جولة في البترون يومٌ خارج زمن الأزمات والحرب

في سوق البترون، وبعيدًا من ضجيج الحرب والأزمات، تسير الناس في الشوارع والمقاهي والملاهي الليليّة بطمأنينة وأمان. هنا عالم موازٍ، بعيد من كلّ ما يجري في لبنان من أزمات. يأتي اللبنانيّون لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، لتمضية الوقت مع الأصدقاء والعائلة، أو حتّى لمجرد المشي في شوارع المدينة القديمة. هذه البقعة من لبنان تنسجم مع زوّارها، وهي بالنسبة إلى كثيرين مدينة السهر والحبّ والبحر.

تضجّ البترون بزوّارها، تمشي في سوقها القديم، تتوقّف عند مطاعمها، تشرب الليموناضة الشهيرة، ثمّ تكمل طريقك باتّجاه البحر. وفي كلّ مرّة، تبدو البترون وكأنّها تعرف كيف تستقبل الناس وتترك لهم شيئًا منها.

لا شكّ في أنّ المدينة تعتمد بشكل كبير على السيّاح والزوّار، ليس فقط الأجانب، بل اللبنانيين أيضًا القادمين من مختلف المناطق. وهذا العام، تبدو البترون أكثر ازدحامًا بالقادين إليها، وفق أصحاب المصالح الذين التقيناهم في جولة داخل المدينة.

البترون من قلب البحر

في جولة استغرقت نحو نصف ساعة، جرت قبالة شاطئ البترون واكتشفنا معالم المدينة من زاوية مختلفة. طوال الرحلة، لم تفارق الضحكة وجه “أنطوني”، أحد أبناء المدينة. شغّل الموسيقى، وتركها ترافقنا في رحلة البحر، بينما كان يتحدّث عن البترون وحركتها هذا الصيف.

يقول أنطوني إنّ الموسم الصيفي هذا العام لا يشبه المواسم التي سبقت. ففي العام الماضي، كان عدد الأجانب أكبر، بينهم عراقيّون وأميركيّون وسيّاح من جنسيّات مختلفة. أمّا هذا العام، فالنسبة الأكبر من الزوّار، هم من اللبنانيّين.

لا يرى أنطوني الذي واصل حديثه لـ”مناطق نت” في ذلك “أمرًا سلبيًّا، بل على العكس”. يقول “من الجميل أن يتعرّف اللبنانيّون أكثر إلى بلدهم ومدنه، وأن يكتشفوا أماكن ربّما لم يزوروها من قبل”. كلفة الجولة البحريّة مع أنطوني بلغت نحو 15 دولارًا، وهو سعر يقول أنطوني إنّه يحاول من خلاله أن يبقي الرحلة في متناول أكبر عدد ممكن من الناس، “حتّى يتمكّنوا من الاستمتاع ببحر البترون واكتشاف المدينة من خلاله”.

أنهينا الجولة البحريّة، وتوجّهنا نحو سوق البترون التاريخيّة. ثمّة مبانٍ قديمة، وشبابيك خشبيّة، وأبواب تحمل آثار السنين، وممرّات ضيّقة تتداخل فيها المطاعم بالمتاجر الصغيرة. في هذا المكان، تشعر أنّ المدينة تحاول الحفاظ على هويّتها القديمة، على رغم الحركة السياحيّة المتزايدة.

رحلات بحريّة في البترون
الحرب لم تغب

بالصدفة، التقيت سعاد، صاحبة بسطة صغيرة في السوق، تبيع الهدايا وبعض المستلزمات والألعاب. رحبت بنا، وسرعان ما تحوّلت الدردشة القصيرة إلى حديث عن البترون والحياة فيها.

لكنّ مواضيع الحرب لا يبدو أنها ستغيب عن أيّ حديث في لبنان، حتّى هنا. تقول سعاد لـ”مناطق نت” إنّ أهل البترون بعيدون نسبيًا من الحرب، لكنّ ذلك لا يعني أنّهم لم يتأثّروا بالأوضاع الأمنيّة والاقتصاديّة. وتوافق أنطوني في أنّ عدد المغتربين والسيّاح الأجانب أقلّ هذا العام، لكنّها تؤكّد أن البترون تعوّض جزءًا من ذلك بأهل لبنان. وتختزل علاقة المدينة بزوّارها بجملة: “البترون بتفرح باللبنانيّين، وتعمر بأهلها”.

لا تشكو سعاد من تراجع الحركة الاقتصاديّة، لكّنها تؤكد أنّ السنوات الماضية كانت أفضل: “الحركة موجودة، والناس تأتي، لكنّها ليست بالحجم الذي اعتادت عليه المدينة سابقًا”.

ألبان وأجبان وغداء

على بعد أمتار، كانت سلوى دادا، ابنة البترون، تسقي شتولها المزروعة إلى جانب السوق. “ميّة هلا”، قالتها ببساطة، وكأنّنا نعرفها منذ سنوات.

كيف تستطيع دادا العيش في مدينة تشهد كلّ هذه الزحمة؟ تجيب: “اعتدت عليها”، وتقول لـ”مناطق نت” ضاحكة: “البترون، بالنسبة إليّ، مدينة السهر والضجيج، لكنّني أحبّ أن أرى الناس ما يفرحني بالأجواء التي تصنعها المدينة في الصيف”.

دادا تبيع كذلك الألبان والأجبان والمؤونة البلدية من منزلها. تقول إنّ “الحركة مقبولة، وإنّ الناس لا تزال تشتري، وإنّ الموسم الصيفي يبقى مهمًّا لأصحاب المصالح الصغيرة”.

أنهينا حديثنا مع دادا بترحيب جديد، ودعوة إلى الغداء. ربّما هذه واحدة من الأشياء التي تميّز البترون: سهولة أن تدخل في حديث مع شخص لم تعرفه قبل دقائق، وكأنّك واحد من أهل المدينة وتعرفه من دهر.

حجزت البترون لها مكانة مهمة في خارطة السياحية اللبنانية
من لا يعرف حلمي؟

لا يمكن اكتمال زيارة البترون من دون العروج لعند حلمي وعصيره، الليموناضة التي أصبحت جزءًا من هويّة المدينة. كوب بارد في يوم صيفيّ، بعد جولة في السوق، طقسٌ لا تكتمل الزيارة من دونه.

وبعيدًا من زوّار النهار، تستقبل البترون أيضًا من يقرّرون البقاء يومين أو أكثر. كثيرون يستأجرون شققًا أو شاليهات لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. طوني، يعمل في تأجير الشقق، يقول إنّ “هناك حركة جيّدة هذا الصيف، وخصوصًا من اللبنانيّين. أصبحت البترون، مقصد كثيرين لقضاء عطلة قصيرة من دون الحاجة إلى السفر خارج لبنان”.

يتابع طوني عن أسعار الإيجارات فيقول لـ”مناطق نت”: “تتراوح أسعار الإقامة، وفق الموسم والمكان، بين نحو 120 و500 أو 600 دولار لليلة الواحدة”. يستفيد طوني أيضًا من الموسم من خلال الـ”ميني فان” الخاصّ به، الذي يستخدمه لتنظيم جولات للزوّار داخل البترون، خصوصًا لمن يريدون التعرّف إلى السوق والمعالم القديمة وأبرز الأماكن في المدينة.

في البترون، لا تحتاج إلى برنامج سياحيّ طويل. يكفي أن تبدأ جولتك من السوق القديمة، ثمّ تتوقّف عند أحد المقاهي، لتعود وتتناول شيئًا من مطاعمها، ثم تيمّم وجهك ناحية البحر. المدينة صغيرة بما يكفي لتتمكّن من اكتشافها سيرًا على الأقدام، وغنيّة بما يكفي لتشعر أنّ كلّ شارع فيها يحمل حكاية.

صورة مصغّرة عن لبنان الجميل

ربّما أكثر ما يلفت في البترون هو هذا التناقض الجميل. على مسافة من بلد يعيش أزمات سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّة متتالية، هناك مدينة تستمرّ في استقبال الناس، وفيها أصحاب متاجر ينتظرون موسم الصيف، وشباب يخرجون ليلًا، وعائلات تأتي لقضاء يوم، ولبنانّيون قرّروا أن يكتشفوا بلدهم عوضًا عن أن يبحثوا في وجهة خارجيّة.

جولة واحدة في البترون تجعلك تفكّر قليلًا في لبنان الذي نعرفه، أو ربّما لبنان الذي نريد أن نتذكّره. بحر، حجر قديم، أسواق، ناس من مناطق مختلفة، ولهجات متعدّدة تجتمع في شارع واحد.

هي صورة صغيرة عن لبنان بكلّ تناقضاته، لكّنها في الوقت نفسه صورة عن لبنان الذي يستطيع أن يجمع أهله، ولو لبضع ساعات، حول البحر والموسيقى والطعام والضحك.

في البترون، ربّما تنسى قليلًا أخبار الحرب والأزمات. ليس لأنّها غير حاضرة، بل لأنّ الحياة هنا تذكّرك بأنّ لبنان لا يزال قادرًا على الفرح، وأن أجمل ما فيه، في النهاية، ليس الأماكن وحسب، بل الناس ممّن يملؤونها حياة.

جولة سياحية في أزقة البترون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى