جنوبيون جرّحهم النزوح فعادوا إلى ديارهم ولو تحت النار

يعيش الجنوبيّون حالًا من النكبة على تاريخهم، فبين الصمود والنزوح قرارٌ أحلاهما أمرّ! هذه الحرب المقتلة، تُشبه كابوسًا لا نهاية واضحة له، ثمّة عالم من التخاذل وفقدان الناصر، يقف الجنوب وحده بأبنائه، تأكل الغارات من جسده، تحرق زرعه وتبتر نسله، حربٌ مشينا إليها دفعةً واحدة فأردتنا قتلى على دفعات.

صمود فنزوح.. فصمود

تحكي أمّ حسين عن التهديد بالإخلاء الذي اضطرّها فجأة إلى ترك ضيعتها الكفور في قضاء النبطيّة، بعد صمود دام شهرًا ونصف الشهر، واللجوء إلى مدرسة في مدينة صيدا حيث باتت هي وعائلتها المكوّنة من خمسة أفراد في خيمة نُصبت في باحة المدرسة، في ظلّ طقس عاصف كان في حينه. تقول باكيةً “عشنا أيّامًا صعبة”. لم تتحمّل أم حسين ما مرّت به، فعادت إلى قريتها بعد أسبوع مفضّلةً أن تتحمّل صوت الطيران والتفجيرات على “الشمشطة” (الذلّ).

عن يوميّات الصمود تروي أمّ حسين “زوجي بلا عمل، وما كان بحوزتنا أنفقناه على الأكل والشرب، ولا يوجد دعم حقيقيّ للصامدين في قراهم. البلديّة تؤمن لنا فقط الخبز بشكل شبه يوميّ”. تتابع لـ”مناطق نت”: “بقيَت بعض العائلات صامدة في الحيّ، تلبّي احتياجات بعضها البعض، من لديه ماشية يوزّع ما تنتجه بقراته مجّانًا على الجيران، نصنع اللبن واللبنة والجبن، وهناك من يخبز، ومن لديه زرعٌ وأشجار مثمرة في حقله يقطفها ويوزّعها، وما لدينا من مؤونة يكفينا جميعًا”.

وأشارت أمّ حسين إلى أنّ هناك “مطبخًا لجمعيّة أسبانيّة في البلديّة كان يوزّع طيلة شهر رمضان وجبات غذائيّة (مجدّرة، أرزّ، شوربة) على بعض الأسر في الكفور وتول، ومجدّدًا استأنف نشاطه في ذلك”.

بالنسبة إلى الطبابة توضح أمّ حسين أنّه “هنا لا يوجد مستوصفات، وإذا احتجنا إلى دواء نسأل شباب الإسعاف في كشّافة الرسالة أو الهيئة الصحّيّة، فأحيانًا يتمكّنون من تأمينه، وفي أحيانٍ لا يستطيعون ذلك، لذا نضطرّ للنزول إلى صيدا من أجل توفيره، وهذا ينطبق على بقيّة الاحتياجات من موادّ غذائيّة ولحوم وخضار وغيرها، مُعرّضين أنفسنا للخطر وكلّه بالدَّين”. تختم أمّ حسين: “صحيح هنا نموت رعبًا من أصوات الغارات ولكنّنا مرتاحون إلى أنّنا في أرضنا”.

الدمار في منطقة الكفور
نزحت عائلته وبقي وحده

في منطقة تول اختار “أبو علي” البقاء في بيته بعدما أرسل عائلته إلى منطقة آمنة. يصف قراره بـ”الصمود” بأنه “تحدٍّ للعدوّ”، قائلًا لـ”مناطق نت”: “لا يمكن له أن يفرض علينا بكلمة واحدة أن نترك أو نبقى في بيوتنا. يستطيع العدوّ أن يضرب ويرتكب مجازر ولكن لا يمكنه أن يتحكّم بنا بإنذارات تهديد وإخلاء”. يتابع: “من الأفضل أن يموت الإنسان في أرضه مدافعًا عن قراره بالصمود والبقاء. وندعو دائمًا أن يحمي الله الجميع وأن ترجع تول لتعمر بأهلها العائدين وهم مرفوعو الرأس”.

مروة جمول

نزحت مروة جمّول (أمّ لأربعة صبيان) وهي معلّمة من بلدة عربصاليم، إلى الجيّة، تقول إنّها كانت تفضّل الصمود في بيتها حتّى الشهادة، ولكن بسبب سفر زوجها للعمل في الخارج وخوفِ أطفالها اضطرّت إلى النزوح بهم نحو منطقة آمنة. من مكان نزوحها في شقّة صغيرة يقطنها عشرون فردًا من الأقارب، تتحدّث عن الزحمة، غياب الاستقرار، الفوضى، واختلاف الطِباع، فقدان القدرة على التنظيم وغياب الدافعيّة إلى العمل والتعلّم. “الحياة فوضويّة، ما فاقم لديّ حال الاكتئاب ووجع رأس ملازم”. تقول مروة

تؤكّد جمّول لـ”مناطق نت” أنّها عند إعلان الهدنة عادت إلى بيتها في الضيعة، وقد انعكس ذلك ارتياحًا كبيرًا لديها، ولكنّ هذا الارتياح لم يدم طويلًا، إذ بعد التهديد الذي طال المنطقة، عادت جمّول إلى مكان النزوح نفسه. تتخوّف من أن يطول أمد الحرب ويبقى الأولاد بلا مدارس، والناس بلا أشغال. “نريد أن نعود إلى حياتنا الطبيعيّة” تختم جمّول.

فصول حرب موجعة

بين النزوح والصمود عاش سليم يونس ابن بلدة البابليّة (الزهراني- صيدا) أيّام قلقٍ وتوتّر، حتّى استقرّ صامدًا في بلدته، رفقة ابنه دانيال وما تبقّى من صغار الحيّ. يطلّ سليم من خلال صفحته على “الـفيسبوك” ليخبرنا عن يوميّات الصمود، ومغامراتٍ ممزوجة بالبراءة واللطف، وعن الحيوانات التي يعتني بها.

يقول سليم إنّها المرّة الثانية التي يختبر بها فصول الحرب ويعيش تفاصيلها الموجعة في أقلّ من سنتين. ففي المرّة الأولى عاشها كنازح وخرج منها بكتابه “نازح من الجنوب”، أمّا في التجربة الحاليّة فقد اختار الصمود. يوضح لـ”مناطق نت”: “بقيت في البابليّة وحدي، بينما أفراد عائلتي نزحوا مدة أسبوع إلى بلدة بقسطا (شرق صيدا)، لكنهم عادوا بعد أن شعروا بأنّهم سجناء داخل جدران الشقّة التي تقع في الطابق الثالث ولا يمكنهم التواصل مع أيّ من الجيران، وهم الذين اعتادوا السكن وسط الطبيعة”.

وسط مشاعر الخوف والتوجّس وبرفقة العائلة، يعبّر يونس عن قلقه: “نعيش الأجواء الحربيّة بكلّ تفاصيلها: من توتّر وأرق متواصل نتيجة الأصوات القويّة التي تصمّ آذاننا على مدار الساعة، وكذلك غياب أيّ مصدر للدخل بسبب التوقّف عن العمل، ولولا الدعم المادّيّ الذي قدّمه الأصدقاء لي- مشكورين- لكنت شحدت أو اكتأبت أو انتحرت”.

سليم يونس: لولا الدعم المادّيّ الذي قدّمه الأصدقاء لي لكنت شحدت أو اكتأبت أو انتحرت

حياة كفاف وغارات

بقيت فاتن معتوق في بلدتها الدوير (النبطيّة) رفقة زوجها وأهله. وبقاؤها ناتج عمّا عانته من مشاكل في النزوح السابق، مؤثرة تحمّل أصوات الانفجارات والغارات والمخاطر والتهديدات المحيطة بالبلدة وجوارها. تقول فاتن إنّها مرتاحة في بيتها، على الرغم من انقطاع المياه عن الحيّ الذي تقطنه، والعجز عن تأمين كثير من الاحتياجات. الأخطر كان يوم هُدّد بيت في الحيّ الذي تسكنه، فما كان من فاتن وعائلتها إلّا الابتعاد حتّى تمّ الاستهداف ليعودوا إلى منزلهم.

تعيش فاتن وعائلتها حياة كفاف وصمود، تروي لـ”مناطق نت”: “أكتفي بما لدينا من طعام وشراب وأحمد الله على نعمه، بناتي وكثيرون حاولوا إقناعي بالخروج من البلدة، ولكنّني عاندت وبقيت، مرّت أيّام لم أستطع فيها أن أنام من شدّة القصف وقوّة الغارات، ولا أنسى يوم استهدفت الساحة القريبة من بيتي، وسمعت الصراخ”. تتابع لـ”مناطق نت”: “لا أعلم كيف خرجت ورأيت الناس ممدّين في الطريق بين شهيد وجريح، يومها بكيت من الصدمة وهول المشهد”.

تضيف: “هذه الحرب أمعنت في حزننا، دمّروا الحسينيّة المعمّرة والتي يعود بناؤها إلى قرن من الزمان، واستشهد كثر من أقاربي ومعارفي”.

تعتمد فاتن على ما موّنته من معلّبات وطحين وحتّى ماء للشرب، “كانت البلديّة في البدء تهتمّ بأحوال الصامدين فتؤمّن الخبز والماء وبقيّة الاحتياجات، ومع مرور الأيّام اقتصرت تقديماتها على الخبز، “إذا لحّقت بيطلعلي”. تمضي فاتن وقتها بالقيام في أعمال المنزل، تهتمّ بـزريعاتها، تُنظّف الحوض الذي رعته بالقرب من منزلها، تزرع الورود وتنظّفها وبقيّة الزرع من الشوائب.

فاتن تهتم بزرعها قرب بيتها في الدوير
“يروح اللّي يروح بس تبقى زوطر”

بهذه الكلمات عبّرت حنين (اسم مستعار) فتاة عشرينيّة عن خوفها من أن تُحتلّ ضيعتها زوطر الشرقيّة (النبطيّة) من جديد، وبهذا اليأس بات يتحدّث كثيرون من اللبنانيّين اليوم، بعد يقينهم بأنّ هذه الحرب مدمّرة وقاتلة فعلًا.

تروي حنين لـ”مناطق نت”، كيف عادت وأهلها إلى بيتهم في زوطر الشرقيّة، في أوّل أيّام الهدنة المزعومة، وكانت تصلهم أصوات التفجيرات والغارات في قرى الخيام والطيبة المقابلة جنوبًا ويقطع بينهما مجرى نهر الليطاني. وتشير إلى أنّه “في الأيّام التالية من بداية شهر أيّار (مايو) قام العدوّ بغارات على زوطر الشرقيّة وتعرّضت المنطقة للقصف المكثّف، وبعض العائلات كانت بيوتها تتعرّض للقصف وهم يُسرعون في المغادرة، وقد حالت العناية الإلهيّة دون وقوع مجزرة”. ونتيجة ذلك اضطرّ أهل حنين إلى المغادرة وتحمّل مشاق النزوح النفسيّة مرةً أخرى.

غارات العدوّ ربّما أتت تمهيدًا لمحاولة الدخول إلى “زوطر” وهو أمرٌ كان شديد الوقع على قلب حنين، التي راح عقلها ينسج كثيرًا من الأهوال، “صرت أتخيّل كيف سيدخلون إلى ضيعتي، وكيف سيزرعون متفجّرات في البيوت، ويعرضون مشاهد تفجيرها”. تضيف: “بعد معرفتي بأنّ العدوّ مستمرّ في محاولة الدخول إلى الضيعة جاءني هاجس أن تُحتلّ، وصرت أقول: يروح اللّي يروح بسّ تبقى زوطر! ولو ذهبت كلّ معالمها، ولكن يبقى أن أتمكّن من العودة إليها”.

تُتابع مسترسلةً: “بعد حرب العام 2024 وعند عودتنا كنت ألتقط الصور داخل البلدة وأقول ‘بلكي ما رجعنالا؟‘. اليوم يرسلون لنا الصور الجويّة للضيعة، وتُظهر امّحاء حيّ بأكمله. هنا أسأل نفسي: هل يمكن أن يبقى هناك بيت لآخر الحرب؟”.

تتابع حنين أنّها نجت من الحرب لكنّها لم تنجُ من تداعياتها، وهذا ما بدأ يظهر عليها من عوارض جسديّة، “تنميل ووجع في جلدة الرأس وشعري يتساقط وكأنّني أخضع إلى جلسات علاج كيميائيّ” تختم حنين.

صورة من بلدة زوطر الشرقية باتجاه النهر ويظهر وادي راج
كيل بمكيالين

بين البقاء والصمود في القرى وبين النزوح اليوميّ تعيش الناس. بين الإنذارات وطلب الإخلاء يعايشون واقعًا مرًّا، وفي ظلّ كلّ هذا الموت يخرج من يعظ في الناس قائلًا “شو كانوا عم يعملوا بعدن هونيك؟”. وكأنّ البقاء في المدن والقرى أصبح شبهةً أو ترفًا.

أصوات كثيرة تقول: يا ليتنا بقينا ولم نعش كلّ هذا الذلّ، ولكنّ الواقع يقول إنّ هناك تقصيرًا كبيرًا يطال الصامدين في القرى الجنوبيّة، فهم مستثنون من المساعدات التي تصل إلى النازحين، ولا يُسأل عن احتياجاتهم أسوة بغيرهم من الصامدين في بعض القرى الحدوديّة التي سمح لأهلها من قبل العدوّ بالبقاء فيها! فهل هذا التقصير متعمّد؟ ولماذا يبالغ الساسة بتحذير الناس من العودة إلى أرضهم؟

شعارات لم تعد تجدي

من جهته يقول التربويّ والمؤرّخ الدكتور طارق شمس: “إنّ تحذير الناس من العودة يخالف كلّ ما كان السيّد موسى الصدر يدعو إليه من صمود واستمرار في التحدّي، بخاصة أنّ الغالبيّة من سكّان الجنوب أصبحوا بلا عمل، فما هو مصيرهم نتيجة الإيجارات المرتفعة والكلف التي يدفعونها لتأمين القوت اليوميّ؟ كان من الأحرى بمن يدعو الناس إلى عدم العودة أن يقدّم لهم المساعدات الضروريّة لتأمين صمودهم وحماية بقائهم في أرضهم ومحاولة إبعاد الأذى عنهم لا تعريضهم إلى الخطر”.

أمّا عن الاستشهاد بنصوص دينيّة وفتاوى مستحدثة لتلميع فكرة النزوح، فيرى شمس: “الشعارات التي كانت تُستخدم سابقًا لم تعُد تجدي اليوم، لم يلجأ قادة هذا المجتمع إلى تطوير الخطاب التعبويّ الذي يخاطب العامّة، وبالتالي بات الناس يردّدون الشعارات القديمة التي أصبحت غير مقنعة، وكذلك حال النُخب التي تصنع الخطاب التعبويّ، ففي ظلّ غياب البديل، لجأوا إلى التكرار، وحاصلته سلبيّة لا تستقطب التعاطف بل تزيد النفور”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى