البطالة تلفّ البقاع الشماليّ والحرب تُطفئ محرّكات العمل

لم تعد صباحات البقاع الشماليّ تشبه ما كانت عليه قبل الحرب الإسرائيليّة على لبنان والتي تقترب من سنوات ثلاث على اندلاعها.

ففي مدينة الشمس بعلبك، وفي بلدات وقرى البقاع الشماليّ، كانت الدورة الاقتصاديّة ومصادر الرزق تتوزّع بين: قطاع البناء وورشه، الزراعة والبساتين، مزارع الدواجن ومصانع حجر الزينة. كانت حركة الشاحنات لا تهدأ، وهدير “جبّالات الباطون” يملأ الأحياء. أمّا اليوم فيخيّم على المنطقة صمت ثقيل وكئيب. ورش بناء متوقّفة، أعمدة إسمنتيّة عبارة عن هياكل غير مكتملة، ومئات العمّال ينتظرون اتّصالًا لا يأتي.

الحرب لم تترك آثارها على الجنوب والمناطق المستهدفة وحسب، بل تمدّدت إلى عمق الاقتصاد المحلّيّ، وضربت قطاعات البناء والزراعة والصناعات الصغيرة والسياحة والمقاهي، ودفعت البقاع الشماليّ إلى واحدة من أقسى موجات البطالة التي عرفها منذ سنين طوال.

ورش شبه مقفلة

عند أطراف بلدة اللبوة، يقف عامل بناء أربعينيّ أمام ورشة متوقّفة منذ أشهر عدّة. يقول بحسرة: “كنّا نعمل بشكل يوميّ تقريبًا، أمّا اليوم فيمرّ أسبوع ولا نعرف طريقًا إلى العمل. أصحاب الورش أوقفوا أشغالهم أو خفّضوا عدد العمّال إلى النصف أو ما دونه”.

حال هذا العامل يشبه أحوال مئات العمّال ممّن فقدوا مصادر دخلهم الأساس خلال الأشهر الماضية، بعدما تراجعت حركة البناء بشكل حادّ نتيجة الخوف الأمنيّ وارتفاع كلفة الموادّ الأوّليّة وانعدام السيولة لدى أصحاب المشاريع.

ويؤكّد أبناء المنطقة أنّ عشرات الورش أغلقت بالكامل، فيما جمّد متعهّدون مشاريعهم بانتظار “انفراج غير واضح المعالم”.

الحرب تُسرّع الانهيار

ترى الصحافيّة الاقتصاديّة محاسن مرسل أنّ الأزمة الحاليّة “ليست نتيجة الحرب وحدها، لكنّها سرّعت انهيارًا اقتصاديًّا يترنّح منذ سنوات”.

وتوضح لـ”مناطق نت” أنّ “البقاع وبخاصّة الشماليّ منه، كان يعاني أساسًا من ضعف الاستثمار وغياب المشاريع الإنتاجيّة وندرة التخطيط التنمويّ، قبل أن تأتي الحرب لتدفع سوق العمل إلى حال شلل شبه كامل مع كلّ تصعيد أمنيّ”.

وبحسب مرسل، “بلغت معدّلات البطالة في لبنان خلال العام  2026نحو 45 في المئة، فيما تُعدّ المناطق الطرفيّة، وفي مقدّمها البقاع الشماليّ، الأكثر تضرّرًا بسبب هشاشة اقتصاده واعتماده على قطاعات غير مستقرّة”. وتشير أيضًا إلى تفاقم “البطالة المقنّعة”، حيث “يعمل كثيرون لساعات محدودة أسبوعيًّا، فيما تبقى النساء الفئة الأكثر هشاشة في مواجهة الانهيار”.

محمد الحجيري: “غالبيّة بيوت الجنوب تزيّنت بالحجر العرساليّ، أمّا اليوم فالقطاع متوقّف بالكامل، وربّما يمتدّ إلى سنوات طويلة”.

صرف جماعي وخيارات محدودة

الأزمة لم تقتصر على عمّال البناء، بل طالت المحال التجاريّة والمقاهي وورش الصناعات الصغيرة ومصانع الحجر، التي اضطرّت إلى تقليص عدد موظّفيها أو الإقفال الكامل.

أحد أصحاب المقاهي في بعلبك يختصر المشهد بالقول: “إذا اشتغلنا منخسر، وإذا سكّرنا منخسر أقلّ”. ويضيف “كلفة التشغيل تضاعفت، والناس غيّرت نمط حياتها، ولم يعد هناك من قدرة على الصرف والترفيه، فاضطررنا إلى صرف عمّال لأنّ السوق ماتت تقريبًا”.

أمّا في بلدة عرسال، حيث تنتشر مئات مصانع حجر الزينة التي تشتهر بها البلدة، فقد توقّف القطاع بشكل شبه كلّيّ. يشرح مالك أحد المصانع محمد الحجيري حجم الخسارة قائلًا إنّ “السوق الأساسيّة للحجر كانت الجنوب اللبنانيّ، الذي شكّل خلال السنوات الماضية رئة اقتصاديّة حيويّة للبلدة بفعل الحركة العمرانيّة الناشطة هناك”.

ويضيف لـ”مناطق نت” بحزن “غالبيّة بيوت الجنوب تزيّنت بالحجر العرساليّ، أمّا اليوم فالقطاع متوقّف بالكامل، وربّما يمتدّ إلى سنوات طويلة. العمّال باتوا تحت خط الفقر، ولا أحد يسأل عنهم”.

هذا الواقع خلق بطالة واسعة في ظلّ غياب شبكات حماية اجتماعيّة فعليّة، وعجز الدولة عن توفير بدائل اقتصاديّة أو فرص عمل جديدة، فيما زادت الأزمة حدّة بعد شطب آلاف العائلات من برنامج “أمان” التابع لوزارة الشؤون الاجتماعيّة.

بطالة هيكليّة لا ظرفيّة

البطالة وتدهور الوضع الاقتصاديّ يهدّدان مصير معظم البقاعيّين، ويؤرقان مستقبلهم. وبحسب الخبير الاقتصاديّ الدكتور محمّد خليل فإنّ “ما يشهده البقاع الشماليّ يتجاوز التداعيات المباشرة للحرب، وانعكاساتها السلبيّة”، موضحًا أنّ “الاقتصاد اللبنانيّ يعيش حالة انكماش حاد، وأنّ أيّ توتّر أمنيّ يؤدّي فورًا إلى توقّف الإنتاج، خصوصًا في المناطق الطرفيّة”.

ويصف خليل الواقع القائم بأنّه “خطر حقيقيّ، لأنّ البطالة لم تعد موسميّة أو موقّتة، بل تتّجه نحو التحوّل إلى أزمة هيكليّة طويلة الأمد نتيجة انهيار القطاعات الإنتاجيّة وهجرة الرساميل واليد العاملة، اللبنانيّة والسوريّة على حدّ سواء”.

ويحذّر في حديثه إلى “مناطق نت” من أنّ “استمرار هذا الواقع سيدفع مزيدًا من الشباب إلى الهجرة أو إلى الانخراط في اقتصاد موازٍ غير منظّم يفتقر إلى أيّ استقرار أو حماية اجتماعيّة”.

 منطقة البقاع الشمالي تفتقد الحركة وعودة الاقتصاد
تداعيات تتجاوز الاقتصاد

لا تتوقّف آثار البطالة عند فقدان الدخل، بل تمتدّ إلى البنية الاجتماعيّة والأمنيّة أيضًا. فمع تراجع القدرة الشرائيّة وارتفاع الأسعار، تتزايد معدّلات الفقر والهجرة والتسرّب المدرسيّ، فيما تعيش عائلات كثيرة على المساعدات أو تُراكم الديون.

وفي قرى البقاع الحدوديّة والداخليّة، بات مشهد اكتظاظ الشوارع بالشباب العاطلين عن العمل جزءًا من الحياة اليوميّة، في منطقة اعتمدت تاريخيًّا على العمل الحرفيّ والورش الإنشائيّة والمواسم الزراعيّة.

انتظار ثقيل

هنا في البقاع الشماليّ، لا ينتظر الناس معجزة تحمل الحلول إليهم، بقدر ما يأملون بعودة الحدّ الأدنى من الاستقرار والأمان وفرص العمل.

لكن مع استمرار التوتّر الأمنيّ والغارات اليوميّة، وغياب أيّ خطّة إنقاذ اقتصاديّة واضحة، تبدو العودة بعيدة.

أمّا الورش التي كانت يومًا رمزًا للحركة والعمران، فصارت هياكل جامدة تختصر حال منطقة بأكملها، وشواهد صامتة على انهيار الناس، وكيف أطفأت الحرب ما تبقّى من محرّكات الحياة والعمل والأمل.

معامل الحجر في عرسال تشهد ركودًا ثقيلًا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى