ملائكة البقاع وشياطينه: رحلة الدنادشة بين الصراع والتمرد والمنفى (2)

في الجزء السابق تتبّعنا جذور آل دندش وصعودهم كقوّة عسكريّة في البقاع الشماليّ شكّلت سورًا يحمي متصرّفيّة جبل لبنان، من أيّام المشيخة الحماديّة وصولًا إلى مقتل زعيمهم رشيد سلطانة دندش قبيل نهاية الحكم العثمانيّ. في هذا الجزء ننتقل إلى المرحلة التالية من مسار العشيرة مع تسلّم حسن طعان دندش الزعامة في ظلّ الانتداب الفرنسيّ.

بعد اغتيال رشيد سلطانة دندش، انتقلت زعامة الدنادشة إلى حسن طعان ابن زعيم العشيرة الأسبق طعان دندش. حصل هذا الانتقال خلال فترة كان يشهد فيها البقاع الشماليّ تحوّلات كبرى مع تأسيس دولة لبنان الكبير تحت الانتداب الفرنسيّ وتراجع زعامة المشيخة الحماديّة، بالإضافة إلى ظهور قوّة جديدة في البقاع الشماليّ تتركّز في قرية رأس بعلبك المسيحيّة التي ضمّت القيادة العسكريّة للجيش الفرنسيّ في الجبل الشرقيّ بين عامي 1920 و1943.

لجأت المشيخة التقليديّة في الهرمل بعد عودتها من المنفى إلى دعم الفرنسيّين، في محاولة لتجديد نفوذها على الصعيد المحلّيّ. بينما سارعت العشائر لمدّ يدها إلى الحكم العربيّ بعد وصول الملك فيصل إلى دمشق، وهو ما ينطبق أيضًا على غالبيّة عائلات بعلبك الشيعيّة. ظهر الولاء للحكم العربيّ بين عشائر الهرمل تجسيدًا للميل الاستقلاليّ عن سلطة المشيخة التقليديّة، التي اختارت الانتداب الفرنسيّ والانضمام إلى لبنان تماشيًا مع توجّهها التاريخيّ إلى الجبل، والتحالف الذي كان قائمًا في ذلك الحين بينها وبين البطريركيّة المارونيّة.

من الأسباب التي عزّزت التعاطف العشائريّ مع فيصل، كانت تعيين شخصيّات من العشائر كضبّاط في الجيش العربيّ بينهم زعيم الدنادشة الجديد، الذي أوكلت إليه مهمّة حفظ الأمن في المنطقة الممتدّة من بلدة اللبوة حتّى بلدة القصير داخل سوريا. كذلك أصبح ملحم قاسم المصري، أبرز المطلوبين البقاعيّين خلال المرحلتين العثمانيّة والفرنسيّة، ضابطًا بدوره ورئيسًا لمفرزة درك المعلّقة.

بندقيّة سلام للمبعوث الفرنسيّ

لكن بعد خروج فيصل من دمشق العام 1920 وفرض الانتداب الفرنسيّ على سوريا ولبنان، عاد المطلوبون السابقون إلى التمرّد في الجرود، ثمّ رضخوا للأمر الواقع العام 1924، بعد إشاعة القيادة العسكريّة الفرنسيّة في البقاع بأنّها على وشك تسيير حملة كبرى لتجريد المنطقة من السلاح.

يومها، التقى ضابط الجيش الفرنسيّ وجهاء من العشائر وأعيان من المنطقة قرب بلدة القاع باستثناء حسن طعان دندش الذي طلب أن يجتمع مع القيادة الفرنسيّة بمفرده عند العاصي، بالقرب من الأودية، حيث وصل إلى صيغة مع المبعوث الفرنسيّ تقضي بإنهاء حال التمرّد مقابل العفو عن الدنادشة. وقد أرسل للمبعوث الفرنسيّ من بعد اللقاء بندقيّة، كإشارة حسن نيّة (نقلًا عن أرشيف الجيش الفرنسيّ الذي نشر أجزاء منه مهيب حمادة في كتابه “علاقة البقاعيّين بالسوريّين”).

لكن على الرغم من الخطوات التي أخذها الفرنسيّين لفرض السيطرة على البقاع من جديد، عاد التمرد بعد عام على اندلاع الثورة السوريّة الكبرى (بدأت من جبل الدروز ثمّ امتدّت إلى مناطق أخرى في سوريا). كانت خطّة قيادات الثورة السوريّة الذين وصلوا إلى البقاع، تأليف عصابات شيعيّة تكون منطلقًا لإعادة تحريك الثورة في سوريا لتخفيف الضغط عن جبل الدروز، تحديدًا عبر دفعهم لاحتلال مراكز سكّة الحديد تمهيدًا للدخول إلى حمص ثمّ التوجّه من بعدها إلى حماة.

الهرمل تنتفض

وفق مهيب حمادة الذي يؤرّخ لتلك المرحلة في كتابه “علاقة البقاعيّين والسوريّين” الصادر العام 1983، دخلت الانتفاضة إلى الهرمل في إثر اجتماع جرى في النبك بين شباب ووجهاء من العشائر، تحديدًا من آل جعفر ودندش وقيادات من الانتفاضة في سوريا، بينهم سعيد العاص.

لاحقًا، انضمّ إلى عشائر الهرمل مجموعات من بلدة القصَيْر وحمص وحماة وحوالي خمسين متمرّدًا من بعلبك كانوا قد انسحبوا بعد دخول الجيش الفرنسيّ إلى المدينة. بعد مدّة قصيرة من بداية التمرّد، وجّهت القيادة الفرنسيّة حملة عسكريّة إلى الهرمل، تمكّن المنتفضون من مواجهتها بقوّة وقُتل تسعة في الأقل من الجيش الفرنسيّ، بالإضافة إلى اعتقال مجموعة ضمّت وريث المشيخة الحماديّة، سعدلله حمادة، الذي شارك شخصيًّا في الحملة بعد تعيينه ضابطًا في الجيش الفرنسيّ (أشيع لاحقًا عن وجود تواطؤ بين سعدالله والعشائر).

عائلة من رأس بعلبك عام 1867 من ارشيف السلطان عبد الحميد في يلدز مستخرجة من ارشيف مكتبة جامعة اسطنبول، بحث وتوثيق مدونة جبل عامل.
حسن طعّان دندش… رسالة من قائد الثورة

بعد هذا الانتصار، حاولت العشائر التي كانت تتركّز في جنوب الهرمل تشكيل قوّة أخرى بمواجهة الفرنسيّين، أطلق عليها اسم “جيش الإمام عليّ”. ضمّت فصيلًا عسكريًّا من كل عشيرة، وقيادة عامّة لحسن طعان دندش، الذي انتخب على رأسها في اجتماع ضمّ ممثّلين عن عدد من العشائر في سهل مرجحين.

لم يشارك الجيش في أيّ معارك تذكر بعد تأسيسه، بسبب ارتكاز المعارك ضمن الأودية الشماليّة التي تسيطر عليها عشيرة آل جعفر. كذلك رفض حسن طعان أن يقاتل تحت قيادة شخصيّة من عشيرة أخرى هو زين مهدي جعفر، الذي كان يعتبر شخصيّة ثانويّة بالمعايير العشائريّة ولم يكن زعيمًا فعليًّا ضمن عشيرته.

ومن الشروط التي طلبها حسن طعان للمشاركة، أن يتمّ الطلب إليه شخصيًّا عبر رسالة من قائد الثورة السوريّة سلطان باشا الأطرش، أن يكون هو قائد العمليّات على الأرض. في كلّ حال، كان تأسيس الجيش مناسبة للاعتراف بزعامة حسن طعان دندش كوريث محتمل لمحمّد سعيد باشا الذي توفّي العام 1924.

في مرمى الانتداب

لن يمرّ وقت طويل قبل أن تتراجع الانتفاضة في الهرمل بعد عجز القيادة في جبل الدروز إيصال الدعم والذخائر للمنتفضين. وبعد مفاوضات قادها سعدلله حمادة وصبري حمادة وكان حسن طعان دندش طرفًا أساسًا فيها. وافق المنتفضون على التراجع مقابل إصدار عفو عن جميع المشاركين في القتال.

في كتابه عن الثورة السوريّة الكبرى “الأيّام الحمراء”، يخصّص سعيد العاصي عددًا من الصفحات عن عشائر الهرمل: “اشتهرت العشائر الحماديّة في الهرمل بشدّة بطشها وقوّة بأسها …. وتتمثّل زعامتها الحربيّة في بيت طعان دندش. أمّا زعامتها العامّة الزمنيّة والسياسيّة فإنّها في بيت حماده، التي تعتبر زعامتها أشبه بزعامة الطرشان في جبل الدروز، حيث منعت من خلال نفوذها على العشائر من توسّع الثورة في المنطقة. ولولا إغداق الفرنسيّين بالأموال أيضًا، لاتّسعت الثورة على طول الجبل الغربيّ …”.

 بعد هزيمة الانتفاضة حصلت لقاءات بين الفرنسيّين وحسن طعان الذي استطاع رفع الحصار السياسيّ عنه، كذلك تمّ توكيله بحماية سكّة الحديد من جديد مقابل مبالغ ماليّة، لكن كما يقول فؤاد خليل: “في قراءته للخطّة الفرنسيّة المحلّيّة، لم يأخذ بعين الاعتبار الفرق الجوهريّ بين تجديد زعامة تقليديّة تُنفّذ بأمانة سياسة الانتداب ولا تملك حقّ الاعتراض عليها… وأخرى تمتلك وزنًا عشائريًّا ضاغطًا، تُشكّل تهديدًا لمخطّطات الانتداب للمنطقة لأنّها ترفض أن تكون مجرّدة من السلاح أو مدجّنة كأداة للتوظيف”.

رأى الانتداب الفرنسيّ أنّ الحلّ الأمثل هو التخلّص نهائيًّا من حسن طعان دندش، من خلال اللعب على التناقضات المتنامية بين العشائر الشيعيّة من جهة وبين رأس بعلبك الكاثوليكيّة من جهة ثانية.

من الوفاق إلى القطيعة

حاولت السلطة الجديدة دعم رأس بعلبك بمواجهة جيرانها من خلال تحويلها إلى مركز مديريّة تضمّ 15 قرية في البقاع الشماليّ. ثمّ مع بداية الثورة السوريّة الكبرى تمّ تخصيص فرقة من العسكر الفرنسيّ لتبقى موجودة دائمًا في البلدة لحمايتها.

في الوقت نفسه، يبدو أنّ أهالي رأس بعلبك حاولوا استغلال وجود الجيش الفرنسيّ لمصلحتهم بعد فترة طويلة من ميل ميزان الكفّة لصالح العشائر. ومن المفيد الذكر هنا أنّ السنوات التي سبقت مجيء الفرنسيّين إلى المنطقة شهدت وفق ميشال ألوف مقتل ما يقارب ثمانية أشخاص من رأس بعلبك ضمن صراعات مع الدنادشة.

من جهة أخرى، تحفظ ذاكرة الأهالي في رأس بعلبك رواية معاكسة تقول إنّ الدنادشة وأبناء رأس بعلبك كانوا على وفاق قبل مجيء الانتداب الفرنسيّ، والدليل هو قيام مجموعة من رأس بعلبك بمساعدة آل دندش في هجومهم على سراي النبك لتخليص معتقل من العشيرة كان قد قبض عليه العسكر العثمانيّ. لكن يبدو أنّ سنوات الانتداب عمّقت الخلافات بين الطرفين إلى درجة اللّاعودة.

خمسون عقالًا في انتظار الثأر

يذكر ألوف، أنّ عددًا من الدنادشة انتقموا من أهالي البلدة خلال الاضطرابات التي رافقت الثورة السوريّة الكبرى، عبر عمليّات خطف لإجبارهم على دفع الجزية. كذلك شهدت تلك الفترة زيادة في الجرائم التي تقوم بها عصابات البقاع التي كان قد تزايد عددها بشكل غير مسبوق منذ الحرب العالميّة الأولى، أبرزها حادثة قتل خليل روفايل بعد دفنه حيًّا وهو مكتوف الأيدي (كما يذكر ميشال ألوف).

 استغل الفرنسيّون الحادثة عبر تحريض ابن القتيل على الانتقام من حسن طعان دندش، وإطلاق النار عليه خلال زيارة إلى رأس بعلبك، مدّعين أنّه قاتل والده (مقابلة مع الأستاذ سمير شعبان من رأس بعلبك). أثارت الحادثة حالًا من الغضب عند العشائر، ويحكي عيسى المعلوف في كتابه “تاريخ سورية المجوّفة” أنّ آل دندش تجمّعوا بعد دفن زعيمهم وقاموا بالقسم على قبره بقتل خمسين رجلًا من رأس بعلبك، ودفنوا بعد القسم 50 عقالًا قرب القبر على أن يتمّ إخراج عقال مقابل كلّ قتيل.

شهدت المنطقة بعد الحادثة موجة انتقام واسعة من أهالي رأس بعلبك التي تحوّلت إلى مركز عسكريّ تحت حماية فرنسيّة، وعلى رغم ذلك، تمكّن آل دندش من قتل بعض أبناء البلدة، لكن لم يكن من بينهم القاتل الذي ألقي القبض عليه الانتداب مباشرة بعد الجريمة.

صورة في البقاع الشمالي 1900 للمصور الألماني هرمان بورخارت من مجموعة المتحف الاثنولوجي في برلين
من البقاع إلى المنفى

بعد تزايد عملياّت الانتقام التي نفّذها آل دندش، قام الفرنسيّون بحملة كبيرة (يمكن معرفة تفاصيلها من أرشيف الجيش الفرنسيّ الذي ترجم أجزاءً منه فؤاد خليل ومهيب حمادة)، شارك فيها فروع أمنيّة من مناطق مختلفة من سوريا ولبنان، وفرق عسكريّة متنوّعة وطائرات استطلاع لاحقت الدنادشة إلى المناطق الوعرة والمنحدرات، حيث تقع المغاور التي لجأوا إليها.

صادر الفرنسيّون جميع الأملاك وقطعان الماشية التابعة للدنادشة، وقبضوا على النساء والأطفال والعجائز الذين تمّ تجميعهم بظروف سيّئة ضمن مخيّم في بلدة النبي عثمان.

بعد أشهر من الملاحقات شملت مساحات شاسعة بدأت في السلستين الغربيّة والشرقيّة ووصلت إلى بشرّي وشمسطار ومحيط زحلة، تمكّن الفرنسيّون من القبض على جميع رجال العشيرة باستثناء واحد. تمّ سجن جزء في بيروت بينما نفي الباقون إلى منطقة الميادين في الجزيرة قرب دير الزور السوريّة، ولغاية العام 1933، بقي الفرنسيّون يرسلون كلّ رجل من آل دندش تنتهي محكوميّته وراء أسرته إلى المنفى.

أهالي المنطقة… أيّ موقف؟

وفق المطران يوسف المعلوف، استند الانتداب الفرنسيّ على عريضة قال إنّها من أهالي المنطقة، تضمّ تواقيع مخاتير من جميع الطوائف تطالب بالحدّ من طغيان الدنادشة وإزالة ظلمهم.

لا نعرف مدى تمثيل العريضة، بخاصة أنّ بعض المناطق الأقرب إلى بعلبك، مثل عرسال، تضامنت مع الدنادشة وساعدت بتخبئة عدد منهم، أو في الأقلّ رفضت التعاون مع الانتداب للقبض عليهم. كذلك فإنّ مصطفى بك حيدر وعددًا من رجاله من بعلبك، قطعوا الطريق على جنود فرنسيّين بعد اعتقالهم مصطفى طعان دندش، وقاموا بتحريره بالقوّة. ولاحقًا، عارض محمّد سليمان أمهز الحملة العنيفة ضدّ العشيرة.

 في الوقت نفسه لا يبدو أنّ عشائر الهرمل كانت مستعدّة للقتال إلى جانب الدنادشة، لا سيّما وأنّ الحملة العسكريّة كانت تضمّ أعدادًا ضخمة من العناصر من مختلف الأفرع الأمنيّة، مع انتشار للمخبرين والمتعاونين مع الفرنسيّين بشكل كثيف في الهرمل وجرودها.

الأرض في انتظار الدنادشة

 بعد نفي آل دندش فتح الفرنسيّون المجال أمام أبناء رأس بعلبك لاستثمار الأراضي في كلّ من وادي بنيت ووادي النيرة، وقد شهدت تلك الفترة تدميرًا لملكيّات الدنادشة من قبل أقارب القتلى، ومنعًا لعائلات الهرمل التي تسكن الأودية من التحطيب في المنطقة. مع العلم أنّ أهالي رأس بعلبك يدّعون حتّى اليوم أنّهم كانوا سكّان تلك الأودية قبل مجيء الدنادشة إليها خلال القرن التاسع عشر. ما يعزز من احتمال ذلك، ما يذكره ميشال ألوف عن وجود كنيسة في وادي النيرة خلال الحقبة العثمانيّة.

لكن في العام 1934 تمكّن مصطفى طعان، شقيق الزعيم السابق، وخمسة آخرين، بينهم فضل الله دندش، أحد أبناء حسن طعان دندش الذي كان لا يزال في العاشرة (أصبح نائبًا خلال الحقبة الشهابيّة)، من الهروب من المنفى إلى جرود الهرمل. لاحقًا، تمّ السماح للعشيرة بالعودة إلى لبنان واستعادة أرضها في الأودية من جديد، مع دخول صبري حمادة في وساطة بينها وبين الدولة.

عقالٌ استُرجع من التراب

انتهى آخر فصول الصراع بين الدنادشة وأهالي رأس بعلبك العام 1947، حين استطاع أحد أبناء العشائر استدراج مخايل روفايل، قاتل حسن طعان دندش للعودة إلى رأس بعلبك.

كان روفايل قد سافر إلى البرازيل بعد خروجه من السجن. وفق عيسى المعلوف، فإنّ يوم وصوله إلى البلدة دخلت مجموعة من العشيرة إلى الأحياء وأثارت الذعر بين الأهالي عندما قامت بقتله بطريقة عنيفة، ثمّ قامت بإطلاق النار على مخفر الدرك والبلديّة والمقهى القريب من الساحة، ثمّ عادوا أدراجهم إلى الهرمل، حيث أخرجوا عقالًا من عقالاتهم المدفونة قرب قبر حسن طعان دندش وذبحوا الذبائح.

بعد العمليّة، أرسلت دولة الاستقلال قوّة مشتركة من الجيش والدرك إلى وادي النيرة، قُتل على أثرها عدد من عناصر وضباط الجيش دون أن تتمكّن السلطات من القبض على المتّهمين.

في النهاية، اختار الجيش عدم الذهاب أبعد في المعركة/ كون البلد قد استقلّ حديثًا ولا تزال الدولة تعاني من محدوديّة في القدرات العسكريّة. هكذا، أصدر القضاء أحكامًا غيابيّة بحقّ أبناء العشيرة المتورّطين بمقتل روفايل وإطلاق النار على القوى الأمنيّة في وادي النيرة، لتعود العشيرة إلى حالتها السابقة من ناحية الخروج على القانون من جديد.

شابان من راس بعلبك عام 1910 – 12 أحدهم فارس غنام من صفحة ذاكرة رأس بعلبك على فايسبوك
بين الحشيشة والسياسة

خلال الفترة الفاصلة بين الحادثة وحصول العفو عن المتّهمين في منتصف الخمسينيّات، حاولت أطراف عدّة استغلال حال التمرد والخروج على القانون التي تعيشها العشيرة. وفق غسان التويني، بدأ الحديث خلال الأربعينيّات عن انتشار زراعة الحشيش والاتجار بها في جرود الهرمل، وعن علاقة الدنادشة بالنشاط الجديد وتواطؤ الجيش اللبنانيّ معهم.

كذلك فإن أنطون سعادة، مؤسّس الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، التقى مصطفى طعان دندش قبل مدّة قصيرة من إلقاء القبض عليه في سوريا وإعدامه في بيروت، حيث حاول إقناعه بالمشاركة في الثورة التي كان يريد القيام بها ضدّ النظام اللبنانيّ، لكن كما يبدو، لم يأخذ جوابًا واضحًا من مصطفى طعان الذي كان قد حصل على وعد بالعفو من فؤاد شهاب.

اللافت هنا أنّ أبناء مصطفى طعان دندش انخرطوا في الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ لاحقًا، حيث أصبح اثنان منهم (مشهور وحسن) من أبرز الشخصيّات التي انتمت إلى الحزب في البقاع.

صفقةٌ بـ120 ألف ليرة

يبدو أنّ المخابرات السوريّة كانت مهتمة أيضًا بنسج علاقة مع الدنادشة، بخاصة في عهد عبد الحميد السراج، الذي لوّح في إحدى اللقاءات بدعم الدنادشة للتمرّد على الدولة اللبنانيّة.

وقد استمر ذلك بعد الإعفاء عن العشيرة من قبل الدولة اللبنانيّة، إذ يخبرنا أحمد حيدر عاصي في مذكّراته “تسعون في كنف النهضة” أنّه في العام 1957، حاول السراج فعلًا تقديم اغراءات لمشهور دندش، ابن مصطفى طعان، الذي انتسب باكرًا إلى الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، من أجل تسليم عميد الدفاع في الحزب القومي غسان جديد، مقابل الحصول على مبلغ 120 ألف ليرة، التي كانت تعتبر ثروة بمعايير ذلك الزمان.

لكن مشهور دندش المخلص لأفكار الحزب، كشف تفاصيل المخطّط للقيادة، في حين أوهم مخابرات السراج أنّه موافق على التعامل معهم، ليتمّ لاحقًا استدراج الضبّاط السوريين المكلّفين بالعمليّة والقاء القبض عليهم من قبل عناصر في الحزب القوميّ.

فؤاد شهاب: “العفو للدنادشة”

في بداية الخمسينيّات، قام فؤاد شهاب وكان في حينه قائدًا للجيش، بالتدخّل لحلّ أزمة الدنادشة، الذين كانوا لا يزالون مطلوبين للقضاء.

يذكر فؤاد خليل أنّ رئيس الجمهوريّة (كميل شمعون) كان قبلها بأشهر قد أعطى الأوامر لشهاب بتعقّب الدنادشة وإلقاء القبض عليهم، فقام شهاب بمقابلة رئيس الجمهورية في حضور رئيس الحكومة (سامي الصلح) وقال عبارته الشهيرة “نحن في الجيش لا نؤمن بإحداث معارك مع العشائر، فقبل أن نطالب المتمرّدين بالطاعة علينا أن نقدّم لهم الأولويّات المفروض تأديتها من قبل الدولة، وتوفير حاجاتهم الأساسيّة، عندها فقط نطبّق عليهم نصوص القانون المدنيّ”.

يمكن رؤية كلام شهاب هنا متّسقًا مع المسار الذي أخذه لاحقًا، الذي يقضي بتوطين العشائر وتحسين الفرص التعليميّة والاقتصاديّة في مناطق سكنهم.

يذكر أن فؤاد شهاب اجتمع بوجهاء من العشيرة العام 1949، واعدًا إيّاهم بالعفو عنهم شرط أن تمرّ خمس سنوات دون قيامهم بما يخلّ بالأمن في منطقة بعلبك الهرمل. التزمت العشيرة بالاتّفاق حتّى العام 1954، لكن الرئيس كميل شمعون رفض حينها إقرار العفو، ما دفع شهاب للتهديد بالاستقالة من منصبه إلى أن رضخ الرئيس في النهاية ليتمّ إقرار العفو الذي ترافق مع تسليم العشيرة بعضًا من الأسلحة للدولة.

 فتح الاتّفاق صفحة جديدة مهّدت الطريق أمام دخول العشيرة في زمن الدولة، حيث نسج لاحقًا مصطفى طعان علاقة مع الرئيس شمعون، ووفق قول مبالغ فيه للمطران يوسف المعلوف “رُفع في حينه العلم اللبناني فوق جبال ما رفّ قطّ فوقها، كأنّه العلم الروسيّ يخفق في اعتزاز في أبراج برلين وقلاعها”.

الدنادشة بعد زمن الزعامة

مع وصول فؤاد شهاب إلى الرئاسة العام 1958 تكرّس التحالف بينه وبين الدنادشة، وقد حاول في البداية استقطاب مشهور دندش ابن مصطفى طعان دندش، لكنّ الانتماء القوميّ السوريّ للأخير حال دون تعاونه مع الشهابيّين.

وقع الاختيار لاحقًا على المقاول فضل الله دندش، ابن حسن طعان دندش، الذي أصبح نائبًا عن البقاع العام 1960، واستمرّ نائبًا خلال فترة حكم فؤاد شهاب، ثمّ في فترة حكم شارل حلو، ويمكن اعتباره الحليف الأبرز للشهابيّين طوال عقد الستينيّات، قبل أن يفشلف بالوصول إلى المجلس في انتخابات العام 1968.

من بعد فضل الله دندش تراجع حضور العشيرة، خصوصًا وأنّ واقعها الديموغرافيّ أصبح مشتّتًا بعد النزوح من الأودية خلال الستينيّات إلى العين والهرمل واللبوة. كذلك فإنّ الخلافات التي لم تتوقّف يومًا بين أبنائها، فاقمت من التفكّك، وبالتالي قلّلت من القدرة على التأثير كما كان الحال خلال فترة سكنها الموّحد في الأودية.

ومع ذلك، حافظت شخصيّات من العشيرة على حضور سياسيّ واجتماعيّ كما حال حسن مصطفى طعان دندش، الذي لعب أدوارًا سياسيّة وأمنيّة مختلفة في البقاع منذ السبعينيّات وحتّى وفاته خلال الـ19 من أيلول (سبتمبر) 2015 عن 82 عامًا.

سهل مرجحين في الهرمل (تصوير كامل جابر)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى