فيروز وزياد في قبضة فوضى الذكاء الاصطناعيّ

يبدو في عصر الذكاء الاصطناعيّ، تسقط لدى البعض قيمة الأرشيف الحافظ للتاريخ، وتتفوّق عليه الفيديوهات المتخيّلة التي تلدها الآلة. هذا، في الأقلّ، ما تواجهه منصّات التواصل الاجتماعي في ما يتعلّق بفيروز وابنها الراحل زياد الرحباني. قامتان فنّيّتان، لعبتا دوراً أساساً في تكوين ذاكرة اللبنانيّين الجماعيّة، وكثير من الناس في بقاع الوطن العربيّ.

على رغم أرشيفهما الغنيّ بالصور والفيديوهات والتسجيلات التي توثّق مراحل عدّة من حياتهما، يظهر المهووسون بأدوات الذكاء الاصطناعيّ، المتجاهلون قيمة هذا الأرشيف، يولّدون فيديوهات للاثنين، ويأتي بعضها مستفزّاً لأقصى الحدود، فتصوّر زياد وهو يقاوم الغرق في البحر مثلاً، أو إنّه يتحدّث إلى والدته باللغة الإنكليزيّة، كذلك يأتي بعضها على شكل “فيديو كليب” من أغنيات فيروز، وكأنّ فيروز لو أرادت لهذه الأغنيات أن تكون مصحوبة بعملٍ بصريّ لما فعلت ذلك. كذلك فإنّ الأمر يمتدّ أحياناً فيطال الراحل عاصي الرحباني وحتّى نجله هَلِي.

“لا تعليق. لم أشاهد هذه الفيديوهات، ولا أريد مشاهدتها”، هكذا جاء ردّ ريما الرحباني لـ”مناطق نت” حين سألناها عن رأيها بهذا النوع من المحتوى (وقد جاء ردّها لطيفاً، على عكس ما يروّج عن ردودها في وسائل الإعلام).

لكنّ هذا الردّ لا يُسقط الأسئلة الملحّة حيال الموضوع: ماذا تخدم هذه الفيديوهات والصور غير الواقعيّة؟ ما الهدف منها؟ لماذا توَلّد أساساً بوجود الأرشيف المتاح للعامّة؟ ما تبعات انتشارها على منصّات التواصل الاجتماعيّ؟ وما الدور الذي يلعبه هذا المحتوى في المسّ بالذاكرة الجماعيّة؟

هكذا تُزيَّف الحقيقة

الموضوع هنا لا يتعلّق بـ”قدسيّة” الشخصيّتين، ولا بـ”حرمة المتوفّى”، الأمر يمسّ صورة من عرفهما الشعب وأحبّهما فيها. يحاول مستخدمو أدوات الذكاء الاصطناعيّ – وربّما من دون إدراكهم ذلك – تغييرها، جرّها إلى مكانٍ لا يُشبه فيروز ولا زياد. وأنّها مهما بدت واضحة في أنّها مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعيّ، سيظلّ هناك من يصدّقها ويتبنّاها على أنّها واقع.

“المشكلة لا تكمن فقط في أنّ هذه الفيديوهات لا تحتاج كثيراً من الجهد لإنتاجها، إنّما في أنّ هناك جمهوراً مستعدّاً لتقبّلها وتداولها وإعادة نشرها على أنّها شيء جميل، ممّا قد يُساهم في الدرجة الأولى بدعم منشئ الفيديو ربّما بعدد المشاهدات أو بالربح الماليّ من المنصّات”، يقول الصحافي والخبير في تدقيق المعلومات، محمود غزيّل، لـ”مناطق نت”.

ويضيف “بشكل شخصيّ، أرى أنّ هذا المحتوى هو نوعٌ من التزييف للتاريخ والحقيقة، بخاصّة عندما يتعلّق الأمر في شخصيّات لها القدر والقيمة لدى شريحة واسعة من الناس، أو حتّى بالأحداث التاريخيّة بشكل عام. عندما يتمّ الاستعانة بالذكاء الاصطناعيّ لتوليد هذا النوع من الصور والفيديوهات، يفصح صانعوه عن ذلك وينوّه بأنّه “محتوى متخيَّل”، ولكن على رغم ذلك، هناك كثير من الناس قد تتداولها على أنّها واقع يحصل أو حصل فعلاً”.

استغلال الشخصيّة المحبوبة

إنّ الأمر لا يتعلّق بذوق شخصيّ أو مفهوم جماليّ، هذا أيضاً ما يؤكّده غزيّل “قد يكون من الجميل أن نرى الوجوه القديمة التي تعوّدنا عليها بالأبيض والأسود، أو بالألوان الباهتة، بمظهر جديد وألوان ساطعة وصورة برّاقة وجذّابة، لكنّ هذه الصورة الحديثة هي تزييف للواقع وللتاريخ وللقيمة التي يحملها، لأنّها تضيف شيئاً لم يكن موجوداً”.

ويشير غزيّل إلى أنّ “الناس تنجذب للمحتوى العاطفيّ الذي يثير النوستالجيا، ولا بدّ من أن يكون هناك طرف معيّن يحاول استغلال هذه العاطفة عبر إنتاج مشاهد لم تكن موجودة ونشرها على منصّات التواصل الاجتماعيّ كي يحصل على شهرة ما من خلالها. لكن، المشكلة الأساس تكمن في أنّ هذا النوع من المحتوى، يتناول أشخاصاً نعرفهم ولهم جمهور يراهم بشكل وبصورة معيّنة ولا يريد أن يتدخّل الذكاء الاصطناعيّ في نزع هذا الطابع التاريخيّ عنهم أو عن وجوههم الأصليّة”.

صورة للسيدة فيروز مولدة بالذكاء الإصطناعي
المستقبل بقبضة الذكاء الاصطناعيّ

على رغم ذلك، هذا لا يعني أنّ نيّة منشئي المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعيّ هي نيّة سيّئة بالضرورة، وأنّهم يدركون تبعات نشر هذه الفيديوهات والصور. ربّما يعتقد البعض منهم أنّ هذه الوسيلة التي تناسبهم للتعبير عن حبّهم لشخصيّات مثل زياد وفيروز، بينما يحاول آخرون عرض قدراتهم في تطويع أدوات الذكاء الاصطناعيّ، لعلّ ذلك يفتح لهم أبواباً للعمل مع بعض شركات الإنتاج، وبالطبع، يستخدمون وجهيّ فيروز وزياد ليضمنوا أنّ الفيديو سيؤدّي مهمّته في لفت النظر.

وفي زمنٍ بات النجاح يُقاس بعدد المتابعين والتعليقات والمشاركات، فإنّ الغالبيّة ربّما تجد في وجهيّ فيروز وزياد وسيلة مضمونة لجذب المتفاعلين.

“أستخدم الذكاء الاصطناعيّ لإنشاء فيديوهات تُمثّل تخيّلي المتصوّر لأغنيات لم ينتج لها فيديو كليب. عندما أنشئ فيديو لفيروز أو زياد أو أيّ شخصيّة معروفة، يكون هدفي هو مشاركة تخيّلي لأغنيّة معيّنة لهما مع الناس. وأحرص طبعاً على عدم الإساءة إلى قامة الفنّانين”. هذا ما تقوله الفلسطينيّة المقيمة في رام الله (فلسطين المحتلة) لور الخواجا (20 عاماً).

ترى الخواجا أنّ المستقبل كلّه سيكون من ولادة الذكاء الاصطناعيّ، وتضيف لـ”مناطق نت”: “جميلٌ أن نجسّد أحداث التاريخ، إن كانت أغنية أو شخصيّة أو أيّ حديث تاريخيّ بواسطة الذكاء الاصطناعيّ، أو بواسطة الطريقة التي تناسب كلّ شخص منّا، ربّما تكون الرسم. ماذا يختلف رسم فيروز يدويّاً عن صناعة فيديو لها بواسطة الذكاء؟ بالعكس! ربّما تبدو نتيجة الذكاء الاصطناعي أجمل”.

من يتحمّل مسؤوليّة تصديقها؟

ولا ترى الخواجا أنّ الفيديو المولّد بالذكاء الاصطناعيّ يعبث بقدسيّة أحد، وتشير إلى أنّ “هناك كثيراً ممّن يولّدون فيديوهات لقصص وشخصيّات دينيّة مثلاً، لا يمكنني اعتبارهم يعبثون بقدسيّة هذه الشخصيّات، لأنّهم يحافظون على سياق القصّة ولا يهينون شخصيّاتها. الأمر نفسه ينطبق على الأغنيات ومغنّيها”.

في سياق حديثها، تؤكّد الخواجا أنّ هدفها نبيل، وتضيف: “طبعاً هناك من سيعتقد أنّ هذه الفيديوهات واقعيّة، خصوصاً الطاعنين في السنّ، لكنّ هذه المشكلة لا أعتبر أنّني مسؤولة عنها، فهي تكمن بمدى وعي الشخص المتصفّح”.

الكراهيّة ليست حلّاً

المشكلة اليوم، في أنّ تطبيقات الذكاء الاصطناعيّ متاحة للجميع. هذه التطبيقات لا تكترث لعمر المستخدم، ولا لخلفيّته الثقافيّة أو مدى وعيه وإدراكه. يكفي المستخدم أن يدفع اشتراكاً شهريّاً كي ينفتح أمامه عالمٌ مبنيّ بواسطة الآلة التي يتحدّث إليها. الرأي العام، مهما كان معارضاً لما يُنشئه هؤلاء المستخدمون، لا ولن يُجدي لردع أو ضبط مثل هذا النوع من استخدامات الذكاء الاصطناعيّ.

طبعاً، إنّ مهاجمة أصحاب هذا النوع من المحتوى، ليست خياراً سليماً، فبعض أصحاب هذا النوع من المحتوى هم من المراهقين، غير المدركين للجانب المظلم من محتواهم، وجلّ ما يفكرون به هو الطريقة الأمثل لزيادة عدد المتابعين على صفحاتهم. المهاجمة القاسية لهم، عبر التعليقات أو حتّى الرسائل الخاصّة، لن تحقّق سوى قسوة وكراهيّة تجاه أفراد ما زال بعضهم دون سنّ الثامنة عشرة.

الحل الوحيد، يكمن في إصدار قوانين تواكب عصر الذكاء الاصطناعيّ الذي أُجبرنا على التعايش معه. والمطالبة بهذه القوانين لا يجب أن تتمّ على صعيد محلّي فقط، بل على صعيد عالمي، فهناك من يعيش في تايلاند مثلاً، يحلو له أن يعبث بوجه شخصيّة معروفة تعيش على الجانب الآخر من الكرة الأرضيّة.

الموضوع لا يتعلّق بـ”قدسيّة” الشخصيّتين، ولا بـ”حرمة المتوفّى”، الأمر يمسّ صورة من عرفهما الشعب وأحبّهما فيها.

الحلّ في يد القوانين

منذ العام 2023، وحتّى اليوم، برزت دولٌ عدّة في إقرار قوانين تهذّب استخدامات الذكاء الاصطناعيّ، وتمنع استخدام وجوه الشخصيّات العامّة وحتّى وجوه الأفراد العاديّين دون إذن منهم.

مع بداية شهر أيلول (سبتمبر) الجاري مثلاً، أصدرت المحكمة الشعبيّة العليا في الصين توجيهات قضائيّة تستهدف المخالفات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعيّ، وفي مقدّمها تزييف الصور ومقاطع الفيديو واستنساخ الوجوه والأصوات من دون موافقة أصحابها.

وفي قانون الذكاء الاصطناعيّ الصادر عن الاتّحاد الأوروبّيّ العام 2024، يُفرض على مستخدمي أنظمة الذكاء الاصطناعيّ الإفصاح بوضوح عن أنّ المحتوى مصطنع أو معدّل، في حال استعانتهم بصورة أو فيديو أو صوت يُشبه شخصاً حقيقيّاً بشكل قد يجعل المشاهد يعتقد أنّه حقيقي.

وأقرّت ولاية تينيسي الأميركية مثلاً، خلال العام 2024 قانون ELVIS Act، الذي وسّع حماية الحقوق الشخصيّة لتشمل الصوت، إلى جانب الاسم والصورة والشبه. ويتيح القانون مقاضاة من ينشر أو يتيح للجمهور صوتاً أو صورة أو شبهاً لشخص من دون إذنه في ظروف معيّنة.

الرقابة الذاتيّة… تمرينٌ يوميّ

هناك بالطبع أمثلة أُخرى عن قوانين صدرت في العالم، تتعلّق باستخدام الوجوه والشخصيّات العامّة، ولو لم يكن وجودها حاجة وضرورة لما صدرت. هذا ما نحتاجه اليوم، في لبنان، وعالميّاً، قوانين مُطبّقة، تُهذّب استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتُلزم الجميع التقيّد بها.

ولكي نبقى واقعيين، فإنّ في بلدٍ مثل لبنان، تحكمه الحروب والأزمات والخلافات السياسيّة التي تعرقل إقرار أيّ قانون، لن تكون قوانين الذكاء الاصطناعيّ ضمن أولويّات الدولة اللبنانيّة عمّا قريب. هكذا، لا يبقى لنا سوى حلٍّ وحيد: الرقابة الذاتيّة.

هي تمرينٌ يوميّ، بات ضروريّاً في عصرٍ يملؤه التزييف. فقبل أن نضغط زرّ الإعجاب أو المشاركة على أيّ صورة أو فيديو، علينا أن نسأل أنفسنا: هل هذا المحتوى واقعيّ؟ ما الهدف من وجوده وماذا يخدم؟ وما تأثير مشاركتنا له في الآخرين والشخصيّة التي يصوّرها؟

في النهاية، تجدر الإشارة إلى أنّ هذا النوع من المحتوى، لا يكتفي بتصوّرات خياليّة تتعلّق بالرحابنة، بل يطال كثيراً من القامات الفنّيّة والشخصيّات المعروفة مثل وديع الصافي وملحم بركات، وحتّى شخصيّات سياسيّة وإعلاميّة وتاريخيّة. إنّما الأكثر انتشاراً منها، هي تلك التي تتناول فيروز وزياد، نسبةً إلى رمزيّتهما الوطنيّة والفنّيّة وشعبيّتهما الواسعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى