زيتون الجنوب وزيته.. فحوص تُسقط مخاوف التلوّث

من مخاوف المستهلكين بشأن سلامة زيتون الجنوب وزيته، إلى حقول يتعذّر الوصول إليها، وأخرى جُرفت واقتُلعت، يواجه موسم الزيتون وتصريفه اختباراً مزدوجاً: أضرار الحرب من جهة، والخشية من أن تتحوّل الشكوك حول سلامة المحاصيل إلى خسائر إضافيّة للمزارعين من جهة أخرى.

لم يعد الزيتون الجنوبيّ يصل إلى بعض المستهلكين محمّلاً برائحة الموسم وحدها، فمنذ توسّع الحرب عامي 2024 و2026، والأضرار مستمرّة في الأراضي الزراعيّة في الجنوب في أعقاب استهدافها أو تجريفها، حتّى بات احتمال التلوّث سؤالاً يسبق الشراء، ويدفع بعض المستهلكين إلى تغيير مصادر الزيت الذي اعتادوا استهلاكه لسنوات. وبين مخاوف لا يمكن تجاهلها ونتائج مخبريّة صدرت عن وزارة الزراعة وتأخرت في الصدور (عصر أمس)، يجد المزارعون أنفسهم أمام معركة أُخرى، لا تدور في الحقول وحدها، بل في السوق أيضاً.

خوف واطمئنان سيّدا القرار

تقول نيكول شيفروييه لـ”مناطق نت”، وهي فرنسيّة متأهّلة من لبنانيّ وتقيم في بيروت: “اعتدت منذ سنوات طويلة شراء زيت الزيتون من الجنوب، لكنّني اعتباراً من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2025، قرّرت شراءه من المتاجر كي أشعر بقدر أكبر من الاطمئنان”. وتضيف: “أشعر بالأسف لهذا الخيار، لأنّ زيت الجنوب ليس أطيب وحسب، بل إنّ سعره أفضل من البدائل المتاحة”.

أمّا سوزان توتنجي، من صيدا، فتقول لـ”مناطق نت”: “كنت أشتري عبوة من الجنوب لأنّني أحبّ إنتاج الأرض هناك، وأخرى من شرق صيدا، لكنّ الأضرار التي خلّفتها الحرب أثارت مخاوفي من احتمال وجود مواد ملوِّثة في الزيتون أو الزيت، فاخترت هذا الموسم شراء زيت شرق صيدا حصراً”. وتتابع: “لا أرى أنّ النفي الرسميّ وحده كافٍ لطمأنتي، فكيف يمكنني التأكّد من سلامة المحصول إذا لم تشمل الفحوص جميع الأراضي؟”.

ومن بيروت أيضاً، يروي علي فارس، ابن بلدة شحور، أنّه كرّر أكثر من مرّة قراره بعدم شراء زيت الزيتون أو الزيتون من الجنوب، بسبب مخاوفه من التلوّث، لكنّه يقول لـ”مناطق نت”: “عدلت عن موقفي بعدما أقنعني أحد أصدقائي الذي تواصل مع متخصّصين بسلامة المحصول”.

بين قرار نيكول وسوزان بالتغيير وتجربة علي الذي تراجع عن رفضه، تظهر المشكلة بوضوح: المخاوف بدأت تؤثّر في قرارات المستهلكين، فيما لا يمكن اعتبار الخوف دليلاً على وجود تلوّث، مثلما لا يكفي الاطمئنان الشخصيّ وحده لنفيه.

الوزارة تطمئن

في المقابل، أكد وزير الزراعة نزار هاني عصر أمس صدور النتائج النهائية للفحوصات المخبرية التي أجرتها الوزارة على عشرات العينات من الزيتون وزيت الزيتون، مشيراً إلى أن جميع النتائج جاءت آمنة وسليمة، بما فيها نتائج فحوصات الحديد والمعادن.

تابع هاني لـ “مناطق نت”: “التحاليل استغرقت وقتاً إضافياً نظراً إلى التعمق في دراسة النتائج وإجراء الفحوصات اللازمة، وفق المواصفات والمعايير المعتمدة لدى المؤسسة اللبنانية للمواصفات والمقاييس (LIBNOR)، على أن تعلن الوزارة النتائج رسمياً اليوم، بما يتيح وضع المعطيات أمام المواطنين والمزارعين بصورة واضحة”.

وفي ما يتعلق بالموسم الحالي، وصف هاني الإنتاج بأنه جيد “من حيث الكمية والنوعية”، مقدّراً حجمه بنحو 70 إلى 80 في المئة من إنتاج موسم 2022، الذي اعتُبر موسماً وفيراً، في مقابل الموسم الماضي الذي لم يشهد إنتاجاً يُذكر. ولفت إلى أن “بعض المزارعين بدأوا القطاف في وقت أبكر من المعتاد، قبل وصول الثمار إلى درجة النضج الكافية، ما يفسّر انخفاض كمية الزيت المستخرجة في بعض الحالات خلال المرحلة الحالية.”

أما في شأن تصريف الإنتاج، فأكد الوزير أنه لا يتوقع وجود مشكلة في تسويق زيت الزيتون محلياً أو تصديره، مشيراً إلى استعداد الوزارة لبذل الجهود اللازمة لدعم المزارعين ومساعدتهم في تسويق إنتاجهم، على غرار ما قامت به في ملف التفاح.

ولاحقاً أصدرت وزارة الزراعة (عصر أمس) بياناً أكّدت فيه إلى أنّ فحوص مختبرات LARI على 20 عينة زيت زيتون جنوبي من معاصر النبطية، بنت جبيل، حاصبيا ومرجعيون مطابقة 100% لمواصفات ليبنور ومطمئنة.

وكانت اللجان الفنية في الوزارة قد جمعت العيّنات مباشرةً من المعاصر، وفق توزيع جغرافي شمل أقضية النبطية وحاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل، وأحالتها إلى مختبرات المصلحة لإجراء الفحوص اللازمة.

وشملت عملية جمع العيّنات معاصر في بلدات حاصبيا، ومرجعيون، ودير ميماس، وأنصار، والدوير، وعبا، وياطر، وكفرا، وبرعشيت، وصفد البطيخ، وقلاويه، ومجدل سلم، وقعقعية الجسر، وفرون.

وأكدت الوزارة أنّ هذه النتائج تعزّز الثقة بزيت الزيتون في المناطق المشمولة بالفحص، وتوفّر للمزارعين وأصحاب المعاصر والمستهلكين معطيات علمية مطمئنة بشأن العيّنات التي خضعت للتحليل.

ودعت الوزارة إلى دعم مزارعي الجنوب والإنتاج الزراعي الوطني من خلال استهلاك زيت الزيتون اللبناني، تحت شعار: “لنستهلك زيت الزيتون اللبناني، ولنُبقِ خيرات أرضنا على موائدنا”.

شهيد الزيتون

في ياطر (بنت جبيل)، رافقت “مناطق نت” بعض أبناء البلدة ممن حصلوا على أذونات محدّدة بتواقيت لقطاف موسم الزيتون العائد لهم، وذلك في مناطق خطرة، حيث وثّقت عدسة “مناطق نت” بالڤيديو القصف الإسرائيلي بالقرب من الحقول.

يشرح نائب رئيس البلديّة إبراهيم سويدان واقع الحصاد، فيقول لـ”مناطق نت”: “إنّ مساحات من أراضي البلدة تقع ضمن ما يُعرف بالخطّ الأصفر أو بمحاذاته، وهناك كروم وأراضٍ تعرّضت لغارات حربيّة وقصف مدفعيّ”. ويؤكّد سويدان أنّ “القصف الفوسفوريّ الذي تعرّضت له البلدة استهدف أحراج السنديان وأحرقها”.

يضيف: “كنّا قد أقفلنا طرقاً تؤدّي إلى أحياء يتمّ استهدافها يوميّاً، وهي مكشوفة على الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وهذا القرار جاء حفاظاً على سلامة السكّان. في الـ11 من تشرين الأوّل (أكتوبر) الجاري، قتلت إسرائيل ابن البلدة المؤهّل أوّل المتقاعد في الجيش اللبناني علي عبدالحسن سويدان (في العقد السابع من عمره)، بعدما تجاوز السواتر الترابيّة مشياً نحو بيته وكرم الزيتون الخاصّ به المطلّ على بلدة رشاف”.

ويتابع: “فعليّاً، بدأنا القطاف بعد الحصول على الأذونات برفقة الجيش اللبنانيّ”. تُظهر هذه القيود كيف يمكن للمخاطر الأمنيّة أن تحرم المزارع من حياته ومن محصوله، حتى حين تبقى الأشجار قائمة.

موسم محاصر بين أضرار وقيود

يبقى السؤال عن سلامة المحاصيل غير منفصل عن واقع الموسم نفسه، فالحرب لم تترك جميع المناطق الزراعيّة بالجنوب في ظروف متشابهة. ثمّة أراضٍ تضرّرت أشجارها، وأخرى تعذّر الوصول إليها، وحقول لا يستطيع أصحابها قطافها ضمن الوقت المتاح. وفي البلدات الحدوديّة، قد يصبح الوصول إلى الشجرة ضرباً من المستحيل، وأصعب من جني ثمرها.

من كفرشوبا، تروي لبنى صالح، عضو المجلس البلديّ ومن أصحاب الأراضي، قصّة المعاناة، فتقول لـ”مناطق نت”: “الاستهدافات والتجريف والحرائق طالت مساحات زراعيّة كبيرة، إلى جانب أشجار الزيتون التي اقتُلعت، بينها أشجار معمّرة يتراوح عمر بعضها بين 100 و150 عاماً”. وتتحدّث صالح عن “أشجار زُرعت قبل نحو ثلاث سنوات وأخرى يبلغ عمرها قرابة عشر سنوات، جُرفت، ولم يبقَ في إحدى المساحات سوى شجرة واحدة. وقد تفاجأنا بهذا الواقع بعد استحصالنا على إذن لقطفها، وعندما وصلنا كانت الصدمة”.

تتابع صالح: “بعد حصول أصحاب الأراضي على إذن القطاف، انتظرنا من السادسة صباحاً حتى الثامنة والنصف من دون وصول الجيش اللبنانيّ أو اليونيفيل، فبادر رئيس البلديّة ورئيس اتّحاد البلديات بالسير قبلنا نحو الأراضي. وهناك، واجهنا إغلاقاً للطريق وقيوداً على الحركة من الجيش الإسرائيليّ، قبل أن يُطلب إلينا المغادرة تحت تهديد السلاح الذي شُهر بوجه زوجي وابني. غادرنا مع صدمة كبيرة”.

وتشير صالح إلى أنّ المشكلة “لا تقتصر على ما دُمّر من الأشجار، بل تمتدّ إلى ما تعذّر قطافه. فالموسم بالنسبة إلى كثير من العائلات ليس نشاطاً زراعيّاً موسميّاً وحسب، بل مورد أساس لتغطية نفقات العام”. وتؤكّد صالح أنّ المبيعات “تراجعت بشدّة، بعدما غاب مشترون كانوا يأتون قبل الحرب من بلدات مثل الخيام وكفركلا والعديسة، وهؤلاء، مع واقع الاحتلال والتهجير، لم يعودوا موجودين”. وتختم: “يخشى المزارعون أن يستغلّ بعض التجّار حاجتهم إلى البيع للضغط على الأسعار، وبذلك تتراكم الخسارات”.

صعوبة الوصول والتصريف

أمّا في كفر حمام (حاصبيّا)، فيقول نجيب سمّور لـ”مناطق نت” إنّ أراض في البلدة ومحيطها، وصولاً إلى مناطق قرب الوزّاني وقرى العرقوب وحاصبيّا، لا يزال الوصول إلى بعضها متعذّراً. ويضيف أنّ مزارعاً كان قد طلب نحو 20 تنكة زيت، ثمّ تراجع عن الشراء بعدما عرف أنّ مصدرها كفر حمام، معلّلاً قراره بمخاوف من الفوسفور، علماً أنّ البلدة لم تُقصف بالفوسفور. ويقول سمّور إنّ المزارعين يواجهون بذلك مشكلتين متزامنتين: صعوبة الوصول إلى الأراضي، وصعوبة تصريف الإنتاج.

وفي برعشيت (بنت جبيل)، يقول المزارع مروان أبو سمرا لـ”مناطق نت”: “إنّ جزءاً كبيراً من الأراضي لا يزال متعذّر الوصول إليه، ويُقدّر بنحو 40 في المئة من الأراضي المزروعة زيتوناً، كذلك فإنّ القيود المفروضة علينا من الجيش الإسرائيليّ كبيرة”. ويؤكّد أبو سمرا من “أننا كنّا قد تخوّفنا بعد توسّع الحرب العام 2024 من تلوّث الزيتون ومن تراجع الطلب عليه، ولكنّ نتائج الفحوص التي أجرتها وزارة الزراعة ساهمت في طمأنتنا وشجّعت على العودة إلى شراء الزيت”. ويضيف: “يُباع إنتاج البلدة في بيروت ومناطق أُخرى، مع توجّه إلى تصدير كمّيّات إلى خارج لبنان بحسب الطلب”.

في ياطر يقطفون الزيتون على وقع القصف الإسرائيلي ووفق أذونات محددة سلفاً
خسائر تتجاوز الأشجار

يؤكّد الدكتور شادي عبدالله، المدير العام للمجلس الوطني للبحوث العلميّة، لـ”مناطق نت” أنّ “إجماليّ مساحة بساتين الزيتون التي تحتاج إلى إعادة تأهيل وغرس قُدّرت بنحو 1996 هكتاراً، والقيمة التقديريّة للأضرار المباشرة وصلت إلى 35 مليون دولار أميركيّ”.

وفي علما الشعب (صور)، البلدة المُحتلّة، تتداخل الأضرار السابقة مع القيود المفروضة على القطاف. ويقول رئيس البلديّة شادي صيّاح: “إنّ البلدة شهدت أضراراً في أشجار الزيتون وأراضيها منذ العام 2024، وإنّ عدداً من الأراضي لا يزال يتعذّر الوصول إليه بسبب المنع الإسرائيليّ”.

وبحسب صيّاح: “يوجد حاليّاً نحو ثلاثين شخصاً من أبناء البلدة لقطاف ما تيسّر من المحصول في محيطها، بعد تنسيق وموافقات شملت الجيش اللبنانيّ و‘الميكانيزم‘ واليونيفيل. ويجري ذلك ضمن إجراءات مشدّدة، ووقت ضيّق للقطاف، وعدد محدود من الأشخاص، مع إلزامهم بارتداء ملابس موحّدة لتسهيل التعرّف إليهم”. ويقول: “إنّ الأهالي يبقون تحت المراقبة، ولا يعرفون متى سيُطلب إليهم المغادرة، بما قد يجبرهم على ترك المحصول قبل استكمال جنيه”.

ويضيف صيّاح “إنّ الزيتون الذي أمكن الوصول إليه هذا الموسم، في ظلّ عدم تعرّض البلدة للقصف خلال هذه الحرب يُفترض ألّا يكون قد تعرّض لتلوّث بالفوسفور أو بموادّ أخرى مرتبطة بالقصف”.

في حبّ زيت الجنوب

وفي نهاية المطاف، لا يُختزل موسم الزيتون الجنوبيّ في كمّيّة الزيتون المقطوف أو سعر تنكة الزيت، فطقوس القطاف وجمع العائلة والأقارب في الحقول وتحت الأشجار، وتخزين الزيت للبيت كجزء من طقوس المؤونة السنويّة، وتوارث الأشجار والأرض، كلّها متمّمات من ذاكرة الجنوب وعاداته وانتمائه. وحين تُحرم عائلة من الوصول إلى شجرة ورثتها عن الأهل والجدود، أو يتردّد مشترٍ في شراء زيت اعتاد عليه، تتجاوز الخسارة حدود الاقتصاد إلى العلاقة بين الناس وأرضهم.

ومع استمرار المخاوف، هناك من اختار ألّا يقطع علاقته بزيت الجنوب، فباولا ربيز من الأشرفيّة، على سبيل المثال، تقول لـ”مناطق نت”: “اعتدت شراء الزيت من الشمال، ولكنّ هذا الموسم دفعتني المشاركة في جولة ميدانيّة مع المزارعين في كفرشوبا (حاصبيا) إلى شراء تنكة من الجنوب وأخرى من الشمال”. أمّا علي فارس، ابن شحور المقيم في بيروت، فتراجع عن رفضه الشراء بعد إقناع أحد أصدقائه.

وفي ياطر، بحسب حديث سويدان لـ”مناطق نت”: “لا مشكلة في التصريف، فجميع من اعتادوا الشراء من إنتاجنا ومحصولنا هم بالانتظار، بغضّ النظر عن المخاوف والشائعات”. الشيء نفسه أكّده ابن بلدة برعشيت المقيم في بيروت نعمة جدعون لـ”مناطق نت” بقوله: “مش لأنّها ضيعتي، بس مثل زيتها ما ذقت”. ويتابع: “أنا مطمئن لجودة وسلامة الزيت، واليوم وصلني من برعشيت خمس تنكات مؤونة لي وللعائلة”.

معصرة ياطر الحديثة للمختار محمد محسن كوراني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى