يشيخ الليل ولا يأتي النوم.. عن الأرق والمعادلات اللانهائيّة

 لست أدري من القائل: “يشيخ الخلود في ليلة انتظار”. ولكن ماذا لمّا يكون المنتَظَر في هذه الليلة وفي كلّ ليلة، النوم؟ مَن الذي تراه قد يشيخ في هذه الحال؟

يفضي الأرق المستمرّ أكثر ما يفضي إلى قناعة مفادها أنّ النوم ليس حاجة العيون فقط، إنّما بالأحرى هو حاجة الروح. فالنوم عندئذ هو تلك الحال التي ترمّم السبل السلسة للذهن، وهو أيضاً تلك التربة النادرة والمباركة التي تسدّ تلك الفجوات العميقة داخل ذهن صاحب الأرق.

لست أدري إلى ماذا يتحوّل السرير في ليالي الأرق المهلكة، لكنّني أتخيّله أقرب إلى ميدان معركة، حيث التطاحن الذي لا نهاية له بين جيوش جرّارة من الأفكار والأوهام والتخمينات والظنون، والتقلّبات المضنية فوق الفراش. فالتقاط خيطان الإغفاءة إبّان ليالي الأرق الجهنّميّ هو نعمة تجافي في بعض متونها كلّ منغّصات الليالي السابقة أو المتوقّعة في ما سيلي من ليالٍ موحشة، حيث أنياب العيون المحدّقة في السقف وفي الجدران.

أرق يطرد النوم بلؤم

من المضني أن يتحوّل النوم إلى كائن متطفّل يعمل الأرق على طرده بكلّ لؤم وخبث وبكلّ عدائيّة، وربّما أيضاً بكلّ شماتة واستخفاف. إنّها أفكار ملبّدة بالسواد تعاضد حرب الأرق ضدّ النوم. فمع الأرق غالباً ما يكون المرء مغبّة ظلال مترعة بالألغاز، ومغبّة جملة من اليقينيّات التي – للمفارقة – تقوم على محض الظنون. إنّ انصراف الانتباه إلى ما هو خارج المتوقّع من أبرز علامات الأرق، هذا فضلاً عن تراكم طين ما يعتور النهارات من انزعاجات وأذى ومنغّصات.

ترانا في أثناء وحشة الأرق نتملّق النوم عبر إغماضات كاذبة، وعبر احتضان الوسادة، وعبر نشر البطّانيّة فوق كلّ الجسد وصولاً إلى قمّة الرأس، لكنّ للأرق على الدوام مسالكه السرّيّة التي تُرهق كلّ ضروب تملّقات النوم.

على الرغم من وعورته، ترى الأرق في بعض تعييناته يسوق المرء فوق السرير إلى نمط من الرتابة غريب، رتابة تقوم على ذلك التوزيع الدقيق للنظرات نحو عتمة سقف الغرفة، ونحو حيطانها، ونحو الستائر المنسدلة فوق هذه النافذة أو تلك. إنّها الرتابة التي تودي بالنوم لأن يكون محض غياب، بل محض تبعثر لا يعرف الحدّ الأدنى من التكبّل بعضه على بعض.

المعادلة اللانهائيّة

إنّ النوم لدى الذين لا يعانون من الأرق هو فعل تلقائيّ يشبه المعادلة التي تقول إنّ 1+1=2، إنّما لدى ناس الأرق فإن الـ1+1 قد تساوى 3 أو 10 أو مليون وأكثر، ذلك أنّ زحمة ذهن إنسان الأرق تقتات على المستحيلات. تتزاحم الكلمات داخل هذا الذهن، يفيض اللسان بعبارات لا تكفّ عن البعط (الإفراط والمبالغة في الجهل أو الفعل القبيح) داخل الفم المطبق بإحكام، وتُصَمّ الآذان بجملة من الأصوات المنبعثة من داخل ميكروفون مخفيّ لكنّه جيّد الصنعة والإتقان.

إنّ الأرق الذي يتربّص خفية بسيرنا نحو غرف النوم، يتمدّد قبلنا فوق الأسرّة، ويحوّل الجسد إلى محض جلبة لا تعرف استقراراً.

فإذا بهذا الجسد المسكين، مع تملّك الأرق منه، يصير أقرب إلى كتلة مجهولة المعالم والمواصفات، بل وتراه لا يكفّ عن التدحرج من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق، حيث ذلك التجسّد الفعليّ لأسطورة سيزيف الأغريقيّة، إنّما ليس فوق الجبل كحال سيزيف، إنّما فوق السرير (سيزيف شخصيّة في الأسطورة الأغريقيّة عاقبته الآلهة بأن يرفع صخرة إلى قمّة جبل ثمّ يتركها تتدحرج ليعود ويرفعها من جديد إلى أبد الآبدين).

“لقد أرهقني النعاس ولكنّني لم أستطع النوم”، هي عبارة يكرّرها من هو مصاب بلعنة الأرق.

الليل الذي لا ينصرم

إنّه الأرق الذي يسوق ناسه إلى صمت مشوب بالرهبة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تراه يسوق هؤلاء الناس إلى فيض الكلام، وفي كلا الحالتين ترى الصمت وفيض الكلام أشبه بدبابيس تجيد النخر، إذ النوم عندئذ محلّ اضمحلال، محلّ فرار ومحلّ غياب، وما ساعات الليل في هذا السياق إلّا مكوثاً لا يعرف الانصرام.

تتجاوز ساعة الأرق الستّين دقيقة، وتراها تقارب مرور الوقت كمجرّد وهم ومجرّد انبساط أو انكماش لجسد يتقلّب وقد أضناه النعاس الذي يجافي النوم…

“لقد أرهقني النعاس ولكنّني لم أستطع النوم”، هي عبارة لا تني تتكرّر من قِبل من هو مصاب بلعنة الأرق، والنعاس في هذا الصدد يتحوّل بدوره إلى أن يكون لعنة، بل ليكون سوطاً يجلد العيون المترهلة فوق وجه تكاد قسماته أن تكون محلّ تحالف مع شيطان الأرق اللعين.

فبين تطاول الأفكار وانكماشها، وبين وابل النظرات ومعس العيون، إنّ الأرق ساحة حرب شخصيّة بين الإنسان ونفسه، بينه وبين ظنونه، وصولاً لأن تكون حرباً حامية الوطيس بين إنسان الأرق هذا وكلّ العالم… كلّ العالم عن بكرة أبيه.

إغفاءة كاستراحة محارب

ينبلج الفجر بضوء خجول، بينما الأرق يخفّف من حدّة وقاحته، لينعم إنسان الأرق من ثمّ ببقيّة إغفاءة هي أقرب إلى استراحة محارب في حرب ضروس. ترى النوم في هذه اللحظات الخجولة بمثابة عمليّة سطو تواطأ الأرق اللعين على السماح بها، وإلّا ما كانت لتتمّ، وإلّا ما كان للنوم لأن يستقرّ داخل العيون.

أختم هذه المادّة بالقول: إنّ ثمة إجماعاً تاريخيّاً على أنّ الأرق شيطان شرّير، وليس من باب التعسّف في هذا الصدد أن وَلّدتْ جملة من الشعوب آلهة خاصّة لمحاربة هذا الشيطان الجهنّميّ، وتراني وقد أنهيت علبة الدخّان (التبغ) الأولى أثناء سيري بين غرفة القعدة والشرفة، أستجدي الربّ الطيّب مورفيوس، ربّ النوم عند الرومان، أستجديه بأن يمدّني بنأمة إغفاءة قصيرة، وهو المشهود له بالتغلّب على وحش الأرق الذي لا يعرف الرحمة من قريب أو من بعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى