صيف بلا مهرجانات وخسائر تنعكس على عشرات المهن

يعتقد كثيرون أنّ المهرجانات مجرّد فعاليّات فنّيّة وترفيهيّة موسميّة عابرة، إلّا أنّها في الحقيقة تشكّل رافعة اقتصاديّة حقيقيّة وقوّة جذب سياحيّ لكلّ منطقة تستضيفها. هذا العام، وبسبب الحرب التي ما زالت مستمرّة على الجنوب، وتأثير ذلك على مجمل مناطق لبنان، أُلغيت سلسلة من المهرجانات الدوليّة التي كانت تُعدّ من ثوابت الموسم السياحيّ اللبنانيّ.

من مهرجانات الأرز وبيت الدين والبترون، وصولًا إلى مهرجانات إهدن وبعلبك، وجميعها تحمل صفة “الدوليّة” يُطرح سؤال أكثر إلحاحًا: كيف يُؤثّر إلغاء المهرجانات في اقتصاد أهالي هذه المناطق الذين يعتمد دخلهم بشكل مباشر على السياحة الموسميّة؟

أثر اقتصاديّ يتجاوز المهرجان

تتجاوز منافع هذه المهرجانات حدود المكان أو الموقع الذي تُقام فيه. فالتذكرة الواحدة التي يشتريها الزائر لا يقتصر إنفاقها على سعر الدخول، إنّما تمتدّ آثارها لتشمل المطاعم ووسائل النقل والمتاجر المحيطة، بما يخلق ما يُعرف اقتصاديًّا بـ”الأثر المضاعف”.

يستفيد من موسم المهرجانات عدد كبير من الشباب الباحثين عن فرصة عمل أو عن أولى خبراتهم المهنيّة، كذلك يستفيد العمّال غير الرسميّين، من منظّمي مواقف السيّارات إلى الباعة المتجوّلين، ممّن يعملون عادةً خلف الكواليس، من مهندسي الصوت وفنّيّي الإضاءة وعمّال بناء المسارح.

هكذا، تتحوّل المهرجانات إلى نسيج اقتصاديّ متكامل، ومصدر دخل أساس، فحتّى لو كان المهرجان محدودًا بأيّام أو أسابيع قليلة، إلّا أنّ أثره الاقتصادي يمتدّ عادة إلى أشهر متتالية.

القبيّات تحت وطأة الغياب

في بلدة القبيّات على سبيل المثال، يروي يورغو إلياس (29 عامًا)، صاحب مطعم CASK، تفاصيل التأثير المباشر الذي خلّفه غياب مهرجانات القبيّات الدوليّة هذا العام على واقع عمله ومصدر رزقه.

يشير إلياس إلى حجم انتظاره موسم المهرجانات، يقول لـ”مناطق نت”: “كنّا في كلّ عام، ننتظر شهر آب (أغسطس) بفارغ الصبر، لنعوّض ما نخسره خلال الأشهر الراكدة من السنة. غير أنّ إلغاء المهرجان هذا العام أعادنا خطوات إلى الوراء”. ويضيف موضحًا أنّه كان يعتمد على موسم المهرجانات باعتباره الرافعة التي “تجبّر الكسر” وتعوّض خسائر العام بأكمله.

بالنسبة إلى إلياس، لم يقتصر الأثر على حجم الإيرادات وحده، بل طال أيضًا فرص العمل التي كان المطعم يوفّرها سنويًّا. يقول إلياس إنّه لم يتمكّن هذا العام من تشغيل الشباب الذين اعتاد الاستعانة بهم في المواسم السابقة، ولا من دفع أيّ زيادة على أجورهم، بسبب الغياب التامّ للمهرجانات وما ترتّب عنه من تراجع في النشاط.

اضطرّ إلياس إلى إغلاق مطعمه الثابت والاستعاضة عنه بـ”كشك” متنقّل لبيع الأكل في المهرجانات النحلّيّة الصغيرة التي تنظّمها البلديّة أو بعض الجمعيّات الأهليّة، في محاولة لتعويض جزء ولو يسير من الخسارة. ويشدّد إلياس على أنّ الضرر لم يطله وحده، بل امتدّ إلى قطاعات اقتصاديّة متعدّدة في المنطقة، كمحلّات السهر والمحال التجاريّة والفنادق، ويعزو ذلك إلى أنّ موسم المهرجانات كان يشكّل في السابق رافعة حقيقيّة لزيادة عدد الوافدين إلى القبيّات، في حين تراجع هذا العدد بشكل ملحوظ بعد توقّف موسمها.

في ظلّ غياب المهرجانات الكبرى هذا العام، وجدت مناطق سياحيّة كثيرة نفسها أمام موسم أقلّ حركة وبركة.

خسارة الفنادق وبيوت الضيافة

لا يقتصر تأثير إلغاء المهرجانات في قطاع بعينه، بل يمتدّ كي يطال قطاعات أخرى كالفنادق وبيوت الضيافة، هذا ما يؤكّده بّيتر الخوري (40 عامًا)، صاحب بيوت ضيافة أطلق عليها “بيت نوال” في قضاء بشرّي.

يتحدّث الخوري عن حجم الخسارة التي طالت قطاع السياحة الداخليّة جرّاء إلغاء المهرجانات، موضحًا لـ”مناطق نت” أنّ المهرجان كان يساهم في تحريك حركة الحجوزات بشكل كامل، إذ كانت نسبة الإشغال تصل إلى 100 في المئة، ما يجعل منطقة زغرتا وإهدن بأكملها في حال عجز عن تلبية الطلب، خلال موسم مهرجانات الأرز، وعن القدرة على استيعاب هذا الإقبال المتزايد.

أمّا هذا العام، فقد راوحت نسبة الحجوزات بين 30 في المئة و40 في المئة ليس أكثر، فيما بلغت نسبة الإلغاءات أكثر من 70 في المئة. ويلفت بّيتر إلى أنّ “تأثير إلغاء المهرجان لا يقتصر على فترة تنظيمه وحسب، بل يمتدّ ليشمل الشهر الذي يسبقه والشهر الذي يليه، ذلك أنّ المهرجانات تُشكّل حملة ترويجيّة تجعل المنطقة أكثر شهرة وانتشارًا وتُنشّط الحركة السياحيّة فيها، وبالتالي فإنّ إقبال الزوّار وحركة الحجوزات تكون أكبر بكثير ممّا كانت عليه قبل انطلاق حملة المهرجان”.

إلغاء يضرب 60 مهنة وأكثر

وإذا كانت شهادتا يورغو والخوري تكشفان الوجه المحلّيّ للأزمة، فإنّ الأمين العام لاتّحاد النقابات السياحيّة في لبنان، النقيب جان بيروتي، يضع هذه الشهادات ضمن إطارها الأشمل. يوضح بيروتي لـ”مناطق نت” أنّ القطاع مرّ بظروف صعبة انعكست تراجعًا ملحوظًا في المؤشّرات خلال الأشهر الماضية، إذ سجّل شهر حزيران (يونيو) تراجعًا بنسبة 33 في المئة، تلاه تراجع بنسبة 10 في المئة في شهر تمّوز (يوليو)، فيما يُتوقّع أن يسجّل شهر آب تراجعًا بنسبة 15 في المئة. ويذكر بيروتي “أنّ الأكثر تأثرًا بهذه الإلغاءات هي المناطق التي تُقام فيها هذه المهرجانات، وليس القطاع السياحيّ ككل”.

ويكشف النقيب أنّ أكثر من 60 مهنة ترتبط بشكل مباشر بإلغاء المهرجانات، بدءًا من شركات تأجير السيّارات، مرورًا بالكوافير (الحلّاق)، وصولًا إلى الأفران، إذ إنّ أيّ تأثير يطال المهرجانات ينعكس تلقائيًّا على القطاعين السياحيّ والاقتصاديّ ككلّ. ويعتبر أنّ حضور المهرجانات يشكّل عاملًا مكمّلًا للموسم السياحيّ، إذ يساهم في إطالة مدّة إقامة الزوّار وتوسيع الحركة السياحّية بشكل عام، وهو ما يفسّر حجم الفراغ الذي خلّفه غيابها هذا العام.خسارة تتجاوز الفنّ والترفيه

لا تبدو خسارة المهرجانات خسارةً فنّيّة أو ترفيهية وحسب، بل هي خسارة اقتصاديّة تمتدّ آثارها إلى قطاعات ومهن وأسر تعتمد على هذا الموسم لتعزيز مداخيلها ومواجهة أشهر الركود. وفي ظلّ غياب المهرجانات الكبرى هذا العام، وجدت مناطق سياحيّة كثيرة نفسها أمام موسم أقلّ حركة وبركة، وفنادق ومطاعم ومتاجر أمام حجوزات ومبيعات متراجعة، وعمّال أمام فرص عمل أدنى.

وعلى رغم أنّ إلغاء المهرجانات قد يكون نتيجة ظروف أمنيّة تتجاوز قدرة منظّميها وأصحاب المؤسّسات السياحيّة على التحكّم بها، إلّا أنّ حجم تداعياته يكشف أهمّيّة هذه الفعاليّات في الاقتصاد المحلّيّ، لا بوصفها مناسبات موسميّة فقط، بل كجزء من منظومة سياحيّة متكاملة. وبينما يبقى موعد عودة المهرجانات مرتبطًا باستقرار الأوضاع، يبقى السؤال الأهمّ: كيف يمكن حماية المناطق وأرزاق أهلها من تداعيات مواسم سياحيّة لا تملك قرار استمرارها أو توقّفها أو إلغائها؟

صورة لمهرجان إهدنيات 2024

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى