في مدارس الجنوب… تعليم يبحث عن الاستقرار

في قسم الروضات بمدرسة برعشيت الرسميّة (بنت جبيل)، فُقدت شاشة العرض وخزانتان كان الأطفال يضعون فيهما حقائبهم. تكسّرت تجهيزات في المختبرات، وتضرّر الألمنيوم والخشب، وبات إصلاح القرميد ضرورة لمنع مياه الشتاء من التسرّب إلى الصفوف. ثمّة تفاصيل ترويها المديرة أنيسة ضاهر لـ”مناطق نت” عن مدرسة تصفها بـ”المنكوبة”، وتسعى إلى مواصلة التدريس على رغم الأضرار التي لحقت في مبناها وتجهيزاتها.

أمّا في صُور، فتتقاسم عائلات نازحة وطالبات مبنى مدرسيّاً واحداً، بعد تخصيص طوابق ومداخل ومرافق منفصلة لكلّ منهما.

بين الحالتين، تتّضح أعباء العام الدراسيّ 2026– 2027 في الجنوب. مدارس تحتاج إلى الترميم، وأخرى استقبلت تلاميذ، أو مدارس كاملة من القرى الحدوديّة، ومبانٍ تؤدّي وظيفتَيّ التعليم والإيواء، بينما يعود التلاميذ إلى الصفوف بعد فترات من الانقطاع عن الدراسة والتنقّل بين أماكن النزوح.

بين مدارس الحدود ومقارّ النزوح

تقدّم النشرة الإحصائيّة للمركز التربويّ للبحوث والإنماء للعام 2024– 2025 صورة عن حجم التعليم في محافظتَي الجنوب والنبطيّة. تضمّ الأولى 123,149 تلميذاً، والثانية 76825، أيّ نحو 200 ألف تلميذ في المحافظتين. أمّا مدارس التعليم العام، فيبلغ عددها 553 مدرسة.

في محافظة الجنوب 301 مدرسة، موزّعة على 144 رسميّة، و27 خاصّة مجّانيّة، و101 خاصّة غير مجّانيّة، و29 للأونروا. وفي النبطية 252 مدرسة، بينها 130 رسميّة، و39 خاصّة مجّانيّة، و82 خاصّة غير مجّانيّة، ومدرسة للأونروا. وتشمل هذه الأعداد المحافظتين كاملتين.

يقول رئيس المنطقة التربوية في محافظة الجنوب أحمد صالح لـ”مناطق نت” إنّ “ثماني مدارس رسميّة دُمّرت في ثماني قرى، بينها الناقورة والضهيرة ويارين والبستان وعلما الشعب وطير حرفا (بين صور وبنت جبيل). وكانت تضمّ حوالي 560 تلميذاً، نزحوا منذ الحرب السابقة، وانتشروا في مناطق لبنانيّة مختلفة، مع تجمّع أكبر حاليّاً في منطقة صور”. ويشير صالح إلى مدارس خاصّة دُمّرت في يارين (صور)، وأخرى أُقفلت في علما الشعب (صور).

وفي محافظة النبطيّة، تقول مستشارة وزيرة التربية مها ضاهر، في حديثها لـ”مناطق نت”، إنّ “عدد المدارس المدمّرة يبلغ 37 مدرسة رسميّة وخاصّة، بينها 26 مدرسة رسميّة مدمّرة بالكامل”.  وأُضيفت إلى ترتيبات الاستضافة مدرستا المنصوري ومجدل زون (صور). الأولى كانت تضمّ حوالي 370 تلميذاً إلى 400 تلميذ، والثانية قرابة 250 تلميذاً. وبجمع هذه الأعداد مع تلاميذ المدارس الثمانية، يكون نحو 1180 تلميذاً إلى 1210 تلاميذ قد درسوا في المدارس الرسميّة العشر المذكورة قبل تعذّر استمرارها في مقارّها الأصليّة.

أضرار في مدرسة برعشيت جرّاء الحرب
النزوح يُعيد توزيع التعليم

انتقل تلامذة مدرسة المنصوري إلى مدرسة المساكن الشعبيّة في صور، ومجدل زون إلى برج الشمالي شرق المدينة. وجُمعت مدارس الضهيرة ويارين والبستان في مبنى معهد أمجاد، المستأجر عبر مجلس الجنوب، والتحق تلاميذ طيرحرفا بمدرسة صور الأولى. هكذا أعاد النزوح توزيع التعليم نحو صور والبلدات المستقبِلة، بحسب أماكن تجمّع الأهالي.

ولم ينتقل جميع التلاميذ مع مدارسهم. ففي مقرّ المنصوري البديل نحو 180 تلميذاً، بينما التحق آخرون بمدارس قريبة من أماكن نزوحهم.

ينطبق ذلك على قراءة تراجع التسجيل في المحافظتين. فقد انخفض عدد التلاميذ في الجنوب بنسبة 3.19 في المئة بين أعوام 2023– 2024 و2024– 2025، من 127211 إلى 123149. وفي النبطيّة انخفض بنسبة 7.63 في المئة، من 83170 إلى 76825. توثّق النشرة هذا التراجع، وتقول مستشارة وزيرة التربية إنّ الأعداد لم تتغيّر بفارق كبير هذا العام مقارنة مع العام السابق.

مبانٍ متضررة تعمل فوق قدرتها

دخل القطاع التربويّ حرب 2026 محمّلاً بأضرار سابقة. ففي تقييمه السريع للأضرار والاحتياجات الصادر في آذار (مارس) 2025، قدّر البنك الدوليّ أضرار التعليم في لبنان بـ151 مليون دولار أميركيّ، منها 81 مليوناً في النبطيّة و39 مليوناً في الجنوب. وأحصى 59 منشأة تعليميّة مدمّرة و299 متضررة جزئيّاً، وقدّر احتياجات التعافي وإعادة التعمير بـ 554 مليون دولار أميركيّ. وتخصّ هذه الحصيلة الحرب السابقة، ولا تُجمع مع أرقام 2026 لاختلاف الفترات ونطاق التقييم.

أمّا تقرير “تأثير الحرب على القطاع التربويّ في لبنان” للعام 2026، الصادر عن وزارة التربية واليونيسف وشركائهما، فيوثّق تضرّر 436 منشأة من أصل 1089 خضعت للتقييم، بينها 37 مدمّرة و64 متضرّرة بشدّة. وتتركّز 286 منشأة متضرّرة في الجنوب والنبطيّة. وتشمل الحصيلة مؤسّسات للتعليم العام والمهنيّ والعالي، وليست جميعها مدارس. وفي النصف الأوّل من 2026، استُخدمت 433 مؤسّسة تعليميّة رسميّة للإيواء، بحسب التقرير نفسه. ثمّ تقلّص العدد مع تغيّر حركة النزوح وإخلاء بعض المباني.

في هذا الإطار تقول المستشارة ضاهر إنّ “البيانات التشغيليّة بتاريخ الأوّل من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2026، تسجّل استمرار استخدام 64 مؤسّسة ومبنى تربويّاً رسميّاً للإيواء على مستوى لبنان، تستقبل 6834 فرداً من 1821 عائلة. بينها 44 مؤسّسة تعليم عامّ، و11 للتعليم المهنيّ والتقنيّ، ومنشأة للجامعة اللبنانيّة، وثماني منشآت للوزارة غير مستخدمة للتدريس. ويتوزّع 25 مركزاً منها على المحافظتين الجنوبيّتين، بواقع 17 في الجنوب وثمانية في النبطية”.

ولا تعني هذه الحصيلة أنّ جميع المراكز تدرّس وتؤوي في الوقت نفسه. وكانت وزارة التربية قد أبلغت وكالة “رويترز” أنّ نحو 30 مدرسة رسميّة في لبنان ستفتح جزئيّاً للتعليم مع استمرار الإيواء، فيما تبقى تسع مخصّصة بالكامل للإيواء. وهو تقدير سابق لانطلاق السنة الدراسيّة، وليس تعداداً محدّثاً للمدارس الجنوبيّة ذات الاستخدام المزدوج.

بين حقّ المأوى والتعليم

في ثانويّة الإمام الصدر الرسميّة للبنات (صور الرسميّة للبنات سابقاً)، تشرح المديرة سوسن حسين لـ”مناطق نت” كيف جرى تنظيم هذا الاستخدام: “تستضيف الثانويّة 32 عائلة تضمّ 119 فرداً، وسُجّلت فيها 320 طالبة. وبعد جرد الغرف والاحتياجات والتواصل مع الجهات المعنيّة، خُصّصت طوابق للإيواء، مع فصل المداخل والممرّات والمرافق عن القسم التعليميّ”.

استُقبلت الطالبات تدريجاً على ثلاث مراحل، وبدأ التعليم الطبيعيّ بعد أسبوعين من المؤسّسات التي لا تؤوي نازحين. وخلال التأخير، انتقلت طالبات إلى مدارس فتحت قبلها. لذلك ظهر الضغط في استهلاك المبنى وتأخير الدراسة، حتّى من دون زيادة التسجيل.

تؤكّد حسين انتظام التعليم بعد الفصل، لكنّها تطلب إصلاح المرافق الصحّيّة والغرف وتأمين الطاقة الشمسيّة. تعتمد الثانويّة على كهرباء لبنان ومولّد خاصّ، وتبقى فاتورة الكهرباء والمازوت ثقيلة على رغم مساهمة اتّحاد بلديّات صور. وتختصر مطلبها بضرورة تأمين بديل كريم للعائلات، يحفظ حقّها في المأوى وحقّ الطالبات في بيئة مدرسيّة ملائمة.

وفي المساكن الشعبيّة، يُقسَّم الأسبوع بين مدرستين. تداوم المدرسة الأصليّة من الإثنين إلى الخميس، والمنصوري من الجمعة إلى الأحد، ويُؤمَّن يومها الرابع من بُعد أو بعد الظهر. أمّا القرطاسيّة والكتب ووسائل تصوير الدروس، فيؤكّد أحمد صالح نقصاً فيها، مع مساهمة المجتمع المحلّيّ في تأمين بعض حاجات التلاميذ والنقل.

تحديات تواجه العام الدراسي في الجنوب
فجوات في التعليم

تُوضح ضاهر أنّ “نحو 90 في المئة من التعليم في الجنوب والنبطيّة حضوريّ، بينما تعتمد 18 مدرسة وثانويّة التعليم من بُعد. وتقوم ترتيبات الوزارة على إلحاق النازحين بالمدارس القريبة، والاستفادة من المدارس المستضيفة والمقارّ البديلة، واعتماد التعليم المدمج أو من بُعد حيث يتعذّر الحضور”.

لكنّ العودة لا تمحو ما فُقد. تقول سوسن حسين إنّ “مستوى الطالبات تأثّر بالتعلّم من بُعد وعدم توافر الإنترنت للجميع، وإنّ المدرسة تراجع موادّ تعلّمنها، أو كان يفترض أن يتعلّمنها، في السنة السابقة”. وفي برعشيت، يبلغ عدد المسجّلين 116 تلميذاً، وتؤكّد المديرة استقبال تلامذة من قرى أخرى، وبقاء ثلاثة تلاميذ نازحين. وتلاحظ آثار الحرب في السلوك، فيما يستعيد المستوى العلميّ عافيته تدريجاً.

ويشير صالح إلى صعوبة وصول بعض المعلّمين، وإلى عدم التمكّن من توفير حصص الرياضة والفنون والموسيقى والرسم للتلاميذ المعنيّين، وصعوبة متابعة الدروس من بُعد في مراكز الإيواء، حيث قد يتشارك الطفل غرفة واحدة مع ثلاثين شخصاً، من دون مكان هادئ للدراسة.

تتّفق هذه الشهادات مع تقرير اليونيسف، الذي يذكر أنّ حوالي 27 في المئة من المتعلّمين في لبنان شهدوا انقطاعاً في التعليم خلال التصعيد، وأنّ قرابة 200 ألف متعلّم في المناطق المتأثّرة واجهوا صعوبة في مواصلته. وهي مؤشّرات وطنيّة، لا قياس منفصل للتحصيل في مدارس الجنوب خلال السنة الحاليّة.

بين استئناف التعليم واستقراره

وفي تقييم “الجيل الضائع”، الصادر عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت في آب (أغسطس) 2026، تظهر مشكلة الوصول إلى البدائل. وبحسب تقييم احتياجات يستند إليها، أفادت أكثر من ثماني أسر نازحة من كل عشر بحاجتها إلى الإنترنتّ والأجهزة اللازمة للتعلّم. وينقل أيضاً عن التقييم التشخيصيّ الوطنيّ للعام 2024– 2025 أنّ أكثر من ثمانية من كلّ عشرة تلاميذ في الصفّ السادس لم يتقنوا القسمة، بما يوضح عمق الفجوات التي سبقت الحرب الأخيرة.

بين إصلاح سقف في برعشيت وتقاسم أيّام التدريس في صور، تستمرّ السنة الدراسيّة بترتيبات متفاوتة، تتحمّل المدارس والأسر جانباً من كلفتها. أتاحت المقارّ البديلة استئناف التعليم لكثيرين، لكنّ استقراره يحتاج إلى تمويل للصيانة والتشغيل والنقل، ومتابعة انتقال التلاميذ، وبرامج لتعويض ما فاتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى