تقليصات الأونروا.. أيّ مستقبل للتعليم الفلسطينيّ في لبنان؟

مع دخول العام الدراسيّ 2026–2027 مرحلته الأولى، يجد اللاجئون الفلسطينيّون في مخيّمات لبنان أنفسهم أمام تحدٍّ جديد يهدّد استقرار أبنائهم التعليميّ، في ظلّ الإجراءات التي يشهدها قطاع التعليم في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين “الأونروا”، وما يرافقها من إغلاق ودمج للمدارس وتقليص بعض البرامج التعليميّة والمهنيّة، وسط مخاوف متزايدة من انعكاساتها على مستقبل الطلّاب.

تواجه مدارس الأونروا في لبنان أزمة مع بداية العام الدراسيّ الجديد، نتيجة خطط إعادة توزيع الطلّاب وإغلاق بعض المدارس ودمجها، إلى جانب تقليص عدد من البرامج التعليميّة والتدريبيّة، مع تفاقم الأزمة الماليّة التي تواجهها الوكالة، وما تثيره هذه الإجراءات من تساؤلات بشأن جودة التعليم وقدرة المدارس على استيعاب الطلّاب.

إغلاق مدارس ودمج صفوف

من أبرز الإجراءات التي طالت القطاع التعليميّ، هي إغلاق مدارس وإعادة توزيع طلّابها على مبانٍ مدرسيّة أخرى، من بينها مدرسة “رفح” في منطقة الميناء بطرابلس، ومدرسة “البيرة” في بيروت، وصولاً إلى مدرسة “فلسطين” في مخيّم برج الشماليّ جنوب لبنان.

كذلك، شملت الإجراءات خططاً لدمج بعض المدارس والصفوف، ما يثير مخاوف من ارتفاع أعداد الطلّاب داخل الغرف الصفّيّة، وتراجع قدرة المعلّمين على متابعة الطلّاب وتلبية احتياجاتهم التعليميّة.

وفي إطار إعادة التوزيع، اتّجهت الأونروا إلى نقل طلّاب مدرسة رفح إلى مدارس في مخيّمي البدّاوي ونهر البارد ومدينة طرابلس، وفق أماكن إقامتهم، فيما جرى توزيع طلّاب مدرسة فلسطين في منطقة صور على مبانٍ مدرسيّة أخرى، وسط ظروف معيشيّة صعبة وأوضاع أمنيّة تزيد من الأعباء اليوميّة على عائلاتهم.

ولم تقتصر الإجراءات على المدارس، بل طالت أيضاً بعض برامج التدريب المهنيّ في مركز “سبلين” والبرامج التعليميّة المساندة، إذ شملت تقليص عدد من التخصّصات والدورات إلى النصف أو أكثر، وإلغاء بعضها، وتحويل بعض البرامج الأساسيّة من نظام السنتين إلى سنة واحدة، وفق ما يثيره المعنيّون من مخاوف بشأن مضمون التدريب المهنيّ وجودته وفرص استفادة الطلّاب منه.

إغلاق مدارس الأونروا يفاقم أزمة التعليم لدى اللاجئين الفلسطينيين
أعباء ماليّة واكتظاظ

تنعكس هذه الإجراءات على حياة اللاجئين الفلسطينيّين بأكثر من طريقة، إذ يفرض نقل الطلّاب إلى مدارس بعيدة من أماكن سكنهم أعباء ماليّة إضافيّة على العائلات، التي تجد نفسها مضطرّة إلى تحمّل كلف المواصلات اليوميّة، في وقت يعانون من أزمة اقتصاديّة ومعيشيّة خانقة.

في المقابل، يثير دمج المدارس والصفوف مخاوف من تفاقم الاكتظاظ داخل الغرف الصفّيّة، وما يرافقه من صعوبة في الشرح والمتابعة والتركيز، الأمر الذي قد يؤثّر في التحصيل العلميّ للطلّاب، خصوصاً بعد حديث الأهالي عن وصول عدد الطلّاب في الصفّ الواحد إلى 47 طالباً وأكثر.

تقول الطالبة ملك رمضان لـ”مناطق نت”: “نحن 52 طالباً في صفّ واحد، والجلوس غير مريح، إذ يجلس ثلاثة طلّاب على المقعد الواحد، ما يزيد من الضغط علينا. وأيّ حديث بسيط من أحد الطلّاب ينعكس على الصف كلّه، فتعمّ الضجّة ويصبح من الصعب على الجميع التركيز مع المعلّمة وفهم الدرس”.

وتضيف: “تحدّثنا مع الإدارة وطالبنا بفتح صفوف إضافيّة، في محاولة لتخفيف الاكتظاظ داخل الصفوف، حتّى نتمكّن من الدراسة بشكل أفضل ونفهم الدروس ونخّفف الضغط علينا كطلّاب. نحن طلّاب فلسطينيّون نعيش في المخيّمات، لا نملك سوى علمنا، وشهادتنا هي سلاحنا”.

الأهل بمواجهة تحدّيات جديدة

ولا تقتصر تداعيات إغلاق المدارس على الطلّاب داخل الصفوف، بل تمتدّ إلى عائلات تجد نفسها أمام تحدّيات جديدة لتأمين استمراريّة تعليم أبنائها.

تقول ريما عبد الرحمن، والدة أحد طلّاب الصفّ السادس الابتدائيّ، لـ”مناطق نت”، إنّ نقل ابنها من مدرسة فلسطين التابعة للأونروا، بعد إغلاقها، إلى مدرسة أخرى، انعكس سلباً على تجربته التعليميّة، مشيرةً إلى أنّ مستوى التعليم في السابق كان ممتازاً، بينما بات الوضع اليوم مختلفاً.

وتوضح عبد الرحمن أنّ “تقليص عدد الدروس وتراجع مستوى التحصيل العلميّ، أثّرا في الطلّاب”. وتضيف أنّ “الأهالي كانوا يرسلون أبناءهم صباحاً إلى المدارس ثمّ يتوجهون إلى أعمالهم، لكنّ نقل الطلّاب إلى مدارس أخرى فاقم الصعوبات أمامهم، إذ باتوا مضطرّين إلى ترك أعمالهم لتأمين نقل أبنائهم واصطحابهم”.

وتؤكّد أن “إغلاق مدرسة فلسطين زاد الأعباء المادّيّة على العائلات، وسط ظروف معيشية صعبة وأوضاع أمنية في منطقة صور، ما يفاقم معاناة الأهالي ويثير مخاوفهم بشأن مستقبل أبنائهم التعليميّ”.

الأونروا: الخطط الحاليّة لا تتضمّن تقليص عدد المعلّمين أو تسريح الموظّفين، وجميع الطلّاب سيحصلون على مقاعد دراسيّة في مدارسها.

الأونروا: لا حرمان من التعليم

في المقابل، أكّدت إدارة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين “الأونروا” أنّ ترتيبات العام الدراسيّ 2026–2027 تهدف إلى إعادة توزيع الطلّاب وفق أماكن إقامتهم، وضمان حصول جميع الطلّاب على مقاعد دراسيّة، مشدّدةً على أنّ أيّ طالب لن يُحرم من حقّه في التعليم. وأوضحت الوكالة أنّ خططها الحاليّة لا تتضمّن تقليص عدد المعلّمين أو تسريح الموظّفين، مشيرة إلى أنّ جميع الطلّاب المتأثّرين  في إجراءات إعادة التوزيع ودمج المدارس سيحصلون على مقاعد دراسيّة في مدارسها.

وفي ما يتعلّق بمنطقة صور، أشارت الأونروا إلى أنّ ترتيبات دمج مدارس فلسطين والصرفند وجباليا في مخيّم برج الشماليّ، وتوزيع الطلّاب على مبنيين مع الإبقاء على أسماء المدارس، جاءت نتيجة عدم العثور حتّى الآن على قطعة أرض مناسبة تستوفي الشروط اللازمة لبناء مجمّع مدرسيّ جديد.

أمّا في شمال لبنان، فأوضحت الوكالة أن إعادة توزيع طلّاب مدرسة رفح تهدف نقلهم إلى مدارس أقرب إلى أماكن إقامتهم في مخيّمي البدّاوي ونهر البارد أو في مدينة طرابلس. وعزت الأونروا هذه الإجراءات إلى ضغوط الأزمة الماليّة التي تواجهها، معتبرةً أنّها ترتيبات إداريّة وتنظيميّة تهدف إلى ترتيب العمليّة التعليميّة، وليست تقليصاً لحقّ الطلّاب في التعليم.

لكنّ هذه التوضيحات لا تبدّد مخاوف الأهالي والطلّاب، الذين يطرحون تساؤلات بشأن قدرة المدارس المستقبِلة على استيعاب الأعداد الجديدة، ومدى توافر الظروف التعليميّة المناسبة، مقابل الاكتظاظ والأعباء المادّيّة التي يواجهونها.

المعلّمون يرفضون التقليصات

بالتوازي مع مخاوف الأهالي والطلّاب، نفّذ معلّمو مدارس الأونروا في لبنان اعتصامات رفضاً لتقليص الخدمات التعليميّة، مطالبين بالحفاظ على استقرار العمليّة التعليميّة وصون حقوق الطلّاب والمعلّمين.

ورفض المعلّمون تقليص الدوام المدرسيّ من خمسة أيّام إلى أربعة، محذّرين من تداعيات دمج المدارس والصفوف، وما قد ينتج عنه من اكتظاظ ونقص في المستلزمات التعليميّة، وانعكاسات سلبيّة على جودة التعليم.

كذلك طالبوا بإعادة نسبة الـ20 في المئة المقتطعة من الرواتب، ووقف المناقلات الغوغائيّة، والتراجع عن تقليص الخدمات الصحّيّة والاجتماعيّة، محذّرين من تصعيد التحرّكات النقابيّة في حال عدم الاستجابة لمطالبهم.

الأونروا متنفّس للّاجئين الفلسطينيين في لبنان
المخيّمات تحتجّ

في مواجهة تقليصات الأونروا، تشهد المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان، من مخيّمي برج الشماليّ والبصّ في مدينة صور جنوباً، إلى مخيّم نهر البارد ومدينة طرابلس شمالاً، تحرّكات شعبيّة ونقابيّة تشمل اعتصامات ووقفات احتجاجيّة رفضاً لما يصفه المحتجّون بـ”سياسة التقليص التدريجيّ” للخدمات، ولا سيّما في القطاع التعليميّ.

ويطالب الأهالي واللجان المدافعة عن حقوق اللاجئين والحراكات الشعبيّة بوقف قرارات التقليص، وضمان حقّ الطلّاب في تعليم جيّد، وتأمين مستلزمات تعليميّة وكوادر لازمة لاستمرار العمليّة التعليميّة.

ويدعون كذلك إدارة الوكالة والمجتمع الدوليّ إلى تحمّل مسؤوليّاتهما تجاه اللاجئين الفلسطينيّين، في ظلّ المخاوف من انعكاس هذه الإجراءات على مستوى التعليم، وتفاقم الأوضاع المعيشيّة والخدماتيّة داخل المخيّمات.

بين تأكيدات ومخاوف

بين تأكيدات الأونروا ضمان حقّ الطلّاب الفلسطينيّين في التعليم وتأمين المقاعد الدراسيّة لهم، ومخاوف الأهالي والمعلّمين من تراجع جودة التعليم وتفاقم الاكتظاظ والأعباء المعيشيّة، يبقى مستقبل مدارس الوكالة في لبنان موضع قلق وتساؤل.

فهل تبقى إعادة الهيكلة إجراءات إداريّة تضمن استمرار التعليم، أم تتحوّل، جرّاء الأزمة الماليّة المتفاقمة، إلى تقليص تدريجيّ لخدمات يعتمد عليها اللاجئون الفلسطينيّون؟ وما مصير وكالة شكّلت، على مدى عقود، شاهداً دوليّاً على نكبة الفلسطينيّين وتهجيرهم، ووفّرت لهم خدمات أساسيّة، في مقدّمها التعليم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى