البقاع الأوسط في القرن السادس عشر: ازدهار زراعي وإنتاج وفير (2)

التطوّر الاقتصاديّ في ناحية قرنة البقاع (القورنه) 1525-1574

يعرض د. عبدالله سعيد في هذا التحقيق للتطور الاقتصادي في منطقتي البقاع الأوسط والغربي (القورنة)، وفق التقسيم الإداري الحالي، واللتين تمتدان من كسارة وحتى قب الياس، وذلك إبّان الحقبة العثمانية، وتحديداً في القرن السادس عشر بين عامي 1525 و1574. ويرصد فيه حركة الإنتاج من حبوب وكروم ومواشي وغيرها. ولأن التحقيق طويل جداً، ارتأينا أن ننشره على جزأين: الأول نشر قبل أيام تناول فيه غلّة الحبوب، والثاني ننشره اليوم ويتناول الكروم ومال الصيفي.

وكنا قد نشرنا قبل فترة تحقيقاً للمنطقة ذاتها وللفترة نفسها، والذي يرصد تطور السكان وحمل عنوان: “التطور السكّانيّ في ناحية القورنة / قرنة البقاع بين سنة 1525 و1574م“. وقد استهل د. سعيد تحقيقه بتعريف وشرح لبعض المصطلحات التي استخدمها، والتي سننشرها في الجزءين الأول والثاني.

“المحرر“

تعريف ببعض المصطلحات

الديموس: هو نوع من الخراج المقطوع على غلّة الحبوب والكروم ومال الصيفيّ وكان يساوي عشراً أو قسماً من الربع أو من الثلث أو من الخمس. وفي ناحية قرنة البقاع (قورنه) اعتُمِد القسم من الثلث على القمح والشعير والموالح والذرة وقسم من الربع على مال الصيفيّ.

مال صيفيّ: هو الرسم الذي يُجبى عن الزراعات الصيفيّة المرويّة كالقطن والسمسم والأرزّ والدخن والنيلة والذرة والحبّة السوداء (حبّة البركة) والكزبرة والمقاتي والنيلة (الوسة) والقرعيّات والعصفر (القرطم) والقنّب والكتّان والخضار على أنواعها.

الغرارة: مكيال للحنطة والحبوب، تعني حرفيّاً العِدِل (العَديلَة) المصنوعة من الصوف أو الشعر، وتتّسع لنحو 12 كيلاً أو 72 مُدًّا.

المّد: وحدة للكيل وليست للوزن، وهي مصنوعة غالباً من الخشب أو النحاس أو التنك وتتّسع لحوالي 18- 20 كيلوغراماً من القمح أو 14-17 كيلوغراماً من الشعير؛ وكانت أجزاء المُّد الأكثر استعمالاً قديماً هي الثَمنيّة والرُبعيّة. وتسهيلاً للدراسة الإحصائيّة السليمة سنعتمد وزن العشرين كيلوغراماً لسعة مُدّ القمح و16 كيلوغراماً لمُدّ الشعير.

الـ “أقجة”: هي أصغر عملة عثمانيّة آنذاك كانت تساوي جزءاً واحداً من 120 جزءاً من القرش. أيّ كلّ بارة تساوي 3 أقجات باعتبار القرش يساوي 40 بارة.

البادهوا: هي رسوم تُجبى على سندات الملكيّة والمخالفات والجرائم والجنايات، ومال اليتامى والغائبين والمفقودين والجواري، ومال الوقف، ومال المواشي الضائعة، وبقايا بيت المال من سنة إلى أخرى (المتأخّرات).

عروس: وهي ضريبة الزواج (ضريبة عرفيّة وليست شرعيّة)، بحيث تُفرض بقيمة 60 أقجة على البنت المسلمة البكر والعزباء، و40 أقجة على البنت الثيّب، و30 أقجة على الأرملة المسلمة والبنت غير المسلمة، و15 أقجة على الأرملة غير المسلمة.

عادة دورة وحماية: ضرائب عرفيّة غير زراعيّة تحت اسم الدورة (مصطلح عثمانيّ يُطلَق على الزيارة التفقّديّة التي يقوم بها الوالي، أو من ينوب عنه، إلى دساكر وقرى ولايته)، وذلك لوقوع هذه القرى على أطراف بادية الشام حيث كانت الغالبيّة العظمى من سكّان تلك الأطراف من البدو الرحّل الذين كانوا يهاجمون بغزوات ليليّة القرى على المواسم فيسلبونها مواشيها وحاصلاتها الزراعيّة، ما يضطرّ والي الشام، أو أمير لواء صفد، إلى التجوال بعساكره مع أصحاب التيمار بين تلك القرى باستمرار لإبعاد غزوات البدو، لا سيّما في أثناء الحصاد وقطاف مواسم العنب والزيتون. ومقابل تلك الدورات والحماية كان سكّان القرى يدفعون الرسوم تحت اسم عادة دورة وحماية.

توطئة: ماذا تضمّنت تسجيلات الطابو دفتري تحريري؟

لقد تضمّنت بعض الدفاتر على صفحاتها الأولى قانون نامة لواء الشام، ثمّ فهرساً للنواحي التابعة، لهذا اللواء، بالإضافة إلى إحصاءات تفصيليّة لسكّان مدن اللواء وقرى النواحي المأهولة، بالأسماء الشخصيّة (الصغيرة) وأسماء الشهرة تحت عبارة ولد فلان (فلان هنا هو اسم الشهرة أيّ العائلة في معظم النصوص العثمانيّة) لجميع المقيمين فيها من الذكور المتزوّجين تحت اسم خانة، والعازبين تحت اسم مجرّد، ولجميع الأئمّة وخطباء المساجد والمؤذّنين، والأشراف وأرباب التيمار والزعماء (الزعامت) والمعفيّين من الرسوم بسبب إعاقاتهم الجسديّة أو العقليّة، كالأعمى والكسيح، والأبرص. كذلك تضمّنت معطيات اقتصاديّة هامّة يمكن استخلاصها من خلال تسجيلات الرسوم الضريبيّة لعائدات المحاصيل الصناعيّة والمغالق (جمع مَغْلَق) التجاريّة والحرفيّة والإنتاج الزراعيّ من الحنطة والشعير بشكل أساس وبعض أنواح الحبوب الأخرى كالعدس والحمّص والكرسنّة والذرة والباقية والفول والجلبانه، وإنتاج البساتين وحقول كروم العنب والتين والتوت والجوز والزيتون وسائر الأشجار المثمرة على أنواعها.

ملاحظات توضيحية

ولكن قبل متابعة البحث في التطوّر الاقتصاديّ لناحية قرنة البقاع لا بدّ من الانتباه في التعامل مع المعطيات الواردة في سجلّات الطابو دفتري، لأنّها سُجّلت من قبل أشخاص لا يتقنون فنّ الكتابة بأسلوب جيّد، ويدمجون الخطّ الرقعيّ بالثلثيّ وبالريحانيّ بالنسخيّ وبالكوفيّ وبالفارسيّ وغيرها من الخطوط المشرقيّة، ويختصرون الحروف ويوصلونها بعضها ببعض. ولا يلتزمون في وضع النقاط عليها في موضعها الصحيح وبخاصّة على التاء المربوطة وفي آخر الكلمة.

كذلك فإنّهم يسجّلون الكلام كما يسمعونه من الملقِّنين لهم بالمعلومات عن قراهم. مثلاً كأن يكتبون على دفتر رقم 430، قرية البيضا، وفي دفتر 383، البيسا، وفي رقم 474 البيصه، أو قرية رمثانيّة في الأوّل ونقرأها في الثاني الثانية، وفي الثالث السانيه. وعلى سبيل المثال لا الحصر في إحصاء 1552 (دفتر رقم 383، ص 177/1)، سجّل الكاتب أنّ عدد القرى كان تسعاً وعدد المزارع ستّاً، بينما، في الواقع، بلغ عدد القرى عشرة، وعدد المزارع سبعة.

وسجّل أنّ قيمة رسوم ديموس المرج مع المال الصيفيّ بلغت 36552 أقجة، في حين بلغت قيمتها الفعليّة 37550 أقجة أيّ بزيادة مقدارها 998 أقجة، وهذه القيمة في الزيادة التي أغفلها الكاتب كانت تشتري نحو 7.67 غرارة قمحاً، أيّ ما مقداره 552.74 مُدّاً (نحو 11 طنّاً)، وما يؤمّن الغذاء بالقمح في السنة لنحو 55 شخصاً. وفي التفاصيل سُجّلت قيمة ديموس انتاج قرية علتيت من الحنطة بنحو 10 غرارات، وبثمن قيمته 300 أقجة، وجرى جمع الحاصل على أساسها، ولكن كان من المفترض أن يكون الثمن 1300 أقجة، باعتبار أنّ سعر أقجة القمح كان آنذاك 130 أقجة (دفتر 383، ص 604). وعلى صفحات هذا الدفتر وغيره كثير من الأخطاء التي يصعب إدراجها في هذا النصّ ولكن تمّت الإشارة إلى بعضها، فقط، للتأكيّد أنّ نشر الأرقام كما هي ليست من المسلّمات المُنزلة.

كذلك فإنّ دراسة التطوّر الاقتصاديّ لأيّة ناحية من النواحي التي تشكّل منها لبنان الحاليّ هي دراسة معقّدة وصعبة، وذلك لكثرة معطياتها الإحصائيّة ولتنوّع انتاجها الزراعيّ والحرفيّ وتوزيع عائداتها الضريبيّة ورسومها حصصاً بين الخاص الهمايونيّ والزعامات وأصحاب التيمار وأرباب الأوقاف والأئمة والقضاة والكتبة والمير ميران (الوالي/ الحاكم) والميرآلاي (قائد العسكر برتبة لواء)، والدفتردار (حافظ الدفتر المالي/ الوزير اليوم) والمدارس والمساجد والأبراج.

خراج الكروم والأشجار على أنواعها ومال الصيفيّ

ملاحظة منهجيّة: حدّد قانون نامة لواء الشام الرسوم المفروضة على أشجار العنب (الكرمة) بمقدار أقجة واحدة عن كلّ مئة دالية، وأقجة واحدة أيضاً عن كلّ أربع شجرات توت، ومثلها عن كلّ خمس شجرات من أشجار الفاكهة على اختلاف أنواعها: كالجوز واللوز والخرّوب والمشمش والعنّاب والنارنج (البوصفير) والتفّاح والإجاص (الانجاص)، والزيتون بنوعيه الرومانيّ والإسلاميّ، وغيرها. لذا أحصت إدارة الماليّة العثمانيّة كلّ أنواع أشجار الفاكهة ووضعت عليها الخراج المقطوع تحت عنوان خراج الكروم وسائر الأشجار، أو الكروم والأشجار المتنوّعة. كذلك تطلّعت إلى المحاصيل الصيفيّة كالدخن والسمسم والأرز والحبّة السوادء (حبّة البركة) والكزبرة والمقاتي والنيلة (الوسة) والقرعيّات والعصفر (القرطم) ّوالقطن والقنّب والكتّان والخضار على أنواعها، ووضعت عليها الضرائب تحت اسم رسم مال الصيفيّ.

ولكن من خلال قراءة وثائق الطابو دفتري، يظهر أنّه مع أوّل عشرين سنة من الحكم العثمانيّ لبلاد الشام! عندما كان السكّان في حراكٍ دائمٍ للتفتيش عن الأراضي الزراعيّة الخصبة، لم يبدأوا بغرس كروم العنب والتين وسائر الأشجار المثمرة والتوت والجوز وغيرها من الخضار الصيفيّة المرويّة. من هنا، اقتصرت قيمة الخراج المقطوع على الكروم ومال الصيفيّ معاً في إحصاء 1525، على نحو 12850 أقجة، أيّ بنسبة 5.7 في المئة من مجموع قيمة الديموس والخراج المقطوع، والبالغة قيمتها، آنذاك، نحو 224535 أقجة، و4.2 من مجموع رسوم وضرائب العام 1552 الشرعيّة، منها: مقدار 11550 (90 في المئة)، خراج الكروم والأشجار المتنوعة، و1300 أقجة عن مال الصيفيّ (10 في المئة). ثمّ ارتفعت هذه القيمة في إحصاء 1552، إلى مقدار42766 أقجة أيّ بزيادة مقدارها 333 في المئة عن القيمة في الإحصاء السابق، ولقد تمّ تسجيل قيمة خراج الكروم والأشجار بنحو 27809 أقجة (63.3 في المئة)، وقيمة مال الصيفيّ بنحو 14156 أقجة (33 في المئة)، وخراج الكروم ومال الصيفيّ معا بمقدار 2000 أقجة (4.7 في المئة).

وهكذا احتلّت قيمة خراج الكروم ومال الصيفيّ معاً ما نسبته 9.8 في المئة من مجمل قيمة الديموس، بعدما كانت نسبتها في الإحصاء السابق نحو 5.7 في المئة، ونسبة 9 في المئة من المجموع العام لقيمة ضرائب الإنتاج الاقتصاديّ. أمّا في إحصاء 1569؛ فلقد بلغت قيمة عائدات الخراج ومال الصيفيّ نحو 37808 أقجة أيّ بزيادة مقدارها 294.22 في المئة عمّا كانت عليه في إحصاء 1525، وبنسبة 88.4 في المئة عنها في إحصاء 1552. ولقد احتلّت هذه القيمة نحو 7.74 في المئة من مجموع قيمة الديموس في إحصاء 1569، ونسبة 7 في المئة من مجمل قيمة الضرائب الاقتصاديّة في الإحصاء نفسه. ولقد توزّعت تلك الرسوم بمقدار 13308 أقجة (35.2 في المئة) لخراج الكروم والأشجار، و11650 أقجة لمال الصيفيّ (30.8 في المئة)، و12850 أقجة كقيمة للخراج ومال الصيفيّ معاً (34 في المئة).

