فجوة الأجور في قطاف الزيتون: فوضى وغياب الحماية

تستيقظ أمّ محمّد قبل أن تصل الشمس إلى حقول حاصبيا. عند الخامسة والنصف صباحاً، تطبخ لأطفالها وزوجها وتنجز ما تستطيع من أعمال المنزل، ثمّ تخرج نحو السابعة مع ابنتها الكبرى إلى نقطة تجمّع تنتظر فيها الشاحنة التي تقلّ العمّال إلى الحقول. تنتهي من القطاف نحو الثانية بعد الظهر، لكنّ يومها لا ينتهي هناك، تعود إلى أطفالها الخمسة ومنزلها، فيما يبقى تعب الأرض في جسدها.

أمّ محمّد تبلغ 36 عاماً وهي من التابعيّة السوريّة، تعمل في قطاف الزيتون منذ نحو عشرة أعوام، أمضت السنتين الأخيرتين في حاصبيّا، بعد أن عملت سابقاً في الخيام (مرجعيون). في الحقل، تفرش الشوادر حول الأشجار، تجمع حبّات الزيتون المتساقطة، تلتقطها من بين التراب والأعشاب، ثمّ تحمل ما جمعته إلى الأكياس. تكرّر هذه العمليّة لساعات طويلة بين الانحناء والوقوف والحمل والمشي على أرض غير مستوية.

لا ترى أمّ محمّد في فارق الأجر مشكلة، وتقول إنّ “الرجل يقوم بأعمال تختلف عن أعمالها؛ يحمل وينقل ويصعد إلى الأشجار ويضرب الأغصان، بينما تعمل النساء في الأسفل ويجمعن الثمار”. لذلك، تقول لـ”مناطق نت” إنّ “عمل الرجل أصعب جسديّاً، وحصوله على أجر أعلى لا يعني بالضرورة أنّها تتقاضى أقلّ لأنّها امرأة”. بالنسبة إليها، الفارق أصبح جزءاً مألوفاً من موسم القطاف.

يوميّة تحدّدها السوق والبلديّة

في بلدة كفرحمام (قضاء حاصبيّا)، ومع بدء موسم قطاف الزيتون، حدّدت البلديّة أجر العامل بـ15 دولاراً والعاملة بـ12 دولاراً، أيّ 80 في المئة من أجر الرجل، إضافة إلى دولارين بدل نقل يتحمّلهما صاحب الأرض. يقول رئيس البلديّة معضاد رحّال لـ”مناطق نت”: “التسعيرة أقرب إلى توصية منها من فرض ملزم، والاتّفاق النهائيّ يبقى بين العامل وصاحب الأرض”.

أمّا في الدوير (قضاء النبطيّة)، فحدّد الإعلان البلديّ اليوميّة بـ”25 دولاراً للرجل و15 دولاراً للمرأة”، أي 60 في المئة من أجر الرجل، “قبل أن تسحبه البلديّة بعد اعتراض المحافظة على صلاحيّتها في تحديد أجور العمّال”، كما يوضح رئيس البلديّة محمّد رمال لـ”مناطق نت”.

اختلاف المهام أم الجنس؟

يضع المزارعون الفارق في اليوميّة داخل تفاصيل العمل، إذ يقول حسام حرفوش وهو مزارع من حاصبيّا إنّ “الرجال يتولّون في حالات كثيرة التسلّق وتمشيط الأشجار وضرب الأغصان ثمّ حمل الأكياس ونقلها، بينما تنشغل النساء بفرش الشباك وجمع الزيتون والتقاط الثمار ووضعها في الأكياس. لذا التفاوت بالتسعيرة طبيعيّ لأنّ طبيعة المهمّة والإنتاجيّة غير متطابقة”.

ويرى رئيس بلدية كفر حمام المنطق عينه من زاوية أخرى، “فالنساء لا يتسلّقن عادة الأشجار، وبخاصّة لدى بعض العمّال السوريّين، بسبب عادات اجتماعيّة تفرض تقسيم الأدوار”. لكنّه يقول إنّ “المرأة، إذا أدّت العمل نفسه الذي يؤدّيه الرجل، يجب أن يتغيّر بدل عملها تبعاً لإنتاجيّتها. بذلك، يصبح معيار الأجر هو المهمّة التي ينفّذها العامل، لا جنسه فقط”، أمّا رئيس بلديّة الدوير، فيرى أنّ “الفارق في الأجر لا يمكن فصله عن اختلاف الأعمال”.

بغض النظر عن حجّة المزارعين ورؤساء البلديّات، التي يعتمدون عليها من أجل التفريق بين أجريّ المرأة والرجل، السؤال الأساس هو: من المسؤول عن تحديد أجر عاملة القطاف أصلاً؟ وهل من قانونٍ يحمي عاملة القطاف من التمييز الجندريّ؟

من يحدّد أجور العمّال؟

مع غياب المراقبة، تبقى العاملة والعامل أمام تفاوض مباشر مع صاحب العمل. ومع ذلك، لا تبدو التسعيرة هامشيّة بالنسبة إلى المزارعين، إذ يقول حرفوش، إنّ “أصحاب الأراضي ينتظرون تسعيرة البلديّة لأنّها توحّد الأسعار وتضبط كلفة الموسم”، مشيراً إلى أنّ “ارتفاع ما يطلبه العمّال، ولا سيّما العمّال السوريّين، قد يتجاوز قدرة المزارع على التحمّل”.

ولا تقتصر المسألة على الجنوب، ففي الشمال أيضاً تدخّلت هيئات زراعيّة وبلديّات ومزارعون في تحديد أجور موسم قطاف الزيتون، وطلبت البلديّات التريّث في إصدار التسعيرات إلى حين التوصّل إلى سعر يوازن بين حقوق العامل وقدرة المزارع. هذه الحالات تعكس ظاهرة على مستوى لبنان، إذ تلجأ جهات محلّيّة أو قطاعيّة إلى تحديد أو التوافق على بدلات قطاف الزيتون.

في الواقع، لا يعمل سوق القطاف بسعر واحد؛ فاليوميّة تتبدّل من بلدة إلى أخرى بحسب العرض والطلب وتوافر اليد العاملة وطبيعة العمل. وحين تكثر اليد العاملة تتراجع قدرة العامل على المساومة وتنخفض اليوميّة، وحين تقلّ ترتفع. وتُعدّ الأجور من أسهل كلف الإنتاج ضغطاً، فيما يحدّ ضعف التمثيل النقابيّ، ولا سيّما لغير اللبنانيّين، من قدرة العاملين على التفاوض.

نساء يعملن في قطاف الزيتون (تصوير كامل جابر)
هل للبلديّة حقّ تسعير اليوميّة؟

ينصّ قانون البلديّات، في المادّة 49، على اختصاص المجلس البلديّ بوضع الأنظمة الخاصّة بموظّفي وأجراء البلديّة وتحديد رواتبهم وأجورهم. أمّا المادّة 74 فتمنح رئيس البلديّة، ضمن اختصاصاته، صلاحيّات محدّدة، من بينها مراقبة الاتجار بالموادّ الغذائيّة وتسعيرها وفق القوانين النافذة، إضافة إلى تعيين عمّال البلديّة وأجرائها ضمن الاعتمادات المرصودة. ولا تتضمّن هذه النصوص صلاحيّة صريحة لتحديد أجور عمّال الزراعة لدى أصحاب الأراضي الخاصّة.

ما يعني أنّ البلديّة تنظّم شؤونها الداخليّة وتحدّد أجور موظّفيها وأجرائها، لكنّ ذلك لا يعني تلقائيّاً امتلاكها سلطة وضع سعر ملزم للعمل الخاص داخل أراضيها. كما تنصّ المادة 47 على اختصاص المجلس البلديّ بكلّ عمل ذي طابع أو منفعة عامّة ضمن النطاق البلديّ، وتجيز له إصدار التوصيات في مسائل المصلحة البلديّة. لكنّ توسيع هذا الاختصاص العام ليصبح سلطة مباشرة على أجور القطاع الخاصّ يحتاج إلى سند قانونيّ أو تنظيميّ أوضح.

العمل الزراعيّ خارج مظلّة القانون؟

المفارقة الأبرز أنّ العاملة والعامل الزراعيّين يجدان نفسيهما في منطقة قانونيّة رماديّة. فالمادة 7 من قانون العمل اللبنانيّ تستثني من الحماية عمّالاً زراعيّين يعملون في مؤسّسات زراعيّة لا صلة لها بالتجارة أو الصناعة، كما تستثني حالات معيّنة من العمل العائليّ، والعمّال الزراعيّون المستثنون لا يستفيدون من مجموعة الحمايات المرتبطة بقانون العمل، ومنها الحدّ الأدنى للأجور وتنظيم ساعات العمل والإجازات.

في هذا السياق، يوضح الصحافيّ المتخصّص في اقتصاد العمل أسعد سمّور لـ”مناطق نت” أنّ: “قانون العمل الصادر العام 1946 استثنى العمل الزراعيّ، على أمل أن يصدر تشريع خاصّ ينظّمه، لكنّ هذا التشريع لم يصدر حتّى اليوم”، مشيراً إلى أنّ “غياب تنظيم زراعيّ متكامل ترك العاملين الزراعيّين بلا أيّ حماية وعرّضهم لطبقات عدّة من الاستغلال، بخاصّة العمّال المهاجرين وتحديداً النساء اللواتي يشكّلن 43 في المئة من القوّة العاملة الزراعيّة”.

إذا قام الرجل بعمل مختلف فعلاً، كالتسلّق ونقل الأوزان الثقيلة، فقد توجد أسباب مهنيّة لتفاوت الأجر. لكن إذا سبقت التسعيرة تقييم العمل، وأصبح مجرّد كون العاملة امرأة سبباً للحصول على بدل أقلّ، تتحوّل “طبيعة العمل” إلى غطاء لتفاوت جندريّ

هل يحمي القانون عاملة القطاف؟

تحظر المادة 26، بصيغتها المعدّلة بالقانون رقم 207 لعام 2000، على صاحب العمل التفرقة بسبب الجنس بين العامل والعاملة في نوع العمل ومقدار الأجر والتوظيف والترقية والتأهيل المهنيّ وغيرها. كذلك صادق لبنان على اتّفاقيّة منظّمة العمل الدوليّة رقم 100 بشأن مساواة العمّال والعاملات في الأجر عن عمل ذي قيمة متساوية.

لكنّ هذه الحماية تصطدم بمشكلة النطاق. فإذا كان العامل الزراعّي مستثنى من قانون العمل، فلا يمكن التعامل مع المادّة 26 وكأنّها تنطبق تلقائيّاً على كلّ علاقة عمل زراعيّة. هنا تظهر الفجوة بين المبدأ القانونيّ والواقع الزراعيّ، القانون اللبنانيّ يعلن رفض التمييز في الأجر ضمن نطاقه، بينما يبقى جزء من القوّة العاملة الزراعيّة خارج منظومة الحماية نفسها. وهذا الاستثناء أحد أسباب استمرار النقاش حول ضرورة تنظيم العمل الزراعيّ.

ينصّ الدستور اللبنانيّ في مادّته السابعة على أنّ اللبنانيّين سواء لدى القانون ويتمتّعون بالحقوق المدنيّة والسياسيّة من دون فرق بينهم. لكنّ هذه المادّة تتحدّث صراحة عن “اللبنانيّين”، فيما يعتمد القطاع الزراعيّ في مناطق كثيرة على عمّال غير لبنانيّين. لذلك لا تكفي وحدها لحسم أوضاع جميع العاملين في القطاف.

إذا قام الرجل بعمل مختلف فعلاً، كالتسلّق ونقل الأوزان الثقيلة، فقد توجد أسباب مهنيّة لتفاوت الأجر. لكن إذا سبقت التسعيرة تقييم العمل، وأصبح مجرّد كون العاملة امرأة سبباً للحصول على بدل أقلّ، تتحوّل “طبيعة العمل” إلى غطاء لتفاوت جندريّ. وفي هذا السياق يؤكّد سمّور أنّه “من دون دراسة طبيعة العمل الذي يؤدّيه كلّ منهما، فإنّنا نكرّس التمييز قبل أن نقيس الإنتاجيّة أصلاً”.

حين يصبح الفارق عادة

بالعودة إلى أمّ محمّد، فهي لا تستخدم لغة القانون عندما تتحدّث عن يوميّتها. هي لا ترى أنّها تتقاضى أقلّ لأنّها امرأة، بل لأنّ الرجل يعمل أكثر وعمله أصعب. وهي لا ترى في ذلك تمييزاً، لأنّ تقسيم الأدوار أصبح بالنسبة إليها جزءاً من الحياة اليوميّة. في كلامها لا يظهر شعور واضح بالاحتجاج، إنّما قبول هادئ لنظام تربّت عليه واعتادته. هذا القبول نفسه يصبح جزءاً من القصّة، لأنّه يجعل الفارق يبدو طبيعيّاً قبل أن يُسأل عن عدالته.

لكنّها، في الوقت نفسه، تعمل ساعات متقاربة مع الرجل، وتؤدّي سلسلة متّصلة من المهام، ثمّ تعود إلى عمل منزليّ لا يدخل في أيّ تسعيرة. والرجل الذي يتسلّق الشجرة ويحمل الأكياس ليس وحده العامل الذي يصنع موسم الزيتون؛ المرأة تفرش الشادر، وتجمع الثمار، وتلتقط المتساقط منها، وتحمل ما جمعته إلى الأكياس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى