرار في عكّار، وإنشاء محرقة، أو تجهيز موقع بديل للطمر. لكنّ الخيارات اصطدمت بعوائق فنّيّة وماليّة واعتراضات محلّيّة، فيما بقيت النفايات تتراكم، وبقي السؤال الأساس بلا إجابة نهائيّة: أين ستذهب نفايات طرابلس، وكيف ستُدار الأزمة على المدى الطويل؟
من المطمر إلى أرض البدّاوي
في 31 تمّوز (يوليو) الماضي، أعلن رئيس اتّحاد بلديّات الفيحاء وائل زمرلي، عقب لقائه رئيس الحكومة نوّاف سلام، أنّ المطمر الحاليّ يقترب من بلوغ قدرته الاستيعابيّة، متحدّثاً عن مرحلة انتقاليّة تقارب عاماً ونصف العام، يعقبها تشغيل معمل لفرز النفايات ومعالجتها، مع طمر نحو 20 في المئة منها وفق المعايير الصحّيّة المعتمدة.
لكنّ التطورات اللاحقة أظهرت أنّ الانتقال من المقترحات إلى التنفيذ لم يكن بالسهولة المعلنة. ففي الثاني من تشرين الأوّل (أكتوبر) الجاري، حذّر مجلس الإنماء والإعمار من مخاطر الاستمرار في استخدام المطمر بعد استنفاد قدرته الاستيعابيّة، في وقت دفعت الأزمة المتفاقمة السلطات المحلّيّة والحكومة إلى تكثيف البحث عن حلول عاجلة.
في هذا السياق، برزت أرض في النطاق الجغرافيّ لبلدة البدّاوي، تملكها بلديّة طرابلس، بوصفها موقعاً مقترحاً لإنشاء مطمر. ووفق المعطيات التي رافقت النقاش المحلّيّ، يقوم التصوّر على تأمين مهلة انتقاليّة لمعالجة الأزمة الحاليّة، بالتوازي مع تجهيز موقع بديل والعمل على إعادة تأهيل معمل معالجة النفايات.
غير أنّ هذا المسار أثار اعتراضاً واسعاً في البدّاوي، إذ اعتبر الأهالي أنّ اتّخاذ قرار يمسّ أرض البلدة وبيئتها لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن بلديّتها وسكّانها، بخاصّة في ظلّ غياب عرض علنيّ واضح للدراسات البيئيّة والصحّيّة والتفاصيل التنفيذيّة للمشروع. ويكتسب هذا الاعتراض أهمّيّة إضافيّة لأنّ البلدة لا تواجه، في نظر أبنائها، مشكلة مطمر وحسب، بل تشعر في أنّها تُحمّل أعباء بيئيّة جديدة قبل أن تنال نصيبها من التنمية والخدمات وفرص العمل.

خشية على بقيّة بيئتها
تمتدّ البدّاوي من الساحل إلى الداخل، وتضمّ مساحات زراعيّة واسعة ومعالم تاريخيّة وأثريّة، إلى جانب أحياء سكنيّة ومدارس ومؤسّسات تربويّة. ووفق معطيات محلّيّة أُثيرت خلال الاعتراض، لا تبعد مدرسة البدّاوي الرسميّة الأولى للبنات سوى 150 متراً عن الموقع المقترح، وهي مسافة تستدعي التحقّق الهندسيّ والميدانيّ، ودراسة المخاطر المحتملة، قبل اتّخاذ أيّ قرار تنفيذيّ.
وفي بلدة يشكو أبناؤها من محدوديّة المشاريع الإنمائيّة، لا يُقرأ مشروع المطمر باعتباره إجراءً تقنيّاً منفصلاً عن واقعها الاجتماعيّ والاقتصاديّ. فالسكّان الذين يطالبون بتحسين مدارسهم، وحماية زراعتهم، والحفاظ على معالم منطقتهم الأثريّة، وتأمين فرص عمل لأبنائهم، يخشون أن يتحوّل القرب من طرابلس إلى سبب لتحمّل أعباء أزمة المدينة، لا للاستفادة من فرصها التنمويّة.
خلال الاعتصام، عبّر أحمد، أحد أبناء البلدة، عن هذا الشعور في الغبن، قائلاً: “إنّ السلطات لم تهتمّ بما يكفي في المواقع الأثريّة أو بتحسين واقع المدارس والزراعة، ولم تؤمّن فرص عمل كافية، قبل أن يأتي قرار المطمر” الذي يراه تهديداً إضافيّاً لبيئة البلدة ومستقبلها.
حقّ المجتمعات بالقرار
وفي موقف يعكس اتّساع الاعتراض، أعلن رئيس بلديّة البدّاوي حسن غمراوي رفضه للقرار، مؤكّداً استعداده لمواجهته، ومشيراً إلى أنّ المعنيّين اتّخذوا القرار من دون الرجوع إليه، خلال وجوده في المستشفى. كذلك صدرت مواقف عن مخاتير وأساتذة وشخصيّات ثقافيّة ودينيّة في البلدة ترفض المشروع بصيغته المطروحة.
هكذا، لم يعد الاعتراض محصوراً في موقع جغرافيّ أو إجراء إداريّ، بل بات مرتبطاً بسؤال أوسع عن حقّ المجتمعات المحلّيّة بالمشاركة في القرارات التي تمسّ صحتّها وبيئتها، وعن المعايير التي تُعتمد عند توزيع الأعباء بين المناطق.
لم يعد الاعتراض محصوراً في موقع جغرافيّ أو إجراء إداريّ، بل بات مرتبطاً بسؤال أوسع عن حقّ المجتمعات المحلّيّة بالمشاركة في القرارات التي تمسّ صحتّها وبيئتها، وعن المعايير التي تُعتمد عند توزيع الأعباء بين المناطق.
من ناحيتها تقول الناشطة البيئية في طرابلس والمنية ناريمان شمعة إنّ سياسة المطامر تُطرح باستمرار بوصفها حلاً لأزمة النفايات، فيما تعاني المناطق من تداعياتها منذ سنوات. تتابع لـ “مناطق نت” أنّ “هذا التخبط في القرارات يجري من دون دراسات بيئية”، مشيرةً إلى أنّ “الدراسات التي تُنجز لا تستوفي المعايير البيئية المطلوبة”، وتفتقر، بحسب قولها، إلى النزاهة.
دفاع عن الحلّ الانتقاليّ
في المقابل، يطرح رئيس اتّحاد بلديّات الفيحاء وائل زمرلي مقاربة تقوم على معالجة الأزمة على مراحل، تبدأ بتأمين حلّ عاجل يمنع عودة النفايات إلى الشوارع، ولا تنتهي عند إنشاء موقع للطمر. وفي تصريحاته الرسميّة السابقة، شدّد زمرلي على أنّ المرحلة الانتقاليّة ينبغي أن تترافق مع تجهيز معمل للفرز والمعالجة، بحيث يُحصر الطمر بالكميات المتبقّية التي لا يمكن استردادها أو معالجتها. كذلك أشار إلى ضرورة استيفاء الشروط الفنّيّة والبيئيّة والرقابيّة، محذّراً من التسرّع في اعتماد المحارق قبل تأمين متطلّبات تشغيلها وإدارتها بصورة سليمة.
تطرح هذه المقاربة سؤالاً مشروعاً: هل تكفي الإجراءات الانتقاليّة لتفادي أزمة جديدة، أم أنّ نجاحها يبقى رهناً بإنجاز المعمل والبدائل ضمن مهل واضحة؟
فالطمر الصحي، من الناحية التقنيّة، ليس مرادفاً للمكبّ العشوائيّ؛ إذ يتطلّب تصميماً هندسيّاً ملائماً، وعزلاً مناسباً، وإدارة للعصارة والغازات، ومراقبة مستمرّة للمياه والتربة، إلى جانب خطّة تشغيل وإقفال ومعالجة لاحقة للموقع. لكنّ وصف المشروع بأنّه صحّيّ لا يغني عن نشر الدراسات التي تثبت ملاءمة الموقع، ولا عن التحقّق من قدرته على حماية السكّان والبيئة المحيطة.
كذلك، فإنّ إعادة تأهيل معمل المعالجة لا تشكّل حلّاً قائماً بذاته ما لم تُحدَّد مهل التنفيذ والتمويل والقدرة التشغيليّة، وما لم تترافق مع منظومة فعليّة للفرز من المصدر والتدوير وتقليل النفايات التي تنتهي في المطامر.
نقل النفايات تُحلّ الأزمة؟
المفارقة أنّ طرابلس والبدّاوي تواجهان، كلٌّ من موقعها، نتيجة الخلل نفسه: غياب حلّ مستدام يسبق امتلاء المطامر، لا يأتي بعده. طرابلس تحتاج إلى وقف تراكم النفايات في شوارعها، والبدّاوي تحتاج إلى ضمانات تمنع أن يتحوّل موقعها إلى حلّ موقت تتجدّد معه المخاطر بعد سنوات.
في الـ13 من تشرين الأوّل (أكتوبر) الجاري، عُقد اجتماع في السراي الحكوميّ لمتابعة ملف النفايات في طرابلس، بمشاركة المسؤولين المحلّيّين والمعنيّين بالقطاع. لكنّ البيان الرسميّ المنشور بعد الاجتماع لم يقدّم وحده تفاصيل تنفيذيّة كافية لحسم جميع الأسئلة المتعلّقة بموقع البدّاوي، وهو ما يجعل نشر القرار التفصيليّ والدراسات المرتبطة به ضرورةً لإزالة الالتباس.
في ساحة البدّاوي، يرفع الأهالي أصواتهم خوفاً على صحّتهم ومستقبل أبنائهم. وفي شوارع طرابلس، ينتظر الناس نهاية مشهد النفايات المتراكمة. وبين الصوتين، لا يكفي قرار يرحّل المشكلة من مكان إلى آخر؛ المطلوب حلّ يضع حداً لتكرارها، ويثبت أنّ كرامة الناس وصحّتهم ليستا تفصيلاً مؤجّلاً في حسابات إدارة النفايات.