لذا، على الرغم من هذا التراجع في قيمة الخراج ومال الصيفيّ المسجّلة على صفحات دفاتر الطابو العثمانيّ، بقيت تلك القيمة محافظةً على نموّها المطرد حتّى في إحصاء 1569، مقارنة مع إحصاء 1525، حيث ارتفعت تلك العائدات بنسبة 340 في المئة عمّا كانت عليه في الإحصاء الأوّل. ونمت البساتين والحقول المملوكة ملكيّةً خاصّةً حتّى بلغت في قبّ الياس وحدها نحو 30 بستاناً، وفي كلّ من المرج وبرّ الياس أكثر من 20 بستاناً وقطعة أرضٍ مُستثمَرَة، على سبيل المثال لا الحصر.

هكذا تطوّرت القدرة الشرائيّة لعائدات خراج الكروم والأشجار ومال الصيفيّ من 12850 أقجة أيّ ما يشتري نحو 9252 مدّاً من القمح في السنة ويغذّي حوالى 952 شخصاً، إلى 42766 أقجة وما يشتري نحو 24014,75 مدّاً، ويقدّم التغذية السنوية لحوالي 2400 شخص، ثمّ إلى 37808 أقجة وما يشتري نحو 19444 مدّاً، ويؤمّن التغذية السنويّة لحوالي 1945 شخصاً. وهذا دليل أخر على طبيعة الاستقرار السكّانيّ والأمنيّ في القرن الأوّل من السيطرة العثمانيّة باعتبار استثمار الأشجار والكروم والزراعات الصيفيّة تحتاج إلى ثباتٍ دائمٍ في المكان.

ونظراً إلى أهمّيّة شجرة التوت في التنمية الاقتصاديّة وبخاصّة الصناعة الحرفيّة وإنشاء الحلّالات العربيّة (الدواليب)، أفردت إدارة الماليّة العثمانيّة في إحصاء العام 1552، (دفتر383) تسجيلاً خاصّاً برسم خراجها، تحت اسم رسم توت مهما كانت القيمة ضئيلةً، كما كان في كلّ من قرية ناصرية (ص 600)، حيث بلغت قيمة رسم التوت 5 أقجات (كانت قيمة رسم خراج التوت على كلّ 4 شجرات أقجة واحدة)، يعني عن 20 شجرة فقط، وفي قرية رمثانيّة 19 أقجة أيّ عن 76 شجرة (ص 593). ولكنّ العدد الكبير لأشجار التوت كان آنذاك في قرية مكسه/مكسا، حيث بلغ رسم خراج التوت 2014 أقجة (ص 602)، أيّ عن 8056 شجرة. بينما في إحصاء 1569، سجّلت رسوم خراج التوت مع سائر الكروم والأشجار.

الرسوم على الماعز والنحل والجاموس والغنم

بالعودة إلى قانون نامة العثمانيّ للواء الشام، فلقد حُدِّدت الرسوم المفروضة على الحيوانات: بأن تُؤخذ أقجة واحدة عن كلّ رأسين من الماعز والغنم، و أقجة واحدة عن كلّ رأسين من الخراف والجديان، وأقجة واحدة عن كلّ خليّة نحل وآقجتان اثنتان عن كلّ جاموس…

وكما اعتمدت إدارة الماليّة العثمانيّة في الإحصاء الأوّل فرض الرسم والضريبة على كلّ ما هو منتج ومُغِل على حدة،. هكذا فرضت الرسوم على النحل والماعز بشكلٍ مستقلّ (رسم معزة ورسم نحل)، قبل أن يبدأ كاتبا الدفتر 383 و474، بدمج رسومهما معاً تحت اسم رسم معزة ونحل، ولم يكتفيا بذلك أحياناً كثيرة فدمجاهما مع رسم جاموس تحت اسم رسم معزة ونحل وجاموس، ممّا يصعب تحديد أعداد رؤوس الماعز والأبقار وخلايا النحل بصورة دقيقة، ولا سيّما في إحصاء العام 1569.

وبالعودة إلى تسجيلات الطابو دفتري تحريري للعام 1525، فلقد بلغت قيمة رسوم الماعز، نحو 17970 أقجة، فيكون عدد رؤوس الماعز نحو 35940 رأساً. ورسم النحل نحو 1935 أقجة أو خليّة. بينما في إحصاء 1552، بلغت قيمة رسم الماعز المستقلّة نحو 10966 أقجة، أيّ ما نسبته 61 في المئة عمّا كانت عليه تلك القيمة في الإحصاء السابق، فيكون عدد رؤوس الماعز المحصيّة بشكل مستقلّ نحو 21932 رأساً؛ والنحل 2316 أقجة أو خليّة. ولكن تمّ في 7 قرى دمج رسميّ الماعز والنحل معاً بحيث بلغت قيمة هذا الرسم نحو 1157 أقجة أيّ بنسبة 14.5 في المئة من قيمة رسم الماعز منفردة، وتقريباً 50 في المئة من رسم النحل منفرداً أيضاً.

وحتى لو افترضنا أنّ رسم الماعز وصلت قيمته إلى 1000 أقجة والنحل فقط 157 أقجة. يبقى هذا الرسم متدنّياً جدّاً عمّا كان عليه في العام 1525 بنحو 6000 أقجة تقريباً، أيّ بنقص مقداره 12000 رأس عن العام 1525. وفي إحصاء 1552، تمّ تسجيل رسم ضريبة الأبقار بشكل مستقلّ تحت اسم رسم جاموس في 22 قرية بحيث بلغت قيمة هذا الرسم قرابة 4310 أقجة أيّ نحو 2155 رأساً. مع العلم أنّ السلطنة العثمانيّة لم تفرض رسوماً على أبقار التربية المنزليّة العاملة أو الحلوبة المخصّص إنتاج حليبها ولحمها للإستهلاك المنزليّ، إلّا في حالات بيعها إلى القصّابين من أجل ذبحها وبيع لحمها فيدفع البائع لها عندئذ أقجتين على كلّ رأس بقر.

أمّا في إحصاء 1569، فقد دمج كاتب الدفتر في11 قرية بين رسميّ الماعز والنحل في بند واحد تحت اسم رسم معزة ونحل فبلغت قيمته 5866 أقجة، وفي 10 قرى بين رسم كلّ من الماعز والنحل والجاموس معاً لتبلغ قيمة هذا الرسم المشترك نحو 6087 أقجة، بينما في 4 قرى، سجّل رسم كلّ من الماعز والنحل منفرداً، فبلغت قيمة رسم الماعز 5910 أقجة والنحل 944 أقجة. كذلك أفرد في12 قرية بنداً خاصّاً برسم الجاموس منفرداً، لتبلغ قيمته نحو 3381 أقجة.

رسم الغنم: لم يرد هذا الرسم إلّا لمرّة واحدة في قرية علتيت، حيث بلغت قيمته 19 أقجة، فيكون العدد 38 رأساً، ليغيب هذا الرسم في إحصاء 1569.

رسم حقّ المرعى: كانت إدارة الماليّة العثمانيّة تتقاضى رسومًا عن مناطق الرعي عن كلّ مائة رأس ماعز أو غنم رأسًا واحداً، فلذا تطوّر هذا الرسم مع تطوّر تربية الماعز والأبقار بحيث بلغت قيمته في إحصاء 1525، نحو 540 أقجة، فارتفعت في إحصاء 1552، إلى 10417 أقجة يعني 1929 في المئة، ثمّ ارتفعت في إحصاء 1569، إلى نحو 16963 أقجة، أيّ بنسبة 3144 في المئة عن قيمته في إحصاء 1525، و163 في المئة عن إحصاء 1552. وهذا الارتفاع بقيمة رسم حقّ المرعى نتج عن تربية الأبقار التي بدأت تنمو منذ العام 1552، ممّا يظهر أنّ تراجع السكّان بين سنتيّ 1552 و1569، لم يؤثر كثيراً في الوضع الاقتصاديّ في ناحية القرنة بل نمت بشكل كثيف تربية الأبقار على حساب الغنم والماعز.

الطواحين: كان نشوء الطواحين يرتبط بوجود الأنهار ومجاري المياه الشتويّة، وتتقاضى السلطنة العثمانيّة 30 أقجة في السنة عن المطحنة الشتويّة بحجر واحد، و60 أقجة على المطحنة الشتويّة والصيفيّة معاً. لذا كانت منطقة جديتا ومزرعة شتورة الأكثر غنى بالمطاحن حيث بلغت في إحصاء 1525، نحو 7 من أصل 10 طواحين (70 في المئة) توزعت على 5 طواحين في شتورة، واثنتين في جديتا وطاحون واحد في كلّ من قبّ الياس واصطبل والصباريّة. بينما في إحصاء 1552، ارتفع العدد إلى نحو 31 مطحنة، ثمّ تراجع العدد في إحصاء 1569، إلى 26 مطحنة.

المعاصر: ارتبط تطوّر عدد المعاصر بتطوّر نمو بساتين كروم العنب في ناحية القرنة، بحيث لم تُسجّل في إحصاء 1525 أيّ إشارة للمعاصر، بينما في إحصاء 1552، فلقد بلغ عددها نحو 38 معصرة مع رسمٍ قيمته 12 أقجة على كلّ معصرة، واستأثرت قرية بوارش بالعدد الأكبر للمعاصر مع 10 معاصر، تليها قريتا جديتا وقمّل في كلّ منهما 6 معاصر، ثمّ قرية رمثانيّة 4 معاصر، وقرى: قبّ الياس وتعلبايا والبيضا وسعد نايل وتلّ الكردي/ الكروان في كلّ منها معصرتان. وكان في كلّ من اصطبل ومكسه معصرة واحدة. بينما في إحصاء 1569، تراجع عدد المعاصر إلى 30 معصرة (83.33 في المئة) بعد أن توقّفت 7 معاصر في بوارش، و3 معاصر في قمّل عن العمل.

دواليب الحرير

 بعد أن استقرّ السكّان، دخلت زراعة التوت بكثافة إلى أراضي ناحية قرنة البقاع. بدأ أهالي بعض القرى بإقامة الحلاّلات العربيّة التقليديّة التي نشأت قرب الينابيع والمجاري المائيّة، وكانت تلك الحلّالات كناية عن خلقينتين أو برملين، أو دستين ودولاب خشبي للفّ خيطان الحرير عليه وتحويلها إلى شلل صالحة للبيع. وبما أنّ الدولاب كان من المغالق كالمعصرة والطاحون، لذا فرضت إدارة السلطنة عليه رسماً بمقدار 40 أقجة. وكما المعاصر، لم يكن في إحصاء العام 1525، أيّ ذكر لدولاب الحرير، بينما في إحصاء 1552، فلقد بلغ عدد دواليب الحرير سبعة، توزّعت بدولابٍ واحدٍ في كلّ من تعلبايا وبوارش ومكسا، ودولابين اثنين في كلّ من جديتا وسعد نايل. وفي إحصاء 1569، ارتفع عدد دواليب الحرير إلى تسعة بعد أن تمّ إقامة دولابين في قرية قبّ الياس.

الحمّامات: تعتبر الحمّامات، أيضاً، من المغالق، لذا في إحصاء 1525، تمّ تسجيل رسوم 3 حمّامات بقيمة 2250 أقجة، في علتيت حمّام واحد (750) وفي جديتا حمّامان اثنان (1500)، بينما في إحصاء 1552، تراجعت هذه القيمة إلى 1940 أقجة على الرغم من فرض رسمٍ على حمّام اصطبل بقيمة 600 أقجة، بعد أن توقّف العمل في حمّام جديتا واعتبار حمّام اصطبل حمّاماً عامّاً. وفي إحصاء 1569، تراجعت رسوم الحمّام إلى قيمة 1300 أقجة مع اقتصارها على حمّامين فقط في كلّ من قبّ الياس (600 أقجة)، واصطبل (700 أقجة). دون الإشارة إذا ما كانت الحمّامات في كلّ جديتا وعلتيت قد أضحت خراباً.

باج بازار/ ميرة السوق التجاريّ: لم تعرف قرى ناحية قرنة البقاع الأسواق التجاريّة إلّا في قرية قبّ الياس حيث كانت هناك سوق للمواشي والدواب واللبن والموالح والقطاني وبسطة للقصّابين بحيث بلغت قيمة الباج في إحصاء 1525، نحو 1200 أقجة، وفي إحصاءي 1552، و1569، 2800 أقجة أيّ بزيادة نسبتها 140 في المئة، عمّا كانت عليه في إحصاء 1525. وعرفت قرية قبّ الياس بسطة خاصّة لبيع البطّيخ (بوستان)، قبل أن تنتقل تلك البسطة إلى مزرعة اشتورة (شتورة) حيث بلغت قيمة رسمها 250 أقجة في السنة (رسم بوستان).

رسم الصواني، أو السواني: أيّ رسم صناعة وبيع الأطباق من القشّ والقصب قبل بدء صناعتها من المعادن. ولقد تمّت الإشارة إلى هذا الرسم في إحصاء العام 1552 فقط، وفي قرية الصوّاني بحيث بلغت قيمته السنويّة 300 أقجة.

باج الغفّارتين: الغفّارة أو الخفّارة: هي بالأساس مركز أمنيّ للجمارك، أيّ مخفر، ولكن مع الزمن تحوّلت إلى نقطة عبور وسوق تجاريّة للعابرين بين منطقة وأخرى. وبما أنّ بوارش كانت القرية التي تتّصل أراضيها بأراضي ناحية متن بيروت، فلذا عرفت غفّارتين (بوّابتين) واحدة في الرمثانيّة/ الرمتانيّة لجهّة البقاع، والثانية في مزرعة المغيثة التي أصبحت منذ عهد القائمقاميّتين تتبع كلّيّاً جبل لبنان، لجهّة متن بيروت (المتن الأعلى). ولقد بلغ رسم باج كلّ غفّارة في البداية 9000 أقجة قبل أن يرتفع رسم باج غفّارة المغيثة إلى 10000 أقجة بعد أنْ سمحت السلطات العثمانيّة بإقامة مقصف لبيع الخمرة للكفرة واليهود المتنقِّلين بين هاتين الغفّارتين، في موقع خفّارة المغيثة، وليس الرمثانيّة. وهذه القيمة السنويّة للرسوم على الغفّارتين كانت مرتفعةً كإنتاج قرية مساحتها أكثر من 50 فدّانًا زراعيّاً آنذاك، بحيث كانت هذه المبالغ المستوفاة منهما تشتري على التوالي: 12960 مّداً من القمح (العام 1525م) و10523 مدّاً (العام 1552)، 9257 مداً (العام 1569) ممّا يعني أنّ هذه المبالغ كانت تؤمّن التغذية بالقمح سنويّاً لـ1296 ثمّ لـ1052، ولـ926 شخصاً أيّ لعدد سكّان قرية متوسّطة.

 

بعض الاستنتاجات العامّة
  1. من خلال دراسة المعطيات الإحصائيّة للعائدات الضريبيّة لناحية القرنة يتبيّن أنّ معظم الأراضي الزراعيّة غير المراعي والغابات كانت ملكيّةً خراجيّة وعشريّة، أيّ مملوكةً ملكيّة خاصّة وتامّة من قبل سكّان القرى التابعة لها تلك الأراضي. وكذلك الطواحين والمعاصر ودواليب الحرير والحمّامات، ما عدا قليل منها حيث كانت تتمّ الإشارة إليها بعبارة “عامّاً أو عامّ”. وهذا ما ينطبق على الأراضي المُشجَّرَة في القورنة حيث تنامت البساتين والكروم بشكل كبير بين إحصاءٍ وإحصاء. بالإضافة إلى ازدياد أعداد المعاصر والمطاحن ودواليب الحرير المرتبطة بالزراعة.

فالملكيّة الحرّة للأرض الزراعيّة تنمّي الاقتصاد وترفد خزانة السلطنة، سنويّاً، بعائدات ضريبيّة متوازنة ومستقرّة. فكلّما ازدادت الملكيّات الخاصّة ازدادت عائدات الرسوم والضرائب، كما ازدادت رؤوس أموال متعهّدي جَمْع الضرائب الذين تحوّلوا مع الزمن إلى كبار أصحاب الرساميل النقديّة، وكبار المالكين وأصحاب النفوذ والسطوة والسلطة الفعليّة إذ أُطْلِق عليهم اسم المقاطعجيّين، وفي القراءة التاريخيّة التقليديّة أمراء وحكّام، بينما هم في الطابو دفتري كانوا مجرّد متعهّدي وملتزمي جباية الضرائب (حكم الإمارة: التنّوخيّة، ثمّ المعنيّة وبعدها الشهابيّة، حكم آل الحرفوش في بلاد بعلبك وآل فريخ في البقاع الأوسط، وآل الحنش في الكرك وآل سيفا في طرابلس وعكّار وآل عسّاف في كسروان وآل حمادة في جبّة بشري والهرمل…. وآل رعد والحمرا والصغير والأيوبي وغيرهم من المقدّمين والمشايخ…).

  1. من هنا إنّ التطوّر الاقتصاديّ لنواحي السلطنة العثمانيّة لم يصادر الملكيّات الخاصّة أو يفرَّط بالملكيّات العامّة كالمراعي والغابات التي بقيت رقبتها بيد السلطنة بحيث كانت تغلّ عليها أموالاً نقديّة محترمة، حتّى ولو تخرّبت الأراضي الزراعيّة والمغالق وتقلّصت عائداتها الضريبيّة. إذاً، لو بقيت تلك الأراضي العموميّة للرعي والاحتطاب في تصرّف إدارة رشيدة وحكيمة، وأُجِّرَت سنويّاً بالبدل العادل فكم كانت تدرّ على بلديّات القرى من عائدات؟ وكم كانت التنمية المستدامة التي تساهم في إنعاش القرية الريفيّة في أيّ زمان ومكان، قد تأمّنت؟
  2. لم تشر الدفاتر في ناحية القرنة إلى وجود متعهّدين (ملتزمين) لضمان جباية العائدات الضريبيّة لأنّها كانت بمعظمها الكبرى بعهدة أهالي القرى. بل ظهرت بعض الحقول والبساتين كأملاك خاصّة لأمير من آل الحنش أو لغيره من كبار موظّفي الدولة.
  3. تنصّ التسجيلات أيضاً على أنّ عائدات الديموس والرسوم على اختلاف أنواعها كانت توزّع بين عناصر الإدارة العثمانيّة في الآستانة والولايات تحت اسم: 1- “خاص همايونيّ، أيّ السلطان والوزراء وجهازه الإداريّ المركزيّ. 2- وأصحاب الزعامت والتيمار. 3- وأرباب الأوقاف وأصحاب المدارس والتكايا والزوايا الصوفيّة والمستشفيات والجوامع ومراقد الأولياء ومدافنهم والمزارات والمستشفيات والمصحّات (بيمارستان) في الشام ومصر وبعلبك والحرمين الشريفين، والأبراج في بيروت وطرابلس، وعمارة السلطان سليمان القانونيّ في الشام.
  4. غالباً ما تكون حصّة الأوقاف أكثر بكثير من حصّة الخاص الهمايونيّ والزعامات والتيمارجية. وذلك لأنّ أرباب الأوقاف كانوا بمعظمهم جزءاً من الجهاز الإداريّ العثمانيّ المدنيّ والعسكريّ، إنْ في الخدمة الفعليّة أو في التقاعد. كالقضاة وأبنائهم وبعض الولاة المتقاعدين أو عائلاتهم وورثتهم بعد وفاتهم. حيث إنّ الإدارة العثمانيّة كانت تعتمد التعاقد الوظيفيّ، أيّ مقابل ممارسة الوظيفة يُخصّص لصاحبها مقدارٌ معيّنٌ من عائدات الرسوم والضرائب كراتب سنويّ مقطوع. فأرباب الزعامت: هم الولاة (المير ميران) أو نوّابهم، وقادة العسكر في مراكز الولايات والآستانة (الميرآلاي/ قائد اللواء).

وأرباب التيمار ليسوا مقاطعجيّين وإقطاعاً كما درسنا، بل كانوا هم الكتبة وقادة الفصائل العسكريّة كالجاويشيّة والأونباشيّة وقادة الحرس الليليّ في المدن (أرباب العسسيّة)، وجُباة الرسوم والضرائب في النواحي. بينما أرباب الأوقاف هم بعض الولاة والتيمارجيّة والقادة المدنيّون والعسكريّون الذين أحيلوا على التقاعد فتُخصّص عائدات ضرائب بعض القرى راتباً مادّيّاً لهم ولأولادهم من بعدهم. والوقف هنا لا يشمل حقّ الملكيّة العينيّة للأراضي والكروم والطواحين والمعاصر بل يأخذ حصّته من عائدات هذه القرية ومزارعها او تلك، لأنّ الأراضي الزراعيّة والمغالق كانت ملكاً لأهالي تلك القرى والمزارع.

  1. من هنا لم يكن أيّ شخصٍ من أصحاب الحصص الضريبيّة يمتلك أيّ قرية أو مزرعة ملكيّةً خاصّة بما فيها من سكّان وأراضٍ زراعيّة وأشجار وكروم، بل كانت له حصّة من العائدات فقط. وكان بعضهم يملك الأراضي الزراعيّة الخاصّة به كبقيّة أبناء قرى ناحية القورنة. وهذا الالتباس جعل كثيرين من الباحثين يعتبرون هذه الحصص الوقفيّة هي ملكيّة مقدّسة لأصحابها عقاريّاً، حتّى إنّ بعض أبناء العائلات التي وردت أسماؤها في دفاتر الطابو العثمانيّة حاولوا بعد مرور الزمن بعقودٍ وقرونٍ المطالبة بحصصهم في ملكيّة بعض القرى والمزارع، ولم يفهموا طبيعة عائدات الحصص النقديّة المُخصّصة لأجدادهم وأقاربهم لتساعدهم على العيش بكرامة وأمان اجتماعي وفاءً لخدماتهم للدولة العليّة. ولم يكن لتلك الحصص أيّ حقوق عينيّة ومادّيّة في الأراضي الزراعيّة التي كانت ملكيّةً تامّة لإهالي القرى القاطنين فيها منذ مئات السنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى