رحلت منى خليل حامية السلاحف وبقي بحر المنصوري ينتظرها

في جنوب لبنان، وتحديداً عند شاطئ المنصوري حيث يكتب موج البحر سيرته كل يوم على الرمل، عاشت امرأة كانت تنحني كل صباح لتقرأ ما خلفته السلاحف من آثار، كأنها تفكك رسائل سرّية من الحياة نفسها. هذه المرأة اسمها منى خليل.

الاسم لم يمر مرور الكرام في الجنوب، ولا في ذاكرة البحر، بل انطبع في قلوب آلاف الأطفال الذين تعلّموا على يديها كيف يحبّون الطبيعة، فصارت تُعرف باسم آخر: “حامية السلاحف”.

اليوم فارقت منى خليل الحياة، بعد أن عاشت أوقاتاً قاسية كانت روحها فيها معلّقة على خيط رفيع بين الحياة والموت، إثر غارة استهدفت بيتها البرتقالي في الرابع من حزيران. ذاك البيت لم يكن يوماً مجرد جدران، بل كان جنة صنعتها بيديها وإصرارها، كان مأوىً للعلم وملجأً للأمل.

أُصيبت منى جرّاء الغارة إصابة بليغة، خضعت على إثرها لعملية جراحية كبيرة، لكنّها فارقت الحياة، فيما البحر الذي أحبّته بقي ينتظرها، والتلة المجاورة التي أوصت أن تحتضن جثمانها استعدت لوداعها.

سيرة مثقلة بالحزن

وُلدت منى في أوائل أربعينيات القرن الماضي، وعاشت حياة لم تكن عادية؛ تزوجت من شافع أبو ريشة، نجل الشاعر الراحل عمر أبو ريشة. وفقدت ابنها “عمر” في حادث مأسوي خلال رحلة إلى اليونان أمام عينيها؛ كان طفلاً في الثامنة من عمره، حاولت إنقاذه لكن الموت كان أسرع منها ومن مقاومتها لإصابتها في ذلك اليوم، لتشكل تلك اللحظة جرحاً داخلياً عميقاً وانكساراً دفعها لاحقاً إلى مغادرة بلدها لبنان.

حملت منى جراحها وحزنها ورحلت إلى هولندا، حيث عاشت نحو سبعة عشر عاماً واكتسبت جنسيتها، لكنها بقيت تحن لوطنها وبيت جدتها. كانت تقول إن شيئاً ما ظلّ يشدّها نحو الجنوب، إلى الأرض التي تركتها، وإلى بحرٍ لم تنسه. وفي عام 2000، اتخذت قراراً بالعودة وعادت. كان الجنوب حينها لا يزال يرزح تحت الاحتلال، عادت إلى أرض ورثتها عن جدتها في بلدة المنصوري، تطل على البحر، مهجورة وصامتة، كأنها كانت تنتظر عودتها هي تحديداً.. وبعد أشهر قليلة فقط، انسحب الاحتلال.

كانت تقول إن حدسها أخبرها أن شيئاً ما سيتغيّر، وأنّ وعداً بزمن جديد سيبدأ، ولم تكن تعرف أن التغيير سيبدأ بسلحفاة.

على الرمال وبين السلاحف

في إحدى الليالي، سلكت منى الطريق نحو الشاطئ لتتفاجأ بسلحفاة كبيرة صعدت لتضع بيضها. لم تكن تعرف آنذاك أنّ الأضواء تزعجها، فغادرت السلحفاة، لكن المشهد لم يكن عابراً بالنسبة لمنى، بل كان لحظة تأسيس.

هناك، على الرمل، قررت أن حياتها ستأخذ اتجاهاً جديداً بعد اكتشافها أن شاطئ المنصوري هو واحد من أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في شرق المتوسط، وأن هذه الكائنات مهدّدة بالانقراض، خصوصاً أنّ تلك السلحفاة كانت من نوع “السلاحف الخضراء” النادرة.

لم تكن منى عالمة أحياء، ولم تكن تملك خبرة علمية سابقة، فتواصلت مع خبراء وجمعيات، تعلّمت، وتدربت، وسرعان ما أصبحت هي المرجع في هذا المجال.

بيت بلون البرتقال ونكهته

هكذا وُلد “البيت البرتقالي”؛ بيتٌ بلون هولندا وفاءً للدولة التي احتضنتها يوماً ومنحتها جنسيتها، لكنه في الحقيقة كان بلون الحياة. حوّلته منى إلى نُزل ومركز بيئي مفتوح، يستقبل الباحثين، يحتضن المتطوعين، يعلّم الأطفال، ويراقب البحر.

عاشت في قلب القضية التي دافعت عنها، وأصبحت حياتها الخاصة مرتبطة بكل تفاصيلها. تستيقظ كل يوم مع الفجر، تمشي على الشاطئ، تنظفه، تتعقب آثار السلاحف، تحمي الأعشاش، تنقل المهدد منها، تضع شباكاً حولها، وتنتظر اللحظة الأكثر قداسة بالنسبة لها: خروج السلاحف الصغيرة ووصولها الآمن إلى البحر.

على مدى عقدين كاملين، أنقذت منى آلاف السلاحف الصغيرة، لكنها كانت تقول إنّ إنجازها الحقيقي ليس في الأرقام، بل في القلوب التي تغيّرت والأثر الذي تركته: “أنا لا أنقذ السلاحف فقط، أنا أعلّم الأطفال أن يحبّوا الطبيعة”.

رحلة صعبة ومواجهات قاسية

لم يكن الأمر سهلاً، بل كانت حرباً خاضتها بكل صولاتها وجولاتها؛ واجهت الجهل، والتعديات العمرانية التي تسرق الشواطئ، والإضاءة التي تضلّل السلاحف، والصيادين الذين يستعملون الديناميت. لم تنتظر قراراً رسمياً لتبدأ، لكنها ساهمت في فرض واقع بيئي لا يمكن تجاهله، مهّد لإعلان الشاطئ “حمى رسمية” لاحقاً، وتحوّل شاطئ “المنصوري – القليلة” بفعل حمايتها إلى واحد من أهم المواقع المحمية في لبنان، ونموذجاً للحماية المجتمعية.

درّبت أجيالاً من المتطوعين، بعضهم أصبح باحثاً، وبعضهم ناشطاً، وبعضهم الآخر غدا إنساناً يرى البحر بطريقة مختلفة. لقد آمنت أن السلاحف ليست كائنات عابرة، بل جزء من هوية لبنان.

ثم جاء الاستهداف

لم تستهدف الغارة التي وقعت في الرابع من حزيران موقعاً عسكرياً، بل بيتاً مفتوحاً للحياة؛ “البيت البرتقالي” الذي احتضن السلاحف والبشر. أصابته نيران الاحتلال وأصابت منى مع مساعدتها. منى، المرأة التي قضت عمرها تحرس الحياة، وجدت نفسها فجأة تقاتل من أجل حياتها. جسدها المتعب بالجراح لم يصمد، رغم أنها حاولت المقاومة كما قاومت لعقود كل ما هدد السلاحف والبحر. حاول الأطباء إنقاذها، وأجروا لها عملية جراحية، لكن بعد نقلها إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، تعرّضت لمضاعفات فارقت على إثرها الحياة متأثرة بجراحها.

في المنصوري، ستستمر السلاحف بالصعود نحو الشاطئ، تحفر في الرمال، تخبئ بيضها وتغادر، تاركة خلفها حياة جديدة.. لكن شيئاً ناقصاً سيكون هناك؛ امرأة كانت تقف كل صباح بثبات لتحمي المعجزة، امرأة آمنت أن حماية كائن صغير يمكن أن تكون مقاومة بحجم وطن.

الناشطة البيئية منى خليل لم تكن فقط حامية للسلاحف البحرية، كانت تحمي فكرة أن الحياة، مهما كانت هشّة، تستحق أن يُدافع عنها حتى النهاية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى