زينب حازر كتبت “إلى يوسف” حكايات الأرض والنهر والغياب

في روايتها “إلى يوسف”، تكتب زينب حازر من فلوريدا (في الولايات المتحدة الأميركية)، حيث تعمل في الصيدلة، وتراقب عالماً آخر، بأدويته ومواعيده الدقيقة وحياته المنظّمة. هناك، أمام رفوف العقاقير، يرافقها سؤال عن دواء الروح. وما إن تنتهي ساعات العمل حتى تستعيد بلدتها أنصار سلطتها على الحواس.

يأتي البيت، ثمّ الحارة، ثمّ المدرسة، ثمّ النهر، ويوسف؛ شقيقها الذي سبقها إلى الحياة بعامين، وشاركها مقاعد الدراسة وألعاب الطفولة، قبل أن يصير رجلاً وزوجاً وأباً لثلاثة أبناء، ثمّ يغيب في حرب العام 2024، شهيداً على أرض بلدته.

لكنّ يوسف، على الرغم من حضوره في عنوان الكتاب وإهدائه، لا يستأثر بالصفحات كلّها. تترك له شقيقته أن يتحرّك داخل القرية التي صنعته، بين أقربائه وأصدقائه، فيبدو غيابه في نهاية الرحلة أشدّ وقعاً. إنّها تستعيد العالم الذي كان يعيش فيه، وتمنحنا فرصة التعرف إلى الرجل من خلال الأشياء التي أحبّها، والأماكن التي عبرها، والناس ممّن تشارك معهم الخبز واللعب والعمل.

الإسكافيّ وبائع الدجاج

في ساحة “أبي أديب”، على الطريق العام في أنصار، كان الإسكافيّ “أبو مصطفى” يجلس في دكّان صغير، محاطاً بالأحذية والحقائب المدرسيّة والسيور المقطوعة (الأحزمة). كانت رائحة الغراء تختلط بالجلد القديم، وتتحرّك الإبرة الغليظة بين أصابعه لتعيد إلى الحذاء قدرته على مرافقة صاحبه، وإلى الحقيبة المدرسيّة احتمال فصل آخر من الكتب والدفاتر والمشاوير. أبو مصطفى، زوج عمّة الكاتبة جميلة، واحد من أولئك الرجال الذين منحوا القرية وجهها اليوميّ، من دون أن يفكّروا يوماً  في أنّهم يصنعون تاريخاً يستحقّ الكتابة.

في الدكّان المجاور، كان دكّان “القاضي”، بائع الدجاج، يضع الطيور في آلة نتف الريش. وبين الرجلين، كانت الطفلة زينب تراقب مشهدين متجاورين: إسكافيّاً يصلح الجلد كي يعود إلى الطريق، وبائعاً يهيئ جلداً غادرته الحياة ليذهب إلى المطبخ. مشهد عابر، لكنّه يمتلك تلك القدرة النادرة على اختصار عالم كامل داخل بضعة أمتار. وربّما تكمن إحدى فضائل “إلى يوسف” في إنقاذ مثل هذه المشاهد من المصير الذي ينتظرها عادة: أن تموت مع أصحابها، وأن تختفي الدكاكين، وأن ينسى الناس أسماء الذين كانوا يعرفون كيف يرمّمون الأشياء.

ساحة أنصار القديمة
حليب القطيع وحكايات الجد

قرب البيت كان المشتى، حيث الماعز والخراف والتيوس، وحيث الجدّ “أبو علي”، أحد رعيان أنصار المعروفين، يخرج إلى الحقول التي يعرفها بقدميه، بعد أن عمل في شبابه ناطوراً لها. أمّا الجدّة، الحاجّة ظريفة، فكانت تتحرّك عند العصر بين الدلاء والأوعية، بمنديلها الأبيض وظهرها المنحني، مستعدّة لحلب الماعز والخراف. يصل أصحاب الدلاء تباعاً، وينتظر كلّ بيت حصّته من الحليب الدافئ، بينما تخوض الجدّة مناوشاتها اليوميّة مع الدجاجات التي تتصرّف وكأنّ الساحة ملك خاصّ لها.

للحليب هنا رائحة العشب وجسم الحيوان وحرارة اليد. وللجدّ حكايات تبدأ باسم رجل، ثمّ تتشعّب إلى حقل وخصومة ومصالحة ونكتة قديمة. وفي المشتى ثمّة كلب أشقر اسمه “بطّاح”، وأطفال يركضون بين الحيوانات، وجدّة تخبز على التنّور الملاصق للبيت. إنّها تفاصيل شديدة التواضع، لكنّها تستعيد مجتمعاً كانت فيه العلاقة بين الإنسان والطعام والأرض علاقة مباشرة من دون فواصل، وكانت المائدة تعرف الأيدي التي أنتجت معظم ما عليها.

حبّات نسيها القطاف

ومن أجمل صفحات الكتاب تلك التي تتناول “البعْوَرَة”، وهي عادة التقاط ما بقي من الزيتون بعد انتهاء القطاف. تذهب زينب ويوسف وأبناء الخال والخالة إلى أودية أنصار، يفتّشون بين الأعشاب والحجارة وتحت الأغصان عن حبّات أفلتت من أيدي القاطفين. ينتهي الموسم الكبير، وتبدأ مغامرة صغيرة لا تحتاج إلى شيء سوى كيس وصبر وعينين تعرفان أين تختبئ الثمار.

في البعورة جانب اجتماعيّ بالغ الدلالة. فبعد أن يأخذ أصحاب الأرض محصولهم، يصبح ما تبقّى مجالاً لانتفاع آخرين، وفق عرف قرويّ تدركه الذاكرة الزراعّية. ثمّة امرأة تجمع ما يكفي لزيت بيتها، وصبيّ يريد أن يعود بغنيمة صغيرة، وعابر يجد في الحبّات المنسيّة رزقاً يستحقّ الانحناء. هكذا تتكشّف أخلاق قديمة للاقتصاد اليوميّ، تقوم على قيمة البقيّة وعلى معرفة أنّ القليل، إذا جُمع بصبر، يستطيع أن يصير شيئاً ثميناً.

المرحوم أبو صالج حازر يقود قطيعه إلى المراعي
نساء التبغ وذاكرة البيوت

وفي حكاية أخرى، تعود زينب إلى أمّها العاملة في حقول التبغ. كانت الأمّ تحمل طفلتها الرضيعة إلى الحقل، ثمّ تضعها في موضع خشبيّ مرتفع، قريب من عينيها وبعيد من حرارة التراب وما يتحرّك بين الأعشاب. صورة أمّ تنحني فوق شتلات التبغ، وترفع نظرها بين وقت وآخر لتطمئنّ إلى طفلتها. هنا تخرج القرية من صورتها الرومانسيّة المألوفة؛ فالحنان يتجاور مع المشقّة، والأمومة مع العمل الزراعيّ، والطفولة مع تعب النساء الذي كان يضمن استمرار البيوت.

وتتّسع الحكايات لأمّ صالح التي تحبّ التين على رغم تحذيرات أبنائها بسبب مرض السكّريّ، وتعرف الرقى والأمثال وأبيات الشعر؛ ولحبيب المصريّ الذي كان يؤذّن بصوته الخاصّ، ويكتب بالحبر على خدود الأطفال المصابين بمّا يسمّيه الأهالي “أبو كعب”. كما تحضر حقول العمّ أبي ربيع، وسلق القمح وتجفيفه، والبطاطا المشويّة في رماد الموقدة، والجرّار الزراعيّ الذي كان يبدو للأطفال مركبة عجيبة.

كلّ هؤلاء يمنحون “إلى يوسف” طبيعتها الخاصّة. فالكتاب يحمل اسم فرد، لكنّه يستعيد جماعة. ومن خلال أسماء الأدوات القديمة، مثل الكوارة والخابية والكبكة والمورج والفدّان، تحفظ الكاتبة شيئاً من قاموس القرية المهدّد بالاندثار. إنّها تكتب تاريخاً اجتماعيّاً صغيراً، تتقدّم فيه الأشياء العاديّة إلى الواجهة بعدما أمضت عقوداً في خدمة الناس بصمت.

يوسف يجمع حطب الشتاء الأخير

وفي قلب هذه اليوميّات يتحرّك يوسف طفلاً مشاكساً، ثمّ فتى يركض خلف كرة القدم في الملعب الأحمر، ويشارك رفاقه ألعاب الكلل و”العصفور”، ويعود بثياب مغّبرة من المباريات. تكبر السنوات، وتتباعد البيوت، لكنّه يحتفظ بذلك الصبيّ في داخله. وتستعيد زينب صيف العام 2024، يوم اجتمعت العائلة قرب الليطاني، حيث أشعل يوسف النار، وقلى البطاطا، وشوى السمك، ومازح شقيقته ابتسام فأدخلها ماء النهر. ثمّ صعد بين الصخور، وقطف الزعتر البرّي وجمع حطباً جافّاً للشتاء. كان يعدّ دفء الأيّام المقبلة، من دون أن يعرف أن غيابه سيسبقها.

بعد انتهاء الإجازة، أوصل يوسف شقيقته إلى المطار. بقي واقفاً عند بوّابة المغادرة، فيما أخذت المسافة تكبر بينهما. وبعد شهرين، في الـ24 من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2024، وصلها إلى فلوريدا خبر استشهاده في أنصار. عند هذه النقطة، تستعيد المشاهد السابقة معان أخرى. يصبح الحطب الذي جمعه يوسف أكثر من مؤونة، وتصير أكياس الخضار التي كان يحملها إلى أمّه، والرحلات إلى النهر، والمشاوير المدرسيّة، شواهد على حياة كاملة انقطعت.

“إلى يوسف” دار زمكان، 90 صفحة

رواية “إلى يوسف” للمؤلفة زينب حازر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى