محميّات الجنوب.. بين القذائف الفوسفورية والمراسيم الوزارية!

ليست المرة الأولى التي تعصف فيها رياح المراسيم المهرّبة تجاه المحميّات، فقد سبق أن وثّقنا في “مناطق نت” خلال السابع من شباط (فبراير) العام 2025 التعديّات على المحميّات، ومنها ما طال شاطئ القليلة بالقرب من حمى المنصوري، حيث الشاطئ الأهمّ لجهة تعشيش السلاحف البحريّة في لبنان، ومنها الخضراء المهدّدة بالانقراض عالميًّا، ما ساهم بردّ المرسوم في حينه.

اليوم كان من المفترض أن تطرح وزارة البيئة على الحكومة مشاريع مراسيم (أعيد سحبها) لتعديل حدود 11 محميّة وطنيّة، أربع منها في الجنوب، حيث عبثت الاعتداءات والقذائف الإسرائيليّة بنظمها البيئيّة وأحرقت غطاءها النباتي، إلى جانب الضغوط البشريّة والعمرانيّة والممارسات الجائرة التي كانت بمثابة تحدٍّ كبير على سلامتها.

أثار هذا الإجراء التنفيذيّ قلقاً وغضباً على صعيد المجتمع البيئيّ والباحثين والخبراء، وفتح باباً واسعاً للأسئلة: هل الهدف تثبيت الحماية البيئيّة أم تقليص مساحات المحميّات وتسهيل استثمارات عقاريّة على حساب التنوّع البيولوجيّ والمناخ؟

محميّات الجنوب بتنوّع بيولوجيّ

في منطقة الجنوب، ثمّة خمس محميّات طبيعيّة رسميّة أُنشئت بموجب قوانين صادرة عن مجلس النواب، هي:

  • محميّة شاطئ صور الطبيعيّة (القانون رقم 708/1998): تعتبر من أكبر المحميّات الساحليّة في لبنان مساحتها 380 هكتاراً (الهكتار 10 آلاف متر مربّع)، تجمع بين الشاطئ الرمليّ والأراضي الرطبة ذات الأهمّيّة الدوليّة (مدرجة ضمن اتّفاقية رامسار). وتعدّ معلماً استراتيجيّاً لتعشيش السلاحف البحريّة المهدّدة بالانقراض (السلحفاة الخضراء والسلحفاة ضخمة الرأس).

  • محميّة شاطئ العبّاسيّة البقبوق (أُنشئت العام 2020): وهي امتداد إيكولوجيّ وحيويّ لنظام صور الساحليّ، تقع على مسار التيّارات البحريّة القادمة من قناة السويس، وتعتبر موقعاً مرجعيّاً لرصد التنوّع البيولوجيّ والأنواع الغازية وموئلاً لتعشيش السلاحف أيضاً.

  • محميّة كفرا (بنت جبيل) الطبيعيّة (القانون رقم 198/2011): معروفة كمحميّة جبليّة وحرجيّة تهدف حماية غابات السنديان والأوك على الارتفاعات المتوسّطة وتثبيت التربة.

  • محميّة رامية (بنت جبيل) الطبيعيّة (القانون رقم 199/2011): وهي محميّة برّيّة تحمي المساحات الحرجيّة والأشجار المعمّرة على الحدود الجنوبيّة وتؤمّن ترابط الموائل.

  • محميّة بيت ليف (بنت جبيل) الطبيعيّة (القانون رقم 201/2011): تضمّ أحراجاً وبرار غنيّة بالتنوّع النباتيّ البرّيّ، وتعتبر حلقة رئيسة في الشريط الحرجيّ الجنوبيّ.

رمي ركام الحرب ضمن حرم محمية صور الطبيعية
تدمير الغطاء واختراق المناطق الحزاميّة

تعرّضت هذه المحميّات لضغوط متزايدة منذ إعلانها محميّات طبيعيّة وازدادت عمقاً خلال الحرب، وشملت التعدّيات في كلّ من محميّتي صور والعبّاسيّة الصيد غير القانونيّ البرّيّ والبحريّ بالديناميت والسموم واستخدام الشباك الضيّقة، فضلاً عن تجريف الكثبان الرمليّة، وحرق الإطارات، ورمي النفايات، وصولاً إلى مشاريع الإسمنت والمشاريع السياحيّة والتجاريّة في المناطق الحزاميّة (العازلة).

لم تسلم أيضاً المناطق الحزاميّة من نقل الرمول واستبدالها بردميّات وركام الحرب، وصولاً إلى إقامة مشاريع تجاريّة حزاميّة محاذية كـ“نادي الضبّاط”، الذي كنّا ولا نزال نتابعه في “مناطق نت”، وحرائق مجهولة طالت المناطق العلميّة في الجزء العلميّ من محميّة صور، والذي يضمّ نباتات بحريّة نادرة مهدّدة بالانقراض.

آثار الحرب والعدوان الإسرائيليّ

لم تسلم المحميّات الجنوبيّة من الحرب، فبحسب ما وثّقه المجلس الوطنيّ للبحوث العلميّة (CNRS)، فإنّ أكثر من 63 ضربة وقذيفة طالت محميّة العبّاسيّة، و40 ضربة مدفعيّة طالت صور ومحميّتها.

كذلك دُمّر “البيت البرتقاليّ” في حمى المنصوري باستهداف مباشر، وقتلت إسرائيل الناشطة البيئيّة منى خليل، التي جعلت من البيت مركزاً بيئياً بامتياز، وتوقّفت عمليّات رصد تعشيش وحماية السلاحف البحريّة بعد احتلال البلدة في آب (أغسطس) الماضي.

بيت الناشطة البيئية مي خليل والتي قضت فيه على شاطئ القليلة، بعد أن دمرته غارة اسرائيلية.

أمّا محميّات كفرا ورامية وبيت ليف الواقعة في القرى الحدوديّة المباشرة، فقد تعرّضت لقصف كثيف بالقذائف الحارقة والفوسفوريّة، ما أدّى إلى احتراق غطائها النباتيّ المعمّر وتدمير الموائل البرّيّة.

الرؤية البيئيّة والميدانيّة

ينتقد رئيس جمعيّة “الجنوبيّون الخضر” الدكتور هشام يونس “ترتيب الأولويّات لدى وزارة البيئة في ظلّ هذه الظروف الراهنة”. ويقول لـ”مناطق نت”: “في وقت تتعرّض فيه المحميّات الطبيعيّة في جنوب لبنان لاعتداءات واسعة ومستمرّة من قوّات الاحتلال الإسرائيليّ، ويقع بعضها في مناطق لا تزال تحت الاحتلال، وفي ظلّ تأخّر إنجاز تشريعات أساسيّة لتعزيز حمايتها، تبدو الأولويّات لدى الوزارة في مكان آخر تماماً”.

ويضيف “بدلاً من العمل على تطوير منظومة الحماية ومعاييرها، وتعزيز حماية المناطق العازلة حول المحميّات، وتنظيم الأنشطة والممارسات المستدامة في محيطها، وحماية الأملاك العامّة البحريّة والشواطئ من التعدّيات، ينصبّ الاهتمام على إعادة تحديد حدود المحميّات وفقاً للخرائط العقاريّة، وكأنّ الإشكاليّة الأساس تكمن في تجنّب التعارض مع الملكيّات الخاصّة”.

ويشدّد على أنّه “لا يفترض أن يغفل عن فهمنا أنّ المحميّة الطبيعيّة ليست مجرّد مجموعة من العقارات، وحدود الملكيّة لا تحدّد حدود النظام البيئيّ أو وظائفه. والأولويّة ليست لترسيم الحدود العقاريّة بمعزل عن الاعتبارات البيئيّة، بل لتحديد الوظائف والأدوار الإيكولوجيّة للمحميّات، وتقييم التهديدات التي تواجهها، وتطوير أدوات حمايتها وإدارتها على أسس علميّة تواكب التحدّيات الراهنة والمستقبليّة”.

البُعد الشامل والأزمة المناخيّة

استكمالاً للمشهد البيئيّ، يقول الكاتب الصحافيّ والأكّاديميّ حبيب معلوف لـ”مناطق نت”: “على مجلس الوزراء التوقّف عن إقرار المراسيم وتغيير المقاربة الرسميّة برمّتها”. وأضاف “لا يمكن التضحية بالحماية لتسهيل الاستثمار، لأنّ الحلّ لا يكون بتعديل الخرائط وتقليص المساحات المحميّة لتسهيل المشاريع، بل بوضع سياسة وطنيّة واضحة تحدّد أين يُسمح بالاستثمار وبأيّ شروط بيئيّة صارمة، وأين تكون الأولويّة المطلقة للحماية”.

ويؤكّد أنّ لبنان “يواجه أزمة مناخيّة متصاعدة؛ والمنطق البيئيّ يفرض توسيع المساحات الخضراء وحمايتها لا تقليصها أو تجزئتها؛ فالأحراج والغابات ليست ترفاً جماليّاً، بل بنية تحتيّة تخزّن الكربون وتحمي المياه والتربة وتدعم التكيّف المناخي”.

معلوف: يواجه لبنان أزمة مناخيّة متصاعدة؛ والمنطق البيئيّ يفرض توسيع المساحات الخضراء وحمايتها لا تقليصها أو تجزئتها.

ويطالب معلوف بـ”وقف إقرار المراسيم إلى حين إنجاز استراتيجيّة بيئيّة تضمن معايير علميّة وشفّافة لإدخال الأراضي أو إخراجها، وصون المشاعات، وإدماج أهداف التكيّف المناخيّ وزيادة المخزون الطبيعيّ للكربون”. ويختتم حديثه مشدّداً على أنّ “حقوق الأجيال المقبلة ليست شعاراً أخلاقيّاً، بل قيد يفرض عدم استهلاك الغابات والمياه والمساحات الطبيعيّة باسم التنمية العابرة”.

المحميّات كموروث إنسانيّ

ترتبط المحميّات الطبيعيّة والساحليّة في جنوب لبنان بحبل سرّي وثيق مع حياة الناس والمجتمعات المحلّيّة، وهي أهمّ من الحسابات الاستثماريّة والعقاريّة. فالغابات، والأحراج، والشواطئ البحريّة ليست مساحات جغرافيّة صامتة أو حتّى مشهداً جماليّاً عابراً، هي جزء أصيل من تراث أهل الجنوب، وتاريخهم، وهويّتهم، واقتصادهم المحلّيّ. إنّها موروث إنسانيّ واجتماعيّ متراكم عبر الأجيال، يعيش منها الصيّادون، والمزارعون، وأهل القرى الجنوبيّة الذين نسجوا ذاكرتهم ونمط حياتهم اليوميّ حول البحر والخلّة والجبل والحقل والسهل والمشاع.

إنّ مساس هذه المحميّات بالقضم أو الإهمال أو إعادة الرسم التجاريّ لا يعني مجرّد خسارة مساحة خضراء أو مائيّة، بل يعني اندثار موروث حضاريّ وإنسانيّ يرتبط مباشرة بوجود الناس وبقائهم في أرضهم. فاندثار هذا الموروث البيئيّ والتاريخيّ يهدّد باندثار الهويّة الاجتماعيّة واقتلاع الناس من مجتمعاتهم واقتصاداتهم التقليديّة المستدامة.

إنّ حماية النظم البيئيّة والمحميّات الطبيعيّة في الجنوب ولبنان ككلّ لا تُدار بـ”ترسيم عقاريّ” مجتزأ يقدّم الملكيّات والاستثمارات الخاصّة على الوظائف الإيكولوجيّة، ولا بقرارات مستعجلة تقتطع من المناطق الحزاميّة. إنّ المطلوب اليوم هو إيقاف المراسيم المطروحة، وصياغة استراتيجيّة وطنيّة شاملة تحفظ حقّ الأجيال القادمة، وتصون هويّتنا وموروثنا المرتبط بحياة الناس وأرضهم في وجه العدوان والانتهاكات في آن واحد.

شاطئ المنصوري المكان الأول لتعشيش السلاحف، لم يعد بالمستطاع الوصول إليه منذ آب الماضي بسبب اخطر الأمني واحتلال البلدة.
برك رأس العين قرب صور
آثار طلقات الصيد في محمية العباسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى