أريد لموتنا أن يكون صاخباً

تتسابق رياح الخريف
والحرب،
من سيحصد أرواحاً أكثر؟
أحبّ هذا الموسم
وأكرهه.
يجفّ الهواء ويبرد،
تقشّب يديك،
تتشقق شفاهكَ،
يتساقط شعركَ،
تعيش اكتئاباً مزيفاً
ويموت كبار السن.
يهوي الجسد الضعيف
كأوراق الشجر الخفيفة.
يرتطم الموت في جوفنا
كارتطام صحن زجاجي
على أرضية المطبخ.
ينشر الجميع صباحات
الخريف الهادئة:
فناجين برتقالية، سينابون
وقمصان بنيّة.
لا أحد يعدّ الوفيات في أكتوبر.
ماتت اليوم خالة أبي،
جارة لطيفة
في الحارة القديمة.
رأيت العمر وحشاً
يقضم طفولتي،
يكزّ عليها بأسنانه الأمامية
كتفّاحة حمراء
مذاقها سكري.
عادةً،
أجمع الأعشاب والملح الخشن،
أكتبُ ما أريد التخلّص منه
على ورقة،
أحرقها في مبخرة نحاسية،
أضيء شمعة،
أغلي الزهورات البرية،
وأنتظر موت العجوز
عند الفجرِ.
بالأمس،
حرقوا المريمية.
كيف أطرد الحسد والشرّ
وأبعد الطائرة الحربية؟
ماذا أقول غداً لجدتي؟
يعرف الموتى رائحة البخّور الطبيعية،
كما يعرف الحزن طعمَ دمعي.
أحياناً،
أتنبأ برحيل أحدهم،
وأحياناً أخبئ
رؤايا مثل يوسف،
أهرب من الرموز،
أحاول تصديق الحقيقة،
ثم مثل دودة
ألتف على بعضي.
عندما مات جدّي
لسعني البرد في داره
للمرة الأولى.
عندما ماتت جدّتي،
كانت الطريق إلى بيتها
تطول كلما اقتربت.
وفي موت جدتي الثانية،
نمتُ،
قلت ساعات قليلة
ويطلع الصباح،
وبعدها سأبكي.
ما أغبى الإنسان!
يظن أنه سينجو!
إذا مشى ببطء لن يجد الجنازة،
إذا أغلق هاتفه لن يصل الخبر،
إذا وضع عود القرفة في فنجان القهوة
لن يطاله السأم،
إذا تناول دواءه
لن يفقد صحته مرة أخرى.
ثم يدرك متأخراً
أن لا نجاة إلا بالحب
والتخلّي.
في مواسم سابقة،
كان لموتنا صوتٌ
يصدح من المئذنة،
يتكرر اسمنا مرتين
على مسمع الجبال،
ثمّ الفاتحة،
ثمّ “على الأجرِ يا عِباد الله”.
ثم تأخذنا رهبة الموت
فنمشي نيّاماً وراء الجنازة،
كالببغاوات نردد المراسم.
اليوم،
لم يعد لموتنا صوتٌ،
بل صرخة مكتومة
تخرج من الرأس،
صار نصّاً أخرساً
تتناقله المنصّات الرقمية:
خبراً عاجلاً،
والصفحة الأخيرة.
أود لموتنا أن يعود صاخباً
كأسعار النفط،
والذهب،
والقنبلة النووية.



