“كابوس الميم” بغرب بعلبك (3): ألبسة بالية تشتعل بدل المازوت

بعد المؤونة والمدارس تعتبر مادّة المازوت الكابوس الثالث الذي يؤرق مضاجع الأُسر في غرب بعلبك، فأشهر الشتاء طويلة وقاسية لمنطقة يتراوح ارتفاعها عن سطح البحر بين 1000 إلى 1800 متر، وتأمين هذه المادّة أو بدائلها كالحطب يُعدّ مهمّةً تكتنفها كثير من العقبات المادّيّة والصحّيّة والأمنيّة. إذاً، كيف ستتمكّن الأسر في قرى وبلدات غرب بعلبك، من تأمين كلفة المازوت أو الحطب وسط ارتفاع متسارع للأسعار عالميّاً ومحلّيّاً؟ وما هي آليات التأقلم مع هذا الارتفاع الجنونيّ في أسعار مادّة المازوت وبالتالي الدفء؟

كلفة التدفئة والقدرة الشرائيّة

منذ بداية المواجهات العسكريّة في مضيق هرمز، انفلتت أسعار المحروقات، ومنها المازوت، من عقالها، كنتيجة لارتفاع أسعار النفط عالميّاً. فقد تجاوزت كلفة الدفء مداخيل الأسر بدرجات تفوق قدرتهم على سدّ الفجوة بينهما، فيما بقيت هذه المداخيل على حجمها، لا بل فقدت كثيراً من قدرتها على الشراء.

بين مطلع كانون الثاني (يناير) وأيلول (سبتمبر) 2026، سجّل لبنان أعلى ارتفاعاً في أسعار المحروقات بين بلدان منطقة الشرق الأوسط، وحتّى عالميّاً، إذ بلغت نسبة ارتفاع المازوت نحو 113.5 في المئة. هذا الفارق يعود إلى السياسة التي اعتمدتها كلّ دولة لتوزيع كلفة الصدمة النفطيّة، حيث إنّ الحكومة اللبنانيّة مرّرت الزيادة مباشرة إلى فاتورة المستهلك عوضاً عن استخدام النظام الضريبيّ لامتصاص جزء من الزيادة كما فعلت تركيّا أو الماليّة العامة في الأردن.

شراء مادة المازوت للتدفئة لم تعد بمتناول الجميع في قرى غربي بعلبك

يقول صاحب محطّة للمحروقات، علي حميّة لـ”مناطق نت”: “يبلغ ثمن برميل المازوت 300 دولار، هذه الكمّيّة التي تحتاجها الأسرة لمدّة شهر واحد”. يتابع حميّة “الأسرة تحتاج يوميّاً غالون مازوت بسعة تسعة ليترات لـ”الصوبيا” الواحدة لتدفئة غرفة واحدة في المنزل. وإذا كانت تعمل لساعات طويلة في الليل والنهار، عندها تحتاج إلى غالونين في اليوم الواحد”.

من جهتها توضح السيّدة فاطمة سماحة في حديث لـ”مناطق نت” أنّ “المشكلة بعد ارتفاع السعر، تكمن في نوعيّة مادّة المازوت، فهي سيّئة وكأنّها مياه، ما يجعل قدرتها على الاشتعال منخفضة جدّاً، لذا نستهلك كمّيّة أكثر للشعور بالدفء”. كيف يمكن تأمين هذه الكلفة القابلة للارتفاع تدريجاً، وبشكل متسارع فيما المردود المادّيّ منخفض ولا يكفي تأمين احتياجات هذا الفصل من مصاريف المدارس والمؤونة والتدفئة؟

حروب متتالية وتآكل المدخرات

يُظهر تقرير لليونيسف أنّ أربعة من كلّ خمسة أسر في لبنان تواجه صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسيّة بعيد الحرب، إذ إنّ 10 في المئة فقط من الأسر التي لديها أطفال دون الخامسة تستطيع توفير نظام غذائيّ متنوّع ومغذٍّ بما يكفي. ويتبيّن من نتائج التقرير بأنّ 14 في المئة من الأسر لديها طفل واحد في الأقلّ يعمل. في المقابل، يضاف 17 في المئة من أفراد الأسر قالوا إنّهم اضطرّوا للتوقّف عن الذهاب إلى المدرسة و29 في المئة لم يتمكّنوا من التعلّم بالمستوى المتوقّع.

هذه الأعباء الإضافيّة، نتيجة طبيعيّة للأزمة المعيشيّة المتلازمة مع جولات توسّع الحرب الإسرائيليّة، إذ تنعكس على توافر الموارد لشراء الحاجات الأساسيّة، والمازوت من ضمنها، في قرى وبلدات غرب بعلبك.

تشكو سماحة لـ”مناطق نت” من أنّ “في توسّع الحرب التي استمرّت 66 يوماً (23 أيلول – 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024)، كانت العائلات قد ادّخرت بعض النقود من ثمن المحصول الصيفيّ، لإنفاقه على تحضير مؤونة فصل الشتاء وشراء المحروقات. لكنّ كلفة النزوح كانت كبيرة واستنفدت مجمل هذه المدّخرات”.

تتابع سماحة “في جولة توسّع الحرب الأخيرة، خسرنا المحصول الزراعيّ. الحرب دمّرتنا، لم يبقَ لنا مال للنزوح، لذا بقينا في بيوتنا على الرغم من الخطر. وصلنا إلى هذا الخريف، من دون أيّة موارد مادّيّة تكفي تأمين احتياجاتنا. الحرب جعلتنا نعود خطوات كبيرة إلى الخلف. لا نعرف ماذا سيحصل، ولا أين ستكون الاعتداءات، ولا ماذا يتوجّب علينا فعله! حتّى إن بعض العائلات بات لزاماً عليها تخفيض الإنفاق على الطعام لأنّ الاعتماد يكون على المؤونة ولو بكمّيّات قليلة”.

فاطمة سماحة: بعض العائلات تجمع كنزات وألبسة بالية وأحذية عتيقة، كي تستخدمها في إشعال الصوبيا إذ ليس بمقدورها شراء حطب أو مازوت.

ترشيد استهلاك الدفء

تنتهج معظم الأسر آلّيات ترشيد استهلاك الدفء، بشكل يمكّنها من توفير كمّيّات من المازوت أكبر قدر ممكن. إحدى تلك الطرق هي اجتماع الأسرة في غرفة واحدة، كي تكفيهم مدفأة واحدة، تحتاج يوميّاً إلى غالون يتّسع لتسعة ليترات من المازوت.

أمّا النساء فيتّبعن طرقاً أكثر قساوة على أنفسهنّ، إذ لا يشعلن المدفأة عندما يكنّ بمفردهنّ في المنزل، في حين يُحضّرن الطعام أو ينشغلن في أداء المهام المنزليّة. كذلك فإنّهنّ بعد إنهاء الأعمال البيتيّة، يجتمعن عند إحدى الجارات حيث تعمل الصوبيا ثمّ يعدن بعد الإحساس بقليل من الدفء.

لكن عندما يشتدّ البرد لا بدّ من زيادة كمّيّة الاستهلاك للحصول على الدفء المنشود. هذه الآليّة تنفع في الأشهر الأولى من موسم الاحتياج للتدفئة، لكن في منتصف الشتاء تنخفض درجات الحرارة أكثر وبالتالي يصبح لزاماً زيادة الاستهلاك للشعور بالدفء.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الحطب، فبحسب ما تقول سماحة: “خلال العام الماضي، جلبت الأسرة الحطب من الجرد. ولكن هذه السنة من الصعب الوصول إلى مواقع الخشب بسبب المخاوف الأمنيّة، فقطعنا بعض الشجر في خلفيّة البيت. ونحاول كذلك الاقتصاد في الاستهلاك من خلال نظام دقيق، كي يبقى الطنّ شهراً كاملاً، إذ يتمّ تحديد أوقات وضع الحطب في الموقد والاعتماد على الجمر المتبقّي في المدفأة وقتاً طويلاً”.

أرقام تُظهر كلف المازوت مقارنة مع دخل الأسر
الألبسة البالية والإطارات

أمام هذه الظروف، التي لم يسبق لقرى غرب بعلبك أن عايشت مثيلاً لها، تحاول العائلات التأقلم والبحث عن آليّات تسهّل هذه التغيّرات الدراماتيكيّة في ظروف حياتهم.

تفيد سماحة بإنّ “بعض العائلات، تجمع كنزات وألبسة بالية وأحذية عتيقة، كي تستخدمها في إشعال الصوبيا إذ ليس بمقدورها شراء حطب أو مازوت، بالإضافة إلى إطارات غير صالحة للاستعمال، وبلاستيكيّات لعجزهم عن شراء المازوت أو الحطب”.

تضيف سماحة: “منذ العام الماضي، هناك عائلات لا تشعل الصوبيا في الأشهر الأولى من الخريف، بل تستخدم الأغطية أو تجلس في الخارج عندما يكون الطقس مشمساً”.

ولا يخفى أنّ هذه الآليّات تتضمّن كثيراً من الممارسات غير الصحّيّة التي تنعكس بشكل سلبيّ على صحّة الأطفال قبل الكبار. لكنّ هذا الكابوس الثلاثيّ الأبعاد، بات من روتين حياة هذه الأسر، منذ العام 2024 وحتّى اليوم، لا يستطيع أحد فهم حجم الانتكاسات وتأثيراتها الجسيمة على تفاصيل حياتهم. فمتى سينتهي هذا الكابوس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى