لبنان يفقد ثلوجه… الخزّان الأبيض يذوب قبل أوانه

مع اقتراب لبنان من عتبة شتاء جديد، يطرح سكّان القرى الجبليّة السؤال نفسه الذي يتكرّر منذ سنوات: هل يهطل الثلج هذا الموسم بالغزارة التي عرفتها الأجيال السابقة، أم يمرّ الفصل الأبيض مروراً خاطفاً كما حصل في السنوات الأخيرة، أخف وطأة وأقصر عمراً وأسرع ذوباناً؟ قبل أن يبدأ فصل جديد من الترقّب عند سفوح الجبال، ربّما تساعدنا الأرقام على معرفة ماذا ننتظر هذا العام.

نبتة لا تكذب

في محميّة اليمّونة، الواقعة على السفح الشرقيّ لسلسلة جبال لبنان الغربيّة، أمضى خبير الأعشاب والنباتات الطبّيّة، الأكّاديميّ ناصر شريف عقوداً يحصي الكنوز النباتيّة النادرة، وثمّة نبتة باتت تثير قلقه أكثر من سواها: الرومولية الثلجيّة (Romulea nivalis)، نبتة صغيرة من الفصيلة السوسنيّة، متوطّنة في جبال لبنان حصراً ومصنّفة ضمن الأنواع المهدّدة بالانقراض.

اسمها العلميّ نفسه شهادة على طبيعتها:Nivalis  في اللاتينيّة تعني “المتعلّقة بالثلج”، وهي صفة لم تُطلق جزافاً. فهذه النبتة لا تنبت إلّا عند الحدّ الفاصل بين الثلج المتراجع والتربة المتحرّرة منه للتوّ، مستفيدة من رطوبة لحظيّة سرعان ما تجفّ إذا ما تأخّر الذوبان أو تسارع أكثر من اللازم.

يصف شريف سلوكها بدقّة من راقبها لسنوات: “كلّ انزياح في خطّ الثلج نحو الأعلى ينعكس مباشرة على ارتفاع ظهورها وتوقيته، إذ تتبع الجليد في تراجعه صعوداً نحو القمم. وحين ينحسر الثلج كلّيّاً من مواقع كانت تحتضنه لأشهر، تنحسر الرومولية معه، أو تغيب تماماً”. ما يُسجَّل اليوم ليس ملاحظة عابرة، بل مؤشّر حيّ مكتوب بلغة النبات: خطوط الثلج في لبنان تتراجع عاماً بعد عام إلى ارتفاعات لم تبلغها من قبل.

حين كان الثلج يُغلق القرية

على بعد كيلومترات قليلة، في “عيناتا” جارة اليمّونة القريبة من الأرز، وفي حديث لـ”مناطق نت” يستعيد أحد كبار القرية شتاءً لم يعد له وجود إلّا في الذاكرة. يقول: “إنّ الثلج كان يتساقط أيّاماً متواصلة، يتراكم بالأمتار، يقطع الطرقات، ويغطّي السطوح والحقول طوال أشهر الشتاء”. كانت القرية، على حدّ وصفه، “تنام تحت غطاء أبيض سميك لا يذوب إلّا مع اقتراب الربيع”.

أمّا اليوم، فتساقط الثلج، حين يحصل أصلاً، لا يتجاوز يوماً أو يومين، بتراكم لا يتعدّى بضعة سنتيمترات، يذوب بمجرّد ملامسته أوّل أشعة للشمس. هذه ليست شهادة حنين إلى ماضٍ أبيض، بل توثيق ميدانيّ لما ترصده الأقمار الاصطناعيّة من مدارها: الثلج الذي كان يُقاس بالأمتار بات يُقاس بالسنتيمترات، والشتاء الذي كان يمتدّ أشهراً اختُصر إلى أيّام معدودة.

تلتقي ملاحظة الرومولية الثلجيّة بشهادة أهالي عيناتا عند نقطة واحدة: كلتاهما تصفان الظاهرة نفسها من زاويتين مختلفتين، زاوية من يقرأ التغيّر في تشريح نبتة، وزاوية من يعيشه في تفاصيل يومه. حين تلتقي هاتان الشهادتان ببيانات الأقمار الاصطناعيّة التي تراقب القمم اللبنانيّة منذ العام 2000، ثمّ بشهادات علميّة مستقلّة من باحثين متخصّصين، تتحوّل الملاحظة الفرديّة إلى دليل متماسك لا مجال للشك فيه.

خزّان لا يشبه خزّاناً آخر

لفهم أهمّيّة هذا التراجع، يجدر تنحية صورة السدود الإسمنتيّة جانباً. الثلج في لبنان سدّ من طراز مختلف تماماً: يتساقط في الشتاء، يتكدّس فوق 1500 متر، ثمّ يذوب على مهل طوال الربيع والصيف ليغذّي الينابيع التي تشرب منها مدن وقرى بأكملها.

المشكلة أنّ هذا السدّ الطبيعيّ لا يحتاج فقط إلى ثلج يتساقط، بل إلى ثلج يذوب في توقيته الصحّ. وهنا جوهر الأزمة: الحرارة المرتفعة تجعل الثلج القليل أصلاً يذوب أسرع وأبكر من موعده، فتُهدر المياه في سيول شتويّة عابرة بدل أن تتسرّب تدريجاً لتغذية الأرض طوال أشهر الجفاف.

نبتة الرومولية الثلجيّة (Romulea nivalis)، نبتة صغيرة من الفصيلة السوسنيّة، متوطّنة في جبال لبنان
ما تقوله الأقمار الاصطناعيّة

تحليل بيانات القمر الاصطناعي MODIS التابع لناسا، عبر منصّة Google Earth Engine، أُجري خصوصاً لهذا التحقيق وغطّى 11 قمّة ومحميّة لبنانيّة على مدى 26 سنة، من 2000 إلى 2025، معتمداً على متوسّط الغطاء الثلجيّ بين الأوّل من كانون الثاني (يناير) والأوّل من آذار (مارس) من كلّ عام، وهي الفترة التي تمثّل تقليديّاً ذروة تراكم الثلج قبل بدء ذوبانه التدريجيّ.

قد تعكس هذه النافذة الثابتة انخفاضاً في المتوسّط لا يعود فقط إلى تراجع الكمّيّة الكليّة للثلج، بل أيضاً إلى أن مواسم التساقط ذاتها التي باتت تبدأ متأخّرة عن موعدها التقليديّ، وهو ما تؤكّده شهادات ميدانيّة من سكّان محلّيّين يصفون تقلّص مدّة بقاء الثلج من أشهر إلى أيّام معدودة.

جاءت النتائج حاسمة:

  • محميّة تنّورين (1749 متراً) سجّلت الأسرع تراجعاً بين جميع المناطق المدروسة، بفقدان 20.9 في المئة من غطائها الثلجيّ المعتاد خلال 25 سنة.
  • اللقلوق (1709 أمتار) جاءت في المرتبة الثانية بتراجع 19.7 في المئة.

  • الأرز (1876 متراً) وصنّين (1870 متراً) سجّلا تراجعاً متقارباً بنسبة 15.1 في المئة و16.3 في المئة على التوالي.

  • في المقابل، كانت قمّة المكمل (القرنة السوداء)، أعلى قمّة في لبنان بارتفاع يتجاوز 3000 متر، الاستثناء الوحيد، إذ أظهرت استقراراً، بل تحسّناً طفيفاً بنسبة 2.1 في المئة+.

الخسارة الأكبر للمرتفعات الأدنى

بين هذين الطرفين، توزّعت بقيّة المناطق تبعاً لارتفاعها تقريباً: جبل الشيخ (2461 متراً) تراجع بنسبة محدودة (3.8 في المئة-)، بينما مناطق أدنى ارتفاعاً كاليمّونة (1579 متراً) وأرز الشوف (1469 متراً) ومحميّة إهدن (1511 متراً) والزعرور (1598 متراً) وفاريّا- المزار (1945 متراً) سجّلت جميعها تراجعاً تراوح بين 4.5 في المئة و14.6 في المئة.

النمط واضح: كلّما انخفض ارتفاع القمّة عن مستوى معيّن، اشتدّ التراجع. وهذا بالضبط ما تسجّله الرومولية الثلجيّة بلغتها الخاصّة: خطّ الثلج يرتفع فعليّاً، تاركاً المرتفعات الأدنى عرضة أكثر من غيرها.

43 نبتة مهدّدة بتغيّر المناخ

في تشرين الثاني الماضي، أصدر الباحث في علم النبات رامي معلوف وزملاؤه كتاب “القائمة الحمراء للنباتات الوعائيّة في لبنان”، وثّق فيه 108 أصناف نباتيّة مهدّدة بالانقراض وفق معايير الاتّحاد الدوليّ لحفظ الطبيعة IUCN))، من بينها 43 نبتة مهدّدة بتغيّر المناخ حصراً، تنمو جميعها في المرتفعات الجبليّة العالية.

يشدّد معلوف على أنّ هذا الرقم يقتصر على الأنواع التي خضعت إلى مسح ميدانيّ رسميّ ومتابعة مستمرّة خلال الـ20 سنة الماضية، ما يعني أنّ أنواعاً أخرى قد تواجه المصير نفسه دون أن تُرصد بعد. الرومولية الثلجيّة، بحكم ارتباطها المباشر بالثلج وضيق نطاق انتشارها في أعالي الجبال، تندرج ضمن الفئة الأكثر عرضة لهذا النوع من التهديد، وإن لم تكن مدرجة بالاسم في تصريحات معلوف نفسه.

يوضح معلوف لـ”مناطق نت” أنّ “دور الثلج لا يقتصر على توفير المياه، بل يؤدّي وظيفة موازية بالغة الأهمّيّة: الغطاء الثلجيّ يعمل كعازل حراريّ طبيعيّ، يحمي النباتات الكامنة تحته بالحفاظ على درجة حرارة مستقرّة ضمن الطبقة الرطبة من التربة، ويقيها من موجات برد قارس مفاجئة قد تجمّد التربة وما تحتها في غياب هذا الغطاء الواقي”.

كذلك يلعب الثلج دوراً أساساً في تنظيم ما يسمّيه العلماء “الفينولوجيا”، أيّ دورة حياة النبات ومواعيد إزهاره وموته. فكلّ نبتة تمتلك توقيتاً بيولوجيّاً دقيقاً مرتبطاً بموعد ذوبان الثلج من حولها. حين يذوب الثلج مبكراً وبسرعة، تجفّ التربة قبل أوانها، فتُحرم النبتة من استكمال دورتها، أو تتساقط بذورها في تربة جافّة تعجز عن إنباتها أو ضمان استمرارها. لا يعني هذا اختفاء النوع بين ليلة وضحاها- كما يشدّد معلوف- بل تراجعاً تدريجيّاً صامتاً على المدى الطويل، تماماً مثلما تسجّله الرومولية الثلجية بلغتها الخاصّة.

دراسات سابقة لصورة أوسع

إلى جانب عمله الميدانيّ المباشر، يستند معلوف إلى أبحاث سبق أن رصدت الظاهرة من زوايا أخرى. من أبرزها دراسة اعتمدت تقنيّات Landsat وMODIS لقياس مساحة الغطاء الثلجيّ في لبنان بين عامي 1985 و2019، مقسّمة على فترتين، وأظهرت انخفاضاً في المساحة تتراوح بين 25 في المئة و30 في المئة. ويحذّر معلوف من أنّه لو استمرّ هذا المعدّل على مدى ثلاثين سنة مقبلة، فقد نشهد انكماشاً يصل إلى 60 في المئة من مساحة الثلوج، وهو رقم يصفه بأنّه أخطر وأكثر جسامة ممّا يُتصوّر عادة.

كذلك، يستشهد بدراسة أُجريت في حوض نهر إبراهيم رصدت ارتفاعاً بنحو درجتين مئويّتين في المنطقة، وتراجعاً في مدّة بقاء الثلج تراوح بين 15 يوماً وعدّة أشهر، إلى جانب تقدّم مواسم الجفاف.

حين يذوب الثلج مبكراً وبسرعة، تجفّ التربة قبل أوانها، فتُحرم النبتة من استكمال دورتها، أو تتساقط بذورها في تربة جافّة تعجز عن إنباتها أو ضمان استمرارها

ويخلص معلوف إلى أنّ ارتفاع الحرارة والذوبان المبكر، إلى جانب تغيّر الأنماط الفصليّة للشتاء، لا يؤثّران فقط في مواعيد إزهار النباتات، بل يدفعان أحزمة الأشجار والنباتات الجبليّة بأكملها إلى الزحف نحو ارتفاعات أعلى بحثاً عن ظروف فقدتها في موطنها التقليديّ. ولأنّ الجبال اللبنانيّة تضمّ نحو 70 نوعاً نباتيّاً متوطّناً لا نظير له في أيّ مكان آخر في العالم، فإنّ هذا الزحف القسريّ يحمل خطورة استثنائيّة، إذ لا مكان أعلى يهرب إليه بعض هذه الأنواع في نهاية المطاف.

الأقمار الاصطناعيّة دون الحقيقة المطلقة

لفهم ما وراء هذه الأرقام من زاوية مناخيّة بحتة، وللتحقّق من متانة المنهجيّة العلميّة لهذا التحقيق، التقينا الدكتور إبراهيم شلهوب، عالم الأرصاد الجوّيّة والباحث المتخصّص في التغيّر المناخي وتراجع مستويات الثلوج في لبنان.

في حديثه لـ”مناطق نت”، يوضح شلهوب أنّ “دراسة الثلوج في لبنان تعتمد اليوم بشكل أساس على الاستشعار عن بعد، نظراً إلىعدم توافر بيانات رصد ميدانيّة تاريخيّة في البلاد”. ويشير إلى أنّ “هذه التقنيّة مهمّة جدّاً للنباتات التي تعيش في الأعالي، إذ تُظهر مقارنة صور الأقمار الاصطناعيّة منذ العام 2017 وحتّى اليوم تراجعاً وتغيّراً واضحين، مترافقين مع ارتفاع في درجات الحرارة في لبنان يتراوح بين 4.5 و5 درجات إضافيّة عن المعدّلات المعتادة، وهو ارتفاع أسرع بكثير من المعدّل العالميّ”.

لكنّ شلهوب ينبّه إلى حدود هذه الأدوات بصراحة علميّة لافتة: البيانات المستخرجة عبر نماذج مثل Google Earth Engine  أو Global Forecast System أو ECMWF لا تعطي حقيقة مطلقة، بل تعطي تقديراً أقرب إليها، بناءً على دقّة الشبكة المستخدمة في القياس. فكلّما صغرت وحدة القياس، زادت دقّة التفاصيل المرصودة. ويبقى القياس الميدانيّ المباشر، بحسب شلهوب، هو الحقيقة الفعليّة الوحيدة، بينما تظلّ الأقمار الاصطناعيّة أداة تتبّع ممتازة للتغيّرات والفروقات من سنة إلى أخرى.

الجبال الساحلية تتراجع سريعاً

يفسّر شلهوب هذا التفاوت الجغرافيّ بعامل مناخيّ معروف: الرياح المحمّلة برطوبة عالية تأتي عادة من الغرب فوق البحر باتّجاه الجبال. والجبال المطلّة على الساحل مباشرة، هي أدنى ارتفاعاً نسبيّاً مقارنة بسلسلة الأرز الداخليّة، تتلّقى الضربة الأولى لهذه الرياح الدافئة. وبسبب ارتفاع درجات الحرارة، لا يبرد الهواء بما يكفي ليتحوّل إلى ثلج بالكفاءة نفسها، أو يذوب ما يتساقط منه بسرعة أكبر، على عكس القمم الداخليّة الأعلى ارتفاعاً بكثير التي تحتفظ ببرودتها إلى مدّة أطول.

هذا التفسير المناخيّ العام يتقاطع بدقّة مع النمط الذي رصده التحليل الساتلي لهذا التحقيق: تصدّر تنّورين واللقلوق، وكلاهما أدنى ارتفاعاً وأقرب إلى الساحل، قائمة التراجع، مقابل استقرار نسبيّ في القمم الداخليّة الأعلى كالمكمل والأرز.

تراجع ملحوظ في كمية الثلوج التي تغطي أعالي الجبال في لبنان
الثلج يذوب بأيّام

يشرح شلهوب أنّ “جبال لبنان تقوم على صخور كارستيّة تسمح بدخول الماء وخروجه بسرعة كبيرة”. وميزة لبنان المائيّة تاريخيّاً لم تكمن في وفرة الثلج بقدر ما كانت في بطء ذوبانه؛ بقاؤه أطول مدّة ممكنة كان يغذّي الخزّانات الجوفيّة بانتظام طوال الربيع.

أمّا اليوم، فمع ارتفاع الحرارة، يذوب الثلج بسرعة قياسيّة، كما حصل في أحد فصول نيسان الأخيرة، ما يمنع التخزين المستدام ويؤدّي إلى هدر كمّيّات كبيرة من المياه مباشرة نحو البحر بدلاً من تغذية الأرض. يصل شلهوب إلى خلاصة قاسية: لبنان، بحسب طبيعة صخوره الكارستيّة، هو فعليّاً بلد فقر ماء وليس بلد ماء كما يُشاع عنه.

يؤكّد شلهوب أنّ “النباتات التي تعتمد على رطوبة بطيئة ومستدامة، كأشجار الأرز، تتأثّر سلباً وبشكل مباشر حين يختفي الثلج بسرعة بدلاً من أن يذوب تدريجاً”. وهنا يلتقي كلامه العلميّ مع ما يوثّقه معلوف عن الفينولوجيا النباتيّة، ومع ما ترصده الرومولية الثلجيّة ميدانيّاً: ثلاثة شهود مختلفون يصفون النبات كمقياس حيّ لسرعة فقدان الرطوبة الموسميّة، لا لكمّيّتها فقط.

السيناريو الأسوأ والحلّ

يحذّر شلهوب من أن استمرار هذا المسار ربّما يؤدّي تدريجاً إلى انعدام شبه كامل للثلوج، وهو ما يهدّد الزراعة والسياحة والأمن الغذائيّ والمائيّ، وقد يدفع في السيناريوهات الأسوأ نحو هجرة سكّانيّة مرتبطة بأزمة مياه حادّة.

أمّا الحلّ، بحسب رأيه، فلا يكمن في محاولات تغطية الجليد بموادّ صناعيّة، يصفها بأنّها فاشلة وغير مجدية، بل في التكيّف الجاد مع الواقع الجديد: سياسات مائيّة وزراعيّة صارمة تفرضها الدولة، ترشيد الاستهلاك، والتحوّل نحو أصناف زراعيّة أقلّ استهلاكاً للمياه، كما فعلت دول أخرى عبر زراعة أصناف معدّلة جينيّاً. ويختم بتحذير من “خبراء السوشل ميديا” الذين ينشرون طمأنينة زائفة وتضليلاً حول خطورة هذا الملف.

لبنان ليس استثناءً إنّما أكثر هشاشة

الأرقام والشهادات العلميّة والميدانيّة تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: الماء. في المناطق التي تتغذّى مائياًّ من ثلوج الأرز واليمّونة وتنّورين، بات الجفاف الصيفيّ يبدأ أبكر بأسابيع في كلّ عام.

الخيط الذي يربط نبتة تتقهقر نحو القمّة بشتاء عيناتا الذي فقد ثلجه، بتحذير عالم مناخ من بلد فقر ماء، بحنفيّة مطبخ تجفّ في تمّوز، هو خيط واحد: كلّ درجة حرارة إضافيّة في الشتاء تعني صيفاً أكثر عطشاً، وموطناً أضيق لعشرات النباتات الجبليّة النادرة.

الاحترار العالميّ يذيب الثلوج من الألب إلى الهيمالايا. لكنّ لبنان يحمل هشاشة مضاعفة: مساحته الصغيرة تعني أنّ قممه الثلجيّة محدودة العدد أصلاً، وطبيعته الجيولوجيّة الكارستيّة تمنعه من تخزين ما تبقّى من مياه الذوبان، وتنوّعه النباتي الفريد (سبعون نوعاً متوطّناً لا نظير له في العالم) لا يملك مكاناً أعلى يهرب إليه إلى ما لا نهاية. وأيّ تراجع في الثلج ينعكس فوراً وبحدّة على الميزان المائيّ والبيئيّ الوطنيّ معاً، في بلد يعاني أصلاً من إدارة مائيّة ضعيفة وشبكات متهالكة.

إذا استمرّ منحى التراجع الحاليّ، وهو ما ترجّحه الدراسات المتوقّعة بانكماش يصل إلى 60 في المئة من مساحة الثلوج خلال 30 سنة، فإنّ القمم التي كانت تحتفظ بثلوجها حتّى أيّار (مايو) قد لا تحتفظ بها إلّا حتّى آذار خلال العقدين المقبلين. وهذا لا يعني فقط جفافاً صيفيّاً أبكر بشهرين، بل يعني أيضاً استمرار ما لا يقلّ عن 43 نوعاً نباتيّاً موثّقاً رسميّاً في مسار الانقراض التدريجيّ بسبب تغيّر المناخ وحده، أنواع لا تملك غالبيّتها مكاناً أعلى تهرب إليه إلى ما لا نهاية.

 شتاء جديد على الأبواب

في نهاية المطاف، هذا ليس تحقيقاً عن الطقس. إنّه تحقيق عن ذاكرة تُمّحى تدريجاً: ذاكرة قرية كانت تنام تحت متر من الثلج، وذاكرة نبتة صغيرة تعرف بالضبط أين تنبت ومتى تُزهر. وبينهما تحذير عالِمَين يصفان بلداً غنيّاً بجباله وفقيراً بمائه، وموطناً يتقلّص عاماً بعد عام لعشرات النباتات التي لا تنمو إلّا هنا.

ما يزيد المشهد إلحاحاً أنّ لبنان ليس على الأرجح استثناءً في محيطه: الاحترار الذي يفسّره شلهوب يطال الحزام الجبليّ الممتد في شرق المتوسط ككلّ، وهو ما يفتح سؤالاً يستحقّ تحقيقاً منفصلاً: هل تشهد القمم المقابلة في سوريا وتركيّا المسار نفسه؟ سؤال لم يُجب عنه هذا التحقيق، لكنّه يجعل من أزمة الثلج اللبنانيّة جزءاً مرجّحاً من صورة إقليميّة أوسع، وليس شأناً معزولاً يمكن تأجيل مواجهته.

وهي، في الوقت نفسه، تتقاطع مع ملفّات أخرى لم يفتح هذا التحقيق سوى بابها: كيف تخطّط الدولة اللبنانيّة، وسط أزمتها الاقتصاديّة الممتدّة، لتمويل أيّ سياسة مائيّة أو زراعيّة تكيّفيّة جادّة؟ من يتحمّل مسؤوليّة حماية المحميّات الطبيعيّة حين تتقلّص موازناتها عاماً بعد عام؟ وهل تملك أيّ جهة رسميّة اليوم خطّة طوارئ فعليّة لموسم جفاف يبدأ أبكر في كّل صيف؟

هذه أسئلة تتجاوز نطاق هذا التحقيق، لكنّها تبقى معلّقة في الهواء نفسه الذي يخلو تدريجيّاً من الثلج. فبين لحظة رصد الأقمار الاصطناعيّة للتراجع، ولحظة اتّخاذ قرار سياسيّ فعليّ لحماية مصادر المياه والتنوّع البيولوجيّ معاً، يستمرّ الثلج في الذوبان بصمت، ويقترب لبنان من شتاء جديد لن يجيب وحده عن أيّ من هذه الأسئلة، لكنّه سيكون، مثل كلّ شتاء سبقه، شاهداً إضافيّاً على الاتّجاه العام.

أنتج هذا المشروع في إطار النسخة الثانية من دبلوم صحافة المناخ، الذي تنظّمه مدرسة المناخ بدعم من مجتمع التحقّق العربيّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى