صحافيّو لبنان.. ناقلون للحقيقة أم “جواسيس”؟

“الناس تخاف من الصحافيّين!”. تقولها مروة صعب وهي صحافيّة، تغطّي منذ الحرب الماضية 2024، ومن خلال عملها الميدانيّ واليوميّ على الأرض قصص الناس ومعاناتهم. ما قالته صعب واستنتجته ليس وليد لحظة راهنة، بل هو مسار طويل من التراكمات للعلاقة الملتبسة بين المواطن والصحافيّ، وهي تتّصل بالتنميط للمحطّات الإعلاميّة التي تحاكي الانقسام السياسيّ الحادّ في البلد، ويتجلّى ذلك في أوضح صوره.
يأتي ذلك كنتيجة طبيعيّة لغياب إعلام مستقلّ متحرّر من أيّ أجندة سياسيّة، قادر على الوقوف على مسافة واحدة من مختلف القوى السياسيّة. لكنّ هذا لا يعني أو يبرّر التعرّض للصحافيّين والنظر بالارتياب نحو عملهم، وهم لا يكونون بالضرورة مرتبطين بسياسة هذه المحطّة أو تلك الوسيلة الإعلاميّة، بقدر ما يمارسون مهنتهم، وفق قوانين مرعيّة الإجراء.
لكن للحروب رأيًا آخر، ففيها تسود الفوضى ويغيب القانون ومعه الحماية، فلا تعود العلاقة بالصحافيّ تنحصر من خلال نظرة الارتياب وحسب، بل يتعدّى ذلك إلى الاعتداء الجسديّ بمجرّد أنّ ينتمي الصحافيّ إلى وسيلة إعلاميّة لا تحظى بالرضى في مناطق معيّنة، بينما تنعم بها في مناطق أخرى.
صحافيّ أمّ جاسوس
“الصحافيّ ينقل إحداثيّات”. تتابع الصحافيّة صعب حديثها لـ”مناطق نت”، قائلة إنّ “الترويج لتلك المقولة يعرّض الصحافيّ للخطر، ويجرّده من صفته المهنيّة لتضعه في خانة ‘الجاسوس‘ أو العميل”. وتضيف صعب “هناك خوف عند المواطنين من التصريح أمام الكاميرا، على الرغم من أنّ المادّة المصوّرة تكون أكثر وضوحًا ويصعب تحريفها كالمّادة المكتوبة، لكن للأسف البعض يحرّف ويقتطع، وهذا ما يؤدّي إلى فقدان الثقة بين الناس والصحافيّين”.
تلفت صعب إلى أنّ “الصحافيّ المستقلّ (الفريلانس) هو أكثر من يدفع الثمن، لأنّه يتكبد كلفًا عالية أثناء التغطية دون أيّ ضمان لقبول المؤسّسات مادته ونشرها”. وترى أنّ “العائق الأكبر هو أن الناس باتت تكره الصحافيّ لأسباب عدّة أبرزها الحملات التي تُشن على الصحافيّين، ومحاولة البعض تشويه صورة الصحافيّ، الأمر الذي يخلق فجوة بينه وبين مجتمعه”.
صحافيّ بين التنميط والتصنيف
مع ارتباط الوسائل الإعلاميّة بشكل مباشر أو غير مباشر بجهات حزبيّة أو سياسيّة، أصبحت التغطيات الصحافيّة تقاس انطلاقًا من هويّة المؤسّسة وانتماءاتها. لذا بات الجمهور يميل إلى تصنيف الصحافيّين تبعًا للوسائل التي يعملون فيها، لا تبعًا لعملهم الفرديّ أو مهنيّتهم.
وضمن هذا الواقع، يجد كثيرون من الصحافيّين أنفسهم في مواجهة أحكام مسبقة ونظرة مشكوك بها من قبل الناس، فقط لأنّهم ينتمون مهنيًّا إلى مؤسسة تحمل توجّهًا سياسيًّا مواليًا أو مغايرًا، حتّى وإن كانوا يحاولون الحفاظ على استقلاليّتهم المهنيّة والالتزام بمعايير الصحافة. وهكذا، يصبح الصحافيّ في لبنان عالقًا بين رغبته في ممارسة مهنته بموضوعيّة، وبين صورة نمطيّة يفرضها الانقسام السياسيّ والإعلاميّ “الحادّ” على كلّ من يعمل في داخل هذا القطاع.
المصوّر الصحافيّ محمّد سلامي: “بعض الصحافيّين يستخدم الناس لصناعة المحتوى وينسى الواقع، واقع أنّهم هاربون من الموت من مناطق القتال”.
خوف وارتياب وعدم ثقة
تروي الصحافيّة غوى كنعان بعض الصعوبات التي واجهتها وتواجهها خلال تغطية أحداث الحرب على لبنان، والتي تبدأ من طلب المواطنين تأمين خصوصيّة لهم، فحتّى لو استبدلت المادّة المصوّرة بالمكتوبة يُطلب إليها عدم إدراج أسماء المواطنين الحقيقيّة لا سيّما في ما يخصّ المواقف السياسيّة والتعرّض لأيّ موقف سيّء.
وتتحدث كنعان عن موقف تعرّضت له بعد نشر أحد تقاريرها في إحدى قرى قضاء صور. تقول لـ”مناطق نت”: “بعد موافقة أهل البلدة على التصريح، تواصل معي أحدهم راجيًا منّي إلغاء المادّة، كي لا يتعرّضوا للخطر”. تضيف كنعان “ألغي التقرير، بعدما كنت قد تكلّفت مصاريفه ومستحقّاته، وإنتاجه بسبب العلاقة غير الموثوقة بين الصحافيّ والمواطنين”.
على رغم كلّ هذه التحدّيات، يبقى على الصحافيّ التمسّك بالمعايير الأخلاقيّة والمهنيّة، من صدق وموضوعيّة واحترام لكرامة الأفراد، بخاصّة في ظل واقع باتت فيه السرديّات المتقابلة تتحكّم بنظرة الناس إلى الأحداث، ويتمسّك كلّ طرف بروايته الخاصّة باعتبارها الحقيقة الكاملة. في خضمّ هذا الانقسام، تصبح مسؤوليّة الصحافيّ أكبر، لأنّ استعادة ثقة الناس لا يمكن أن تتحقّق إلّا من خلال التزامه بدوره الحقيقيّ كناقل أمين للواقع، لا كطرف يعزّز الانقسام أو يكرّس الاصطفافات القائمة.
أخلاقيّات المهنة
تُعدّ أخلاقيّات المهنة في العمل الصحافيّ حجر أساس يوجّه ويحدّد مسؤوليّته تجاه المجتمع والأفراد، بخاصّة في القضايا الإنسانيّة. فهي تقوم على حماية كرامة الإنسان، وعدم استغلال معاناته لتحقيق سبق إعلاميّ أو محتوى جذاب. كذلك تفرض على الصحافيّ التعامل بوعي وإنسانيّة مع الضحايا، وتقديم الحقيقة دون الإضرار بهم أو انتهاك خصوصيّاتهم، بما يعزّز الثقة بين الإعلام والجمهور.
المصوّر الصحافيّ محمّد سلامي يرى أنّ “بعض الصحافيّين يستخدم الناس لصناعة المحتوى وينسى الواقع، واقع أنّهم هاربون من الموت من مناطق القتال”. يتابع سلامي لـ”مناطق نت”: “هذا التجاوز لأخلاقيّات مهنة الصحافة والذي يبدأ من الشروع بالتصوير قبل التواصل مع الضحايا، يشوّه صورة الصحافيّ في عيون النازحين وللأسف هؤلاء معظمهم صحافيّون محليّون وليسوا صحافيّين أجانب”.
أمّا الطريقة الأمثل لتغطية القصص الإنسانيّة من وجهة نظر سلامي فهي “الجلوس مع الضحايا مرّات قبل التصوير وإجراء أحاديث عدّة معهم، ليشعروا بأمان ويكسبوا ثقة الصحافيّ، كي يكونوا بعدها مستعدّين للتصوير ومقبلين على ذلك قبله”. وإلى جانب كسر الجليد وفق سلامي “على الصحافيّ الابتعاد عن ابتزاز الأهالي وطرح عليهم خيار وصلهم بجمعيّات إن قبلوا بالتصريح أمام الكاميرا، لأنّ الصحافيّ مجبر على احترام الضحايا”.
“معظمهم متطفلّون”
تصفُ المواطنة زهراء جوني من الجنوب معظم الصحافيّين بأنّهم “متطفّلون، يسعون دائمًا لاختراق خصوصيّة المواطن لتحقيق سكوبات إعلاميّة على حساب الناس ومعاناتهم، وهذا ينطبق على كلّ وسائل الإعلام”. تتابع زهراء لـ”مناطق نت”: “كلّ السرديات التي تطرح وتعتبر أن هذه الممارسات كانت محصورة قبل ظهور وسائل التواصل غير صحيحة، لا بل زادت حدّتها بعدها ومعها ازدادت وتيرة الكراهيّة ضدّ ممارسات الصحافيّين”.
أمّا رؤى سلامة التي تعيش في ضاحية بيروت الجنوبيّة، فتقول لـ”مناطق نت” إنّ “الصحافيّين يرون في أوجاع ومعاناة الناس موادّ ويوصلون أصواتهم لأسباب استغلاليّة”. أكثر ما تخشاه رؤى من الصحافيّين هو “اقتطاع تصريحات المواطنين بما يناسب سياسة الجهة التي يعمل بها الصحافيّون وينتمون إليها، فإنّهم يلجأون إلى اجتزاء أو اقتطاع التصريح وهذا أمر خطير”.
ألسي مفرّج: “الاستهدافات لا سيّما في الضاحية، عزّزت شعور الرفض تجاه الصحافيين، إذ بدأ يُنظر إلى الصحافيّ على أنّه ‘جاسوس‘ لا ناقل للخبر”.
اتّحاد الصحافيّين والصحافيّات
من جهتها تشير رئيسة اتّحاد الصحافيّين والصحافيّات في لبنان إلسي مفرّج، إلى أنّ “الصحافيّين يجدون أنفسهم في مواجهة غير مسبوقة، حيث لم يعد الخطر مقتصرًا على تهديدات خارجيّة، بل امتدّ كي يشمل نظرة المجتمع نفسه إليهم”.
وتُحذّر مفرج في حديثها لـ”مناطق نت”، من “تنامي خطاب الكراهيّة والرفض تجاه الصحافيّين”، لافتة إلى أنّ “بعض المؤسّسات الإعلاميّة ساهمت بشكل مباشر في هذا التحريض، ما جعل الصحافيّ الضحية الأولى”. وتوضح أنّ “الاستهدافات لا سيّما في الضاحية، عزّزت هذا الشعور، إذ بدأ يُنظر إلى الصحافيّ على أنّه ‘جاسوس‘ لا ناقل للخبر”.
“لا تقف التحدّيات عند هذا الحدّ” تقول مفرّج وتردف “ففي مناطق النزوح، تحوّل الصحافيّ إلى ما يشبه ‘مكسر عصا‘ للناس الذين يعيشون تحت ضغط هائل، فيفرغون غضبهم فيه، بخاصّة إذا كان لا ينتمي إلى بيئتهم الاجتماعيّة. هذا الواقع يضع الصحافيّ بين نارين، فمن جهة، خطر الاستهدافات الإسرائيليّة، ومن جهة أخرى غضب المجتمع المحلّيّ”.
وتشير مفرّج إلى عامل جديد زاد من تعقيد المشهد، وهو “دخول ‘الإنفلونسرز‘ إلى الميدان الإعلاميّ، حيث يقوم بعضهم بتصوير الناس دون مراعاة خصوصيّاتهم، ما يفاقم أزمة الثقة ويخلط بين العمل المهنيّ والمحتوى الغوغائيّ”.
توازن المطلوب
في هذا السياق، تؤكّد مفرّج أنّ “تحقيق التوازن بين نقل الحقيقة واحترام خصوصيّة الأفراد ليس أمرًا مستحيلًا، بل يتطلّب التزامًا واضحًا بأخلاقيّات المهنة”. وتشرح أنّ ذلك “يبدأ من التحضير المسبق قبل التصوير، مرورًا بعدم الإلحاح أو الضغط على الأشخاص لإجراء مقابلات، وصولًا إلى اعتماد أساليب تصوير تراعي كرامة الناس وحياتهم الخاصّة”.
أمّا بناء الثقة، فيرتكز وفق مفرّج على “الشفافيّة مع المصادر من خلال توضيح هدف التقرير، وإجراء تواصل مسبق، والالتزام بالأمانة في نقل الشهادات دون تحريف أو اقتطاع”.
وتشدّد مفرّج على “أهمّيّة التدريب المستمرّ على أخلاقيّات العمل الصحافيّ”، لكنّها في الوقت نفسه ترى أنّ “المشكلة أعمق، وتتطلّب تغييرًا في بنية المؤسّسات الإعلاميّة نفسها. فالسعي وراء ‘السكوب‘ ربّما يؤدي أحيانًا إلى خلق أزمات أو تضخيمها، ما ينعكس سلبًا على حياة الأفراد ويُلحق أضرارًا في المجتمع ككلّ”.
من غير الممكن إنكار الدور الجوهريّ للصحافة في توثيق الأحداث وكشف الحقائق، لكنّ التحدّي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين حقّ الجمهور في المعرفة وحقّ الأفراد في امتلاك الخصوصيّة.



