القمح البلديّ مهدد بالانقراض فمن يحمي سنابل لبنان الأخيرة؟

على امتداد ثلاثة عقود، وكما فعلت الأجيال التي سبقته، ظلّ أمين مغامس، ابن بلدة كوكبا بقضاء راشيا، حارسًا وفيًّا لبذورٍ ورثها عن أهله، يودعها الأرض في كلّ موسم، ويستبقي جزءًا من حصاده كي يكون بذار الموسم التالي. غير أنّ هذا الإرث الزراعيّ، الذي صمد في الحقول عقودًا، بما يحمله من قدرة على التأقلم مع البيئة المحلّيّة والحفاظ على خصائصه الوراثيّة جيلًا بعد جيل، بات اليوم يواجه خطر الاندثار. يختصر مغامس، في حديثه لـ”مناطق نت”، مستقبل القمح البلديّ بجملة واحدة: «مصيره الانقراض».

ليست هذه العبارة مجرّد هاجس مزارع يخشى خسارة محصوله، بل سؤال يطال واحدًا من أقدم المحاصيل التي شكّلت عبر قرون ركيزة الغذاء في لبنان والمشرق.

فبين ارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع الجدوى الاقتصاديّة، واتّساع الاعتماد على الأصناف المحسّنة والبذور التجاريّة، تتقلّص المساحات التي لم تزل تحتضن القمح البلديّ عامًا بعد آخر، فيما تتباين الآراء حول مستقبله، إذ يحذّر مزارعون وخبراء وجمعيّات معنيّة بحفظ البذور من خطر اندثاره، في حين تؤكّد وزارة الزراعة أنّ الأصناف البلديّة لا تزال محفوظة لدى المزارعين وفي بنك البذور الوطنيّ، وأنّها تعمل على حمايتها وإكثارها.

فهل يقود تراجع زراعة القمح البلديّ في لبنان إلى انقراضه، على رغم الجهود الرسميّة للحفاظ عليه؟ وما الذي يبقى من الأمن الغذائيّ والسيادة الزراعيّة إذا غابت البذور التي صمدت في الحقول قرونًا طويلة؟

سوق لا تحمي

بالنسبة إلى مغامس، لا يرتبط التمسّك بالقمح البلديّ بالحنين إلى الماضي، بل بواقعٍ زراعيّ تفرضه الأرض نفسها. ويؤكّد أنّ طبيعة الأراضي البعليّة في منطقته لا تناسب الأصناف المحسّنة التي تحتاج إلى ريّ منتظم وتسميد أكبر، بينما أثبت القمح البلديّ، عبر عقود، قدرته على التأقلم مع المناخ المحلّيّ والاستمرار في ظروف أكثر قسوة. يقول مغامس: «القمح البلديّ هو أكثر ملاءمة لمناخ منطقتنا وجغرافيّتها».

لكنّ قدرة القمح البلديّ على التأقلم لم تكن كافية لحمايته. فبحسب مغامس، بدأ حضوره يتراجع مع انتشار الأصناف المحسّنة الأعلى إنتاجيّة، إلى جانب المنافسة التي فرضها القمح والبرغل المستوردان، في ظلّ غياب سياسات تحمي الإنتاج المحلّيّ. ويشير إلى أنّ المشكلة لا تكمن في غياب المزارعين الراغبين بزراعته، بل في غياب سوقٍ تضمن استمراره، مضيفًا: «نحن لا نطالب بالمساعدات الماليّة، بل نطالب بحماية إنتاجنا المحلّيّ».

لا تقتصر هذه المخاوف على شهادات المزارعين وتجاربهم في الحقول، بل تسندها المعطيات العلميّة أيضًا. يوضح المهندس الزراعيّ عادل سليم، في حديثه لـ«مناطق نت»، أنّ القمح البلديّ يتميز بكونه سلالة متطوّرة محلّيًّا، متأقلمة مع البيئة منذ القدم، وتحافظ على نقائها الوراثيّ، فيما تبقى بذوره قابلة للزراعة موسمًا بعد آخر مع احتفاظها بصفاتها الأصليّة.

صورة تظهر بذور القمح البلدي التي لا يزال المزارع أمين مغامس يحتفظ بها
أزمات من كلّ حدب وصوب

غير أنّ هذه الخصائص لم تكن كافية لحمايته من التراجع. فبحسب سليم، لم يكن تراجع زراعة القمح البلديّ نتيجة عامل واحد، بل جاء حصيلة تراكم أزمات اقتصاديّة وزراعيّة ومناخيّة، بدأت بارتفاع كلفة الإنتاج وغياب الدعم الرسميّ للمزارعين، والتوقّف عن شراء المحاصيل بأسعار تشجيعيّة، مرورًا بسياسات اعتمدت على استيراد القمح على حساب الإنتاج المحلّيّ، وصولًا إلى التغيّرات المناخيّة والأوضاع الأمنيّة، ولا سيّما في المناطق الحدوديّة الجنوبيّة، التي أدّت إلى تقلّص المساحات المزروعة وتدهور كثير من الأراضي الزراعيّة.

يرى سليم أنّ هذه العوامل مجتمعة دفعت المزارعين إلى هجر زراعة القمح البلديّ والتوجّه نحو محاصيل أكثر جدوى من الناحية الاقتصاديّة، ما أسهم تدريجًا في تهميش هذا المحصول الاستراتيجيّ.

ولا يقف أثر هذا التحوّل عند تقلّص المساحات المزروعة أو خسارة التنوّع الوراثيّ الزراعيّ. يشير سليم إلى أنّ الاعتماد على البذور المحسّنة والمهجّنة يفرض على المزارع شراء بذار جديد في كلّ موسم، الأمر الذي يقلّل من استقلاليّته، ويجعله أكثر ارتباطًا بالشركات والمؤسّسات التي تتحكّم باستيراد البذور وتوفيرها.

ويحذّر سليم من أنّ استمرار هذا المسار لا يعني فقدان صنف زراعي وحسب، بل خسارة رصيد وراثيّ راكمته الحقول اللبنانيّة عبر أجيال. ويضرب مثالًا بصنف «القمح السلمونيّ»، الذي تكيّف مع الظروف المناخيّة المحلّيّة منذ القدم، مؤكّدًا أنّ إهمال زراعة هذه السلالات، بما تمتلكه من مقاومة طبيعيّة للجفاف والأمراض، ينذر بفقدانها تدريجًا.

مبادرات محلّيّة تسابق الزمن

هذا الخطر لم يبقَ في إطار التحذيرات العلميّة، بل دفع مبادرات محلّيّة إلى خوض سباق مع الزمن للحفاظ على ما تبقّى من بذور بلديّة وإعادتها إلى الحقول. من بين هذه المبادرات، تعمل جمعيّة «بذورنا جذورنا» منذ سنوات على جمع البذور البلديّة وإكثارها وإعادتها إلى المزارعين، في محاولة لوقف مسار اندثارها.

يؤكّد الفلّاح سيرج حرفوش، أحد مؤسّسي جمعيّة «بذورنا جذورنا» ورئيسها الحاليّ، في حديث لـ«مناطق نت»، أنّ الحفاظ على البذور البلديّة لا يبدأ بتخزينها، بل في البحث عنها بمناطق حافظت عليها، ثمّ إكثارها وإعادتها إلى المزارعين، عبر نظام يقوم على تبادل البذور وإعارتها، بما يضمن استمرار زراعتها وتداولها بين الأجيال.

ويشير حرفوش إلى أنّ الجمعيّة نجحت حتّى اليوم في جمع ما بين 25 و30 صنفًا من القمح البلديّ، تعود أصولها إلى لبنان وسوريا وفلسطين والأردنّ والعراق وتركيّا وإيران، إضافة إلى عدد من أصناف شمال إفريقيا وجنوب أوروبّا، مؤكّدًا أنّ عمليّة البحث عن أصناف جديدة لا تزال مستمرّة. وللحفاظ على حيويّة هذه الأصناف، تُخزّن البذور في بيتٍ مبنيّ من الطين، حيث تبقى درجات الحرارة والرطوبة مستقرّة، قبل أن تُعاد زراعتها بصورة دورّية، انطلاقًا من قناعة الجمعيّة بأنّ البذور تُحفظ في الأرض أكثر ممّا تُحفظ في مكتبات البذور.

مبادرة “بذورنا جذورنا” للحفاظ على البذور البلدية
بذور محفوظة بعيداً من الحقول

غير أنّ استعادة البذور البلديّة لا تعني بالضرورة عودتها إلى الحقول. فحتّى مع استمرار الجهود لإكثارها وحفظها، يبقى قرار زراعتها مرتبطًا بحسابات اقتصاديّة دفعت كثيرًا من المزارعين إلى التخلّي عنها، على رغم اقتناعهم بقدرتها على التأقلم مع البيئة المحلّيّة.

يؤكّد المزارع عبد الحليم المجذوب، ابن بلدة غزّة في البقاع الغربيّ، في حديث لـ«مناطق نت»، أنّه استمرّ في زراعة القمح البلديّ حتّى أواخر الثمانينيّات وبداية التسعينيّات، قبل أن يتوجّه نحو الأصناف المحسّنة مع انتشارها على نطاق واسع. ويوضح أنّ هذا التحوّل لم يكن بسبب فقدان الثقة بالقمح البلديّ، بل نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج، ولا سيّما أسعار استئجار الأراضي الزراعيّة، مقابل محدوديّة إنتاجه مقارنة بالأصناف الحديثة ذات المردود الأعلى.

ويشدّد المجذوب على أنّ التخلّي عن القمح البلديّ لم يكن رفضًا له، بل نتيجة فقدانه جدواه الاقتصاديّة في ظلّ الظروف الحاليّة، مضيفًا: «إذا كان هناك دعم يغطّي كلفة إنتاج القمح البلديّ، فلا مانع لديّ من العودة إليه، لكن في ظلّ الظروف الحاليّة فإنّ العودة إليه تعني الخسارة».

وزارة الزراعة تنفي

أمام هذه الوقائع، من تراجع المساحات المزروعة، إلى عزوف المزارعين، مرورًا بجهود الجمعيّات للحفاظ على البذور، يبرز موقف وزارة الزراعة الذي يقدّم قراءة مختلفة لهذا الواقع، ويرفض اعتبار القمح البلديّ محصولًا على سكّة الاندثار.

يؤكّد وزير الزراعة نزار هاني، لـ«مناطق نت» أنّ الحديث عن اندثار القمح البلديّ «غير دقيق»، مشيرًا إلى أنّ هذه الأصناف لا تزال موجودة لدى عدد من المزارعين ممّن يواصلون زراعتها، كذلك تُحفظ في بنك البذور التابع لمصلحة الأبحاث العلميّة الزراعيّة، حيث تُجمع المدخلات الوراثيّة للقمح، وتُوصَّف، وتُنقّى، وتُكثَّر، وتُحفَظ على المديين القصير والطويل، بما يتيح إعادة استخدامها في حال فقدان أيّ صنف نتيجة الكوارث أو الظروف الطارئة.

ويضيف هاني أنّ الوزارة تعمل، ضمن استراتيجيّتها الزراعيّة 2026– 2030، على تعزيز قطاع القمح باعتباره أحد المحاصيل الاستراتيجيّة المرتبطة بالأمن الغذائيّ، من خلال دعم إنتاج البذور، وتمكين المزارعين، وتشجيعهم على إكثار الأصناف المحلّيّة والموثّقة ورفع إنتاجيّتها.

في النهاية، قد يختفي القمح البلديّ من بنك البذور، لكنّ الخطر الحقيقيّ إذا اختفي من الحقول. فالبذرة التي لا تُزرع، مهما حُفظت، لن تصبح سنبلة.

بنك البذور الوطني المصدر (وزارة الزراعة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى