سلمى المصفي: لا شيء يُغيّرني

“ألو”… نطق الصوت الطفوليّ الذي ليس له شبيه، حتّى ظنّنا أنّنا شغّلنا تسجيلاً من برنامج “العقل زينة” بدلاً من الضغط على زرّ الاتّصال. سلمى المصفي على الخطّ، لم يتغيّر صوتها رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على سماع الناس له لأوّل مرّة.
تعود اليوم إلى بيروت لتحيي حفلتين، في السابع والثامن من تشرين الثاني (نوفمبر)، في “مترو المدينة” (الحمرا، بيروت). لكن قبل أن نلتقي بها وبفرقتها على خشبة المترو، وقبل أن نستمع إلى صوتها يُغنّي ما حُفر في ذاكرتنا، أدّى الفضول مهمّته، ليأتي لـ”مناطق نت” بما نرغب في معرفته أكثر عن سلمى المصفي:
اليوم تعودين إلى بيروت للغناء فيها، وقد مرّ زمنٌ طويل على إحيائك حفلة هنا، لكن زياراتك ظلّت متواصلة. حين تكونين في باريس، ما الذي تتذكّرينه من بيروت؟ وماذا تعني لك العودة للغناء على خشبتها؟
أنا من الجبل، لكنّني تربّيت في بيروت، وأعتبر أنّها جزء أساسي منّي. في باريس، أتذكّر شوارع بيروت.
حاليّاً، أشعر بعاطفة شديدة مع اقتراب موعد حفلتي هنا، وتتخبّط في داخلي كثير من الأحاسيس، والحماس الشديد.
إلى أين تذهبين في أوّل وصولك إلى بيروت؟
أذهب إلى والدتي، ثمّ مباشرةً إلى الحمرا.
أكثر من ثلاثة عقود جمعتك بالراحل زياد الرحباني. تعرّفتما إلى بعضكما عام 1986، أمّا اللقاء الأخير فكان عام 2019. خلال هذه المدّة، نمت صداقة، وأعمال إذاعيّة مثل “العقل زينة” و”تابع لشي تابع” وألبوم “مونودوز”، كذلك شاركت في مسرحيّة “لولا فسحة الأمل” وغيرها من الأعمال التي حملت توقيع زياد. في رحلتك هذه معه، ما التجربة التي حُفرت فيك أكثر من غيرها؟
أتذكّر كثيراً أيّام تسجيلنا برنامج “العقل زينة”. كانت أيّام حرب، وكانت بيروت منقسمة إلى قسمين، كنّا نسجّل الحلقات في إستديو زياد، في ظروف قاسية ومخيفة، وكانت تُبثّ يوميّاً على إذاعة “صوت الشعب” لتحكي الواقع بقالب عفويّ وصريح. كان الناس، وسط القسوة، يتوقّفون عن أعمالهم ليستمعوا إليها، لأنّهم كانوا يحتاجون فعلاً إلى شيء حقيقيّ، يتناول ما كانوا يعيشونه.
طبعاً، ألبوم “مونودوز” يعني لي كثيراً أيضاً. منذ أن تعرّفت إلى زياد، كنّا نتحدّث عن تسجيلنا لألبومٍ ما سويّاً، وبقي المشروع مؤجّلاً. انتقلت للعيش في فرنسا، وأصبحت زياراتي إلى بيروت تبدأ مع كلّ صيف. حين أعود، كان أوّل ما أفعله هو الاتّصال بزياد، إلى أن جاء صيفٌ في بيروت، قال فيه: “فلننجز الألبوم”.

بالحديث عن “العقل زينة”، في هذا البرنامج، تعرّفنا إلى سلمى المشاكسة، الطفوليّة، الصريحة، العفويّة… ما الذي تعتبرين أنّه تغيّر في سلمى منذ معرفتنا الأولى بها وحتّى اليوم؟
سلمى حينها هي ذاتها اليوم. ربّما أصبحت طويلة البال أكثر، لكن غير ذلك، لم يتغيّر أيّ شيء، ولا أريد أن أتغيّر، على العكس تماماً، إنّه انتصارٌ أن يبقى الإنسان كما هو، في ظلّ كلّ التغيّرات التي تحلّ على عالمنا.
وبالحديث عن “مونودوز”، الألبوم الذي توّج رحلتك مع زياد، والذي بات يُشكّل جزءاً من ذاكرة كثر من اللبنانيّين، حتّى الأجيال التي لم تواكب إصدار الألبوم، إنّما تعرّفت إليه في وقتٍ لاحق… ما الأغنية التي تعني لك أكثر من غيرها في هذا الألبوم؟
أُحبّ Black & Why كثيراً. هي أغنية حزينة، لكنّها حقيقيّة وجميلة. بعيداً من كلامها أيضاً، قد نقع في غرامها مجرّد سماعنا إلى عزف البيانو فيها، وأنا أفضّلها في نسختها برفقة البيانو.
التقيت بزياد في عمر الثامنة عشرة، وبدأت رحلة المغامرة… ماذا غيّرت هذه المغامرة في منظورك للموسيقى والغناء؟ وماذا غيّرت فيك على الصعيد الشخصي؟
قبل لقائي بزياد، كنت أُغنّي الإنكليزيّة فقط. معه، عرفت أنّ بمقدور صوتي غناء العربيّة. لست ذات صوت قد ينشد الطرب، لنكن واقعيّين، لكن مع زياد، استطاع صوتي غناء العربيّة بروح البوسا نوفا والجاز، وأخذها إلى أماكن لم أكن أفكّر فيها من قبل. أمّا على الصعيد الشخصي، فأتذكّر كيف كنّا أنا وزياد نقوم بالتسجيل دوماً من دون تخطيط وتفكير، والثقة المتينة التي كانت بيننا.
آخر لقاء بزياد كان العام 2019، ما الذكرى التي تتمسّكين بها من هذا اللقاء؟
كان لقاءً عاطفيّاً جدّاً، وصلت إلى الأوتيل في برلين وسألت عن زياد، أخبروني أنّه يتناول فطوره، دخلت إلى صالة الفطور ورآني، نهض وغمرني. تأثّرت كثيراً، وكنت سعيدة جدّاً أنّنا سنحيي حفلة جديدة سويّاً.
عن ألبومك “سلمى نوفا” الذي صدر عام 2008 وجاء بعد تجربة طويلة مع زياد، هو من كلماتك وأدائك، كيف وُلد هذا الألبوم؟
في العام 2006، أمضيت عاماً كاملاً في فرنسا. حينها، كنت أعيش حالاً من الانفعال الشديد. شعرت بسعادة غامرة بعودتنا إلى لبنان، لكنّ الحرب اندلعت فجأة. كانت تلك المرّة الأولى التي أختبر فيها معنى أن أكون بعيدة عن لبنان، فيما كان البلد يتعرّض للقصف وأهلي جميعهم فيه. وقتها، بدأت كتابة ما أشعر به، وأدوّن أفكاري، ثمّ فكّرت بإصدار الألبوم.
شقيق زوجي مهندس صوت وموسيقيّ، وكان يعمل معه عدد من الموسيقيّين، فبدأنا العمل معاً. وُلد الألبوم من الحزن والكآبة والإحباط الذي عشناه. كنت قد انتقلت إلى فرنسا، لكنّ قلبي ظلّ معلّقاً في بيروت.
حين أبصر الألبوم الضوء، أعتقد أنّه لم يتمّ الترويج له كما يلزم، لكنّني أعتقد أنّ الناس اهتدت إليه عبر البحث. يستمعون إلى “مونودوز” مثلاً، فيبحثون عن مقاطع أُخرى لي، ليتعرّفوا إلى “سلمى نوفا”. قدّمنا مقطوعات من الألبوم في حفلات باريس ولندن، وسنقدّمها أيضاً في حفلتنا في الـ”مترو”.

هل في حساباتك تقديم تجربة جديدة من هذا النوع؟
نعم، معقول كثيراً، أرغب في ذلك. من الآن إلى السنة الجديدة، قد نقدّم شيئاً جديداً، أغنية منفردة في الأقلّ، ربّما تمتدّ إلى ألبوم لاحقاً.
تحدّثنا عن تأثيرات البوسا نوفا والجاز في موسيقى زياد الذي جرّب كثيراً في الموسيقى العربيّة وذهب بها إلى أماكن لم نكن نتخيّل الوصول إليها… في وقتنا الحالي، هل تعتقدين أنّه ما زال من الممكن تقديم تجارب موسيقيّة جديدة على الصعيد العربيّ؟
هناك تجارب عربيّة جديدة تُقدّم الآن على صعيد التكنو والراب مثلاً، قد تذهب بالموسيقى العربيّة إلى أماكن جديدة. ربّما ليس لها جمهورٌ واسعٌ اليوم، لكنّها قد تتطوّر وتحظى بجمهور أوسع، أو قد تبقى في مكانها.
ماذا تخبريننا عن تحضيرات الحفلتين اللتين ستحييهما في المترو؟
التحضيرات لحفلتيّ بيروت وحفلة عمّان قائمة منذ مدّة، والحماس في أشدّه. فريق المترو محترف للغاية، ونحن على تواصل دائم من أجل التحضيرات التقنيّة، والصالة جميلة جدّاً.
نحن سبعة أشخاص قادمون من فرنسا، سألني كثيرون لماذا لم أستعن بموسيقيّين لبنانيّين، لكنّني مقيمة في فرنسا وأحتاج إلى التحضير والتمرين قبل وقت، ولهذا فالموسيقيّون فرنسيّون. ليس بالإمكان أن نأتي إلى بيروت عدّة مرّات من أجل التمرينات، لكنّ الكورَس من بيروت، وأقمنا التمرينات معهم عن بُعد، عبر الإنترنت.
كذلك، حفلتي في عمّان (الأردن)، التي ستُقام في السادس من تشرين الثاني، سيكون الكورَس فيها من الأردن. نحاول قدر الإمكان التعاون مع أفراد من المنطقة، لكنّ إقامتنا في فرنسا تتطلّب العمل مع موسيقيّين مقيمين في المنطقة ذاتها.
أخيراً، في ذاكرة كثيرين، ارتبط اسمك باسم زياد، نحن تعرّفنا إلى سلمى عبره، لكن إذا أردنا التعرّف إلى سلمى بعيداً عن كلّ ما قدّمته مع زياد، فمن هي حقّاً؟
كان يقول زياد: “ما في شي بغيّرها”. أنا لا أتغيّر، أنا سلمى نفسها إن كان اسمي منفصلاً عن زياد أو مرتبطاً به. الناس تربط اسمي بزياد، وأنا أتفهّم ذلك ولا أنزعج، فأنا هي سلمى ذاتها.



