الحرب تخمد نيرانها.. أفران النبطيّة العتيقة إلى أفول

أتّى فجر الـ17 من حزيران (يونيو) الماضي، تاريخ غارات تدميريّة أخرى على مدينة النبطيّة والحيّ القديم فيها، حيّ السراي، كان لم يزل هناك “مَرْبَع” أخير من مرابع الأفران القديمة التقليديّة في المدينة، هو “فرن اللّوز” الصامد فيها منذ سبعة عقود على رغم كلّ الحروب التي مرّت عليها منذ العام 1974.
وفرن اللّوز هذا بقي وحده من أصل نحو 10 أفران كانت تنتشر في ساحة النبطيّة العامّة وحولها، مبنيّة من الداخل والخارج بحجارة من صخر وقرميد، تعمل بواسطة مادّة المازوت، بعدما كانت قد بدأت باكرًا على الحطب، كي توفّر لأبناء المدينة والجوار أرغفة خبز بيضاء، تعرف تاريخيًّا بالخبز العربيّ، في وقت لم يكن في القرى القريبة أو البعيدة حولها فرنٌ واحد شبيه.
وما ساهم في شهرة أفران النبطيّة كذلك، هي أقراص “الصفيحة” المجدولة الأطراف، المعدّة بإتقان، وأضحت ذائعة الصيت تعرف بـ”صفيحة النبطيّة” أو “سفيحة النبطيّة” كما كان يحلو للبعض كتابتها على اللافتات واللوحات الإعلانيّة. أقراص تعدّ من عجينة رقيقة صغيرة تخبز على نار هادئة، تتواءم وخلطة لحم وتوابلها لتصنعا معًا “صفيحة” مشهورة منذ عقود طويلة، بدأت تتنامى نحو المجد من هذه الأفران الأولى.
زمن الأفران التقليديّة
بعد تدمير فرن اللّوز، باتت عاصمة جبل عامل اليوم يتيمة من أفرانها التقليديّة على رغم انتشار دزّينة أفران أو أكثر في وسط المدينة وأحيائها، مخابزُها من معدن تشتعل بواسطة الغاز. ويؤكّد مجايلو أفران النبطيّة التقليديّة أنّ الأفران الحديثة السهلة الاقتناء تفتقد إلى نكهة كانت مميّزة على منتوجات الأفران من خبز ومناقيش وكعك وصفيحة، كانت تضفيها علاقة حميمة بين اشتعال المازوت والحجر الناريّ، ودفء الأمكنة، وخبرة الخبّازين المتوارثة جيلًا تلو جيل.
يعدّد هاشم بدرالدين من النبطيّة أفرانها القديمة وأمكنتها بحسب ما ترد في ذاكرته على النحو الآتي: “فرن الحاج حسن فرّان (قرب الساحة العامّة لجهة حيّ السراي)، فرن علي الطَّحطَح (في زاروب اللبعاوي جهة حيّ السراي)، فرن الحاج عبّود أحمد بيطار (في الساحة العامّة جهة حيّ السراي قرب دكّان حبيب سلّوم لبيع أباريق الفخّار)، فرن إبراهيم صبّاح “اللّوز” في سوق حيّ السراي (بجانب دكّان الكرديّ لتصليح بوابير الكاز). وفرن آخر لـ”اللّوز” (بنزلة حيّ السراي قرب متجر كمال كمال)، إلى فرن أحمد جابر «أبو شقرا» داخل سوق اللحم وسط النبطيّة”.
مخابز متوارثة
ويضيف بدرالدين “برز لاحقًا فرن حديث صاحبه من آل زبيب ويقع قرب بناية “الأندلس” في شارع مرجعيون، كان متخصّصًا بإعداد الخبز العربيّ. وكذلك قام أنيس رشيد المقدّم بفتح فرن في بناية “الجزيرة” لمنيف جابر، وسط السوق، كانت غايته صناعة الكعك ومشتقّاته، ثمّ تحوّل نحو خبز الطعام والصفيحة واللحم بعجين والمناقيش، ولم يطل الأمر حتّى أقفل أبوابه وتحوّل إلى دكّان خارج الحرفة، وكان يعمل لديه “المَلَك” علي شحرور وشقيقه محمّد “أبو قاسم”، سبق وأن اشتغلا في فرن الطحطح وأبو شقرا، واشتغل أبناء “المَلَك” علي وجمال ومحمّد خبّازين”.
ويشير بدرالدين إلى أنّ “علي زهري استثمر فرن علي الطحطح، في المكان عينه بعدما قرّر الأخير إقفاله. هذا الفرن كان قبلهما لنمر نحلة، وكان متخصّص بإعداد المناقيش في ليالي شهر رمضان. بعد ذلك استحدث حسن زهري “أبو محمّد” الذي كان يعمل بالشراكة مع أخيه علي وانفصل عنه، فرنًا خاصًّا به وبأبنائه قرب المدخل الجنوبيّ لسوق اللحم. وفي أواسط السبعينيّات من القرن الماضي افتُتح فرن يعمل بواسطة المازوت لصاحبه مؤنس حلّال قرب مدرسة “النبطيّة التكميليّة الرسميّة للصبيان” عند المدخل الرئيس، وآخر في حيّ البياض ملك صبحي نحلة”.

عطرٌ يدثّر المدينة والجوار
كانت أفران النبطيّة بمجملها تعدّ خبز الطعام لأهل المدينة وأبناء القرى المجاورة، التي كانت تعتمد بمعظمها على إعداد خبز الصاج “المرقوق”. كان روّاد “سوق الإثنين” في النبطيّة ينتظرون من أسبوع إلى آخر يوم السوق، كي يشتروا من خبز أفرانها العربيّ، يحملونه بفرح إلى بيوتهم. “كانت هناك ربطات تحوي 25 رغيفًا من “القَطْع” (الحجم) الصغير التي كانت تستخدم كذلك في لفّ سندويش الفلافل وغيرها بسعر ليرة واحدة للربطة. أمّا الخبز من الحجم الكبير فكان كلّ رغيفين بـ15 قرشًا” يتابع بدرالدين.
حضّر أصحاب الأفران الخميرة من الحمّص من أجل إعداد الكعك الجافّ أو اليابس، أو كعك الشاي والحليب، كانت خميرة رائجة في تلك الأيّام تضفي على الكعك والمخبوزات نكهة طيّبة. يذكر هاشم بدر الدين أنّ هذا الكعك كان قاسيًا “مقرمش” ولم يكن بطيب الكعك الحاليّ أو فيه إضافات لذيذة، لذا كان معظم الناس يأكلونه مع الشاي “فإذا انغطّ بيتّاكل وإذا ما انغطّ ما بيتّاكلش”.
تراجعت هذه الأفران بسبب عدم تطويرها، وأتت فترات النزوح المتلاحقة من النبطيّة بعد اجتياح العام 1978 وقبله، وغيرها من أيّام العدوان والقصف التي كانت تتعرّض لها المدينة، واستمرّت سنوات عدّة، كانت كفيلة كلّها بقفل أبواب عديد من هذه الأفران، وبخاصّة بعد غياب ورحيل أصحابها أو مشغّليها.
فرن اللّوز آخر العنقود
إلى الأمس القريب وقبل العدوان الأخير، في حزيران الماضي على مدينة النبطيّة، لم يبقَ من أفران النبطيّة التقليديّة شغّالًا سوى “فرن اللّوز” ظلّ كضلع تراثيّ ناعم في أوّل نزلة حيّ السراي، ينشط في إعداد الصفيحة “النبطانيّة” وتعني “اللحم بعجين”، ومناقيش الصعتر والأجبان، وكانت قديمًا تُعدّ لمن يأتي من السكّان المحلّيّين أو أولادهم في أيّام العطل بمستلزمات المناقيش، كالصعتر والزيت فيقوم عمّال الفرن بدهنها على عجينة تكون قد خضعت للرّق والمدّ على ألواح خشبيّة تترك فوقها كي ترتاح، أيّ كي تخمر، ولا تتجاوز سماكتها ملّيمترات قليلة.
ويتذكّر بدرالدين أنّ “مجمل أفران النبطيّة، من علي الطحطح، إلى عبّود بيطار و”أبو محمّد” زهري بباب سوق اللحم، وإبراهيم اللّوز (صبّاح) كانوا يعدّون أو يخبزون كعك رمضان أو ما يعرف بـ”كعك العيد” أو “كعك العبّاس” ويقومون بعد الظهر بإنجاز مشطاح رمضان “النبطانيّ” البالغ الطول”.
في النبطيّة، أسّس الحاج حسن محمّد علي صبّاح فرن “اللّوز” الشهير العام 1958، وكان من أوائل الأفران التي اعتمدت نارها على مادّة المازوت بعدما كانت الأفران تشغّل على الحطب، ومنه انتقلت المهنة إلى الأبناء ثمّ إلى الأحفاد. أمّا لماذا اللّوز؟ يتردّد أنّ مؤسّس الفرن كان يطرّز أقراص مناقيشه بحبّات من اللّوز الأبيض قبل خبزها، ثمّ صار أبناء المدينة يميّزونه بفرن اللّوز، وتوارث الأبناء منه اللقب.

المازوت يوقد الأفران
بدأ الاعتماد الرسميّ وتنظيم استخدام مادّة المازوت في الأفران والمخابز في لبنان أوائل ستينيّات القرن العشرين، وتشير التشريعات والقرارات الرسميّة الصادرة عن “الجريدة الرسميّة اللبنانيّة”، “مركز المعلوماتيّة القانونيّة” إلى وضع أسس مخصّصة لدعم واستهلاك المازوت في الأفران بدءًا من الأعوام 1961 و1963.
ففي العام 1961 صدرت القرارات التنظيميّة الأولى لتحديد حصص الأفران المستجدّة من المازوت، وفي العام 1963 صدرت القرارات الحكوميّة الرسميّة التي تحدّد أسس حساب ودفع فروقات أسعار المازوت المستهلك في الأفران بالسعر المخفّض. وفي أواخر العام 1963 أُقرّت تعديلات أمان وسلامة تخزين المازوت داخل المخابز والأفران (مثل مسافات الأمان من بيت النار ومستودعات الدقيق).
من جدّي للجيل الرابع
بعد رحيل عميديّ فرن اللّوز محمّد وفهمي صبّاح، بات علي محمّد صبّاح يدير الفرن قبل تدميره، ولكي يحافظ على بقاء الاسم استأجر مكانًا يبعد عن الفرن المدمّر نحو 60 مترًا، لكنّ تشغيله يتمّ بواسطة فرن معدنيّ على نار الغاز.
يقول علي: “الفرن أسّسه جدّي حسن محمّد علي صبّاح الملقّب باللّوز سنة 1958. ويقال إنّه اشتراه جاهزًا من فرّانين سابقين. إلى جانب جدّي اشتغل معه أبناؤه: والدي محمّد صبّاح وعمّي إبراهيم قبل أن ينفرد بفرن خاصّ وعمّي فهمي الذي استمرّ مع أبي يعملان إلى جانب جدّي، ومعهما وبشكل متفرّق اشتغلتُ أنا وأخوتي وأبناء عمّي وأبناء عمّاتي. أنا بدأت العمل في الفرن منذ العام 1992، أيّ منذ نحو 35 عامًا، والآن انضمّ إليّ ابني منذ العام 2019، ونتابع من جيل إلى جيل، ويعدّ ابني من الجيل الرابع في المصلحة”.
يتذكّر علي الفرن كيف بدأ “أوّلًا بخَبز الطعام، لكن بعد إخماد ناره، أتذكّر منذ نحو أربعين عامًا، في بداية وعيي، كان جميع “حلونجيّة” (حلوانيّي) النبطيّة يأتون إلينا كي يخبزوا حلويّاتهم على وهج النار الخامدة، الخابتة في حجارة القرميد، منهم جارنا جواد سهجوني “فقيه” وحلويّات “الربيع” و”الديماسي” وكانت أطيب حلويّات تخبز عند همود الفرن. كان أبي يحكي أنّ أبناء المدينة وأبناء قرى الجوار كانوا يُحضِرون إلينا قبل الأعياد وفي المناسبات الدينيّة عجائن الكعك الممزوج بحوائج وبهارات مطيّبة وسكّر وسمنة كي يخبزوها، فتوضع في صوان مستطيلة عريضة وتدخل إلى الفرن كي تشوى على نار هادئة”.
موصدةٌ على الذكريات
في النبطيّة اليوم نحو 12 فرنًا تعمل جميعها على الغاز، ولم يعد أحد يشغّل فرنًا تقليديًّا قديمًا. يقول صبّاح: “كنّا قبل استهداف الفرن وتدميره لم نزل نحافظ على التقليد وعلى الفرن الحجريّ شبه الوحيد في المدينة، ربّما تكون هناك أفران مماثلة، لكنّ أبوابها باتت موصدة على الذكريات”.
ثمّة فرن لملحمة “الزوّادة العصريّة” تمّ بناؤه منذ نحو 15 عامًا من الحجر، بيد أنّه يعمل بواسطة الغاز ولمصلحة الملحمة فقط. لقد تركت حرب تمّوز (يوليو) 2006 أضرارًا في فرننا، لم تثننا عن إعادة ترميمه، غير أنّ الحرب الأخيرة دمّرته، ولا ندري إن كنّا سنستطيع إعادته إلى هيئته القديمة، نتمنّى ذلك، إنّما هذا الأمر يحتاج إلى أموال وإلى متخصّصين في بناء الأفران التقليديّة”.
صفيحة أو سفيحة
حوّر بعض فرّاني النبطيّة كلمة “صفيحة” إلى “سفيحة” كي يميزوها عن “الصفيحة البعلبكيّة”. هي مشتقّة من الفعل العربيّ “صَفَحَ” وتعني المنبسط والمسطّح، لأنّ عجينة اللحم تفرد وتُبسط بشكل مسطّح ورقيق قبل خبزها. وفي قاموس اللغة: صفيحة: عجينٌ رقيقٌ ممدّدٌ يوضع عليه لحم وتوابل ويخبز.
في النبطيّة كانت من أقراص صغيرة لا تتعدّى مساحة الكفّ، وبرأي علي صبّاح “تلعب اللحمة وخلطتها وتوابلها مع بصل وبندورة دورًا مهمًّا في تميّزها، وللعجينة كذلك حصّة في النكهة وطيابها. هي عجينة رقيقة خامرة تلتف أطرافها بجدلة ممّيزة تعلمنّاها جيلًا بعد جيل، أنا تعلّمتها من أخوتي في أقلّ من شهر، وصرت سريعًا في تطبيقها، إلى اختيار حرارة الفرن كي تُخبز. وكنّا نضعها في صوان من حديد عندما يكون الفرن حاميًا، فتخرج “محمّرة ومقمّرة” تناديك كي تأكلها”.
وبحسب خبرته طوال ثلاثة عقود ونصف العقد فإنّ “الفرّان الشاطر يجعل من كيلوغرام اللحم وتوابله المعدّ للصفيحة بين 60 و70 قرصًا متشابهًا غنيًّا”.

أرغفة صغيرة سميكة
خاض فرن اللّوز كغيره من أفران النبطيّة تجارب المعجّنات وخبزها جميعها، منها الأرغفة الصغيرة التي كانت تنقل طازجة على ألواح خشبيّة إلى متاجر الفول والفلافل والدجاج المشويّ وغيرها، حتّى إنّها كانت تستخدم في المطاعم قبل هجوم الرغيف الكبير.
يوضح علي صبّاح أنّه كان ينقل بنفسه هذه الأرغفة على الألواح إلى متاجر السوق “مثلًا شعيب كان لديه مطعم، كنّا نحن نأخذ إليه الخبز السميك بعد خبزه مباشرة، لم يكن قد دخل بعد الرغيف الرقيق المعدّ بواسطة الماكينات والآلات الأوتوماتيكيّة. كنت أوصل الأرغفة كذلك إلى الفوّالين الراحلين أنيس بشارة وأحمد شميساني “شليص” إذ لا يقبلانها معبّأة بأكياس، بل منتفخة حامية فوق لوح خشبيّ تفوح منها رائحة الخبز العطرة؛ وإلى مطعم زريق وفلافل الأرناؤوط، والمطاعم جميعها تقريبًا كانت تشتري من عندنا الأرغفة الصغيرة السميكة المعدّة للسندويش، ولم يكن هناك أرغفة بديلة حتّى اشتغلت الأفران الآليّة وغزت المطاعم”.
صينية اللحمة والبصل
لا تحتاج صفيحة النبطيّة إلى شرح كبير يروي سيرة تميّزها في عاصمة المحافظة، فهذا يعود إلى خلطة مكتملة من لحمة “مسيّفة” ليست حمراء ولا بيضاء، معتدلة، تدخل فيها سبع بهارات وبصل وبندورة، تزيدها طريقة الفرم والخلط جودة، وتنتهي عند الفرّان بعجينة متقنة شهيّة.
لكن ثمّة “صينيّة لحمّ” مشهورة هي الأخرى في النبطيّة، “هي وبحسب وعيي قبل 40 سنة، كان لتنكة الجبن المستخدم في المناقيش غطاء من حديد، تحوّل هذا الغطاء إلى صينيّة لشيّ اللحمة المقطّعة المضافة إليها شرائح بصل وبندورة وبهارات قليلة، وأحيانًا تقتصر على اللحم فقط، في الفرن، شرط ألّا تُغسل هذه “الصينيّة” بعد استخدامها كي لا تتبدّل نكهتها، ولا تكتمل لذّتها إن لم تؤكل بخبز طازج من الفرن سميك ومحمّر” يوضح صبّاح.
مشطاح رمضان سمسم عَ طوله
يشتهر مشطاح رمضان في النبطيّة المخبوز في أفرانها التقليديّة بطوله “بين 70 سنتيمترًا ويصل إلى متر تامّ. العجينة عاديّة يضاف إليها تابل المحلب (من توابل عطريّة تُستخرج من نواة بذور كرز المحلب البرّيّ. يُطحن ويُضاف بكمّيّات قليلَة جدًّا إلى العجين لمنحه رائحة زكيّة ومذاقًا دافئًا يشبه مزيج اللّوز المرّ والكرز)، وقليل السكّر وتحويجة خاصّة من اليانسون المطحون ودَقَّة الكعك (خليط عطريّ من البهارات المطحونة مثل اليانسون، والشومر، والمحلب، والقرفة)، تخلط مع الماء ويدهن بها المشطاح، فتساعد على التصاق السمسم الذي يرشّ عَ طوله بالعجين، فلا ينفكّ عنه بعد حرارة الخَبز، ويخرج من الفرن محمّرًا مقمّرًا”.
كان الخبّازون يتفنّنون في رسم وجه المشطاح بخطوط هندسيّة ودوائر تمنح المشطاح بعدًا جماليًّا يضاف إلى رائحته ونكهته الممّيزتين، وتختلف الرسمة في أثناء الرّق والمدّ بين خبّاز وآخر. أمّا عجقة الفرن الكبيرة طلبًا للمشطاح فتبدأ قبل ساعة أو أكثر بقليل من موعد الإفطار كي يؤكل سخنًا مع اللحمة المدقوقة والفراكة المشهورتين في النبطيّة ومناطق الجنوب أو على السحور مع أجبان وألبان وشاي.

خبّازون أبناء خبّازين
كان ثمّة فرنان في النبطيّة يحملان كنية اللّوز “واحد منهما لعمّي الراحل الحاج إبراهيم صبّاح، في داخل سوق حيّ السراي. وكان عمي “أبو عفيف” وحده في النبطيّة يصنع الخبز السميك، كان متخصّصًا بذلك. وكان يعدّ منقوشة زعتر لذيذة جدًّا ومشهورة، بخاصّة حينما يكون الفرن حاميًا، إذ يرشّ ملحًا في أرضه كي يبرّدها، فتخرج المنقوشة محمّرة مملّحة شهيّة جدًّا. والفرن الآخر لجدّي حسن صبّاح ومن ثمّ لأبي وعمّي فهمي “أبو فادي” وبقي حيًّا إلى تاريخ تدميره منذ شهرين ونيف” والكلام لعلي صبّاح.
اشتغل علي صبّاح في فرن اللّوز إلى جانب أخوته حسن والمهندس حسين، “وأبناء عمّي فهمي: فادي وإيهاب وحسن. إضافة إلى أولاد عمّتي من آل فرّان منهم زاهر ومحمّد، كانوا يأتون في الصيف كي يساعدونا وفي أوقات الذروة والازدحام”.
أفران تقليديّة
يتكون الفرن التقليدي من بيت نار مبنيّ بحرفيّة عالية من قبل متخصّص خبير، يشكّل غرفة الاحتراق الرئيسة التي تستمد حرارتها المتساوية من “حرّاق” المازوت. يتمّ تجهيزه بطبقات عازلة وموادّ مقاومة للحرارة على نحو القرميد والصوف الصخريّ والتربة الناريّة لمنع هدر الحرارة، مهمّتها نقل الحرارة بانتظام إلى جميع الأرغفة. وفي أعلاه مدخنة تساعد في خروج غازات الاحتراق وضمان كفاءة استهلاك الوقود.
يعمل فرن المازوت بنظام خلط الوقود بالهواء؛ حيث تسحب ماسورة طويلة وقود المازوت من خزّان أو برميل يوضع في موقع أعلى، بعيد من بيت النار، بينما تضخّ الماسورة الثانية الهواء بضغط لنفخ ورش المازوت وتحويله إلى رذاذ دقيق سهل الاشتعال بكفاءة داخل غرفة الاحتراق. يعتمد الفرن على ماسورة المازوت، وماسورة الهواء (الباور أو المنفاخ)، ورأس الحرّاق (البنير) ومهمّته مزج الرذاذ بالهواء المشتعل لتوليد الحرارة.

ملاحظة:
توفّي فهمي حسن صبّاح “أبو فادي” يوم الأحد في الثالث من كانون الثاني (يناير) 2021.
توفّي شقيقه محمّد حسن صبّاح “أبو حسن” يوم الأربعاء الـ29 من أيّار (مايو) 2024.
دمّرت إسرائيل فرنهما فجر الأربعاء الـ17 من حزيران (يونيو) 2026.



