مليح عليوان صانع الأبطال وفاتح أمجاد “النجوم الرياضيّة”

عن عمرٍ ناهز ستةً وتسعين عامًا، رحل الرياضيّ وراعي مهرجانات الرياضة مليح عليوان الذي شقّ للعضلات مسارًا في زمنٍ كانت فيه بيروت تكتشف ملامحها الحديثة على إيقاع البحر والأسواق والكتب. آنذاك ظهر شابٌّ من الزيدانيّة يحمل فكرة تبدو غريبة على المدينة: أن يُصاغ الجسد كما تُصاغ القصيدة، وأن تتحوّل العضلات إلى لغةٍ للانضباط والمعنى.

لم تكن رياضتا كمال الأجسام ورفع الأثقال قد وجدتا طريقهما الواضح بعد إلى الوعي البيروتيّ، وكانت النوادي الرياضيّة أقرب إلى مبادرات فرديّة منها إلى مؤسّسات راسخة. في تلك المساحة غير المأهولة، وقف مليح عليوان كأحد الروّاد الأوائل، يفتح بابًا لم يكن موجودًا، ويؤسّس لثقافةٍ ستصبح لاحقًا جزءًا من هويّة المدينة.

صخرة الروشة امتحان الجرأة

في العام 1944، وقف عليوان مع صديقيه وفيق بكداش وعبد فتّوح على حافّة صخرة الروشة، تلك الكتلة البحريّة التي تشبه بوابّةً حجريّة مفتوحة على قعر المجهول. لم تكن الروشة مجرّد معلمٍ جغرافيّ، بل كانت امتحانًا صامتًا للشباب، مكانًا يقيسون فيه حدود أجسادهم وقدراتهم على ملامسة الخطر. هناك، كان البحر ينتظر ببرودةٍ كثيفة، وكانت القفزة أشبه بقرارٍ داخليّ: أن يختبر الإنسان نفسه في مواجهة الفراغ.

كثيرون كانوا يقفون عند الحافّة، يتأمّلون، يتراجعون، أو يقفزون في اندفاعٍ يشبه التحدّي. بعضهم ارتطم بالماء كما يرتطم بحقيقةٍ قاسية، وبعضهم خرج من التجربة أكثر صلابةً. في تلك اللحظة، لم يكن عليوان يختبر شجاعةً عابرة، بل كان يعلن، من دون كلمات، أنّ الجسد لديه ليس أداةً للزينة، بل وسيلة للمعرفة.

إلى صناعة الأبطال

في سنواتٍ مبكرة، انضمّ عليوان إلى نوادٍ محدودة الإمكانات، في وقتٍ لم تكن فيه بيروت قد اعتادت بعد على مشهد الأوزان الحديديّة أو على فكرة بناء الجسد كعلمٍ قائم بذاته. كان التنقّل بين الأحياء بحثًا عن التدريب مغامرةً يوميّة، وكان الشغف وقوده الوحيد.

شيئًا فشيئًا، تحوّل هذا الشغف إلى مشروع. بنى عليوان ناديًا بيده، في أرضٍ عائليّة، واضعًا حجر الأساس لما سيصبح لاحقًا “نادي الصحّة والقوّة”. هناك، بدأ بتدريب جيلٍ جديد، يعلّمهم كيف يقفون، كيف يرفعون، كيف يسيطرون على أجسادهم كما يسيطر الكاتب على جملته.

“نجوم الرياضة” المغامرة الإعلاميّة

إلى جانب التدريب، أدرك عليوان أنّذ الرياضة تحتاج إلى ذاكرة مكتوبة، إلى أرشيفٍ يلتقط لحظاتها ويمنحها امتدادًا أبعد من الجدران. هكذا أطلق مجلته “نجوم الرياضة”، التي صدرت شهريًّا بالأبيض والأسود، في زمنٍ كانت فيه الطباعة مغامرةً بحدّ ذاتها.

لم تكن المجلة مشروعًا فرديًّا وحسب، بل كانت عملًا عائليًّا بامتياز. عائلة عليوان شاركت في كلّ تفصيل: الكتابة، التحرير، الإشراف، الإخراج، والاستشارة القانونيّة. كانت الصفحات تُصاغ بجهدٍ جماعيّ، بروحٍ بيروتيّة تعرف كيف تحوّل الإمكانات المحدودة إلى مادّةٍ حيّة.

من خلال هذه المجلّة، تعرّف القرّاء في لبنان على نجوم العالم. ظهرت أسماء مثل توم بلاتز (لاعب كمال أجسام أمريكي محترف متقاعد)، ولي هاني الذي فاز بلقب مستر أولمبيا لمرّات متتالية، كما حضرت صورة أرنولد شوارزينجر، الذي انتقل من المنصّة إلى السينما، ليصبح رمزًا عالميًّا. من بين هؤلاء، خرجت أسماءٌ صنعت تاريخ الرياضة اللبنانيّة، أبرزهم سمير بنّوت، الذي سيصل إلى لقب مستر أولمبيا، ويضع لبنان على خارطة كمال الأجسام العالميّة.

كانت المجلّة تخصّص في كلّ عدد “بّوستر” لأحد الأبطال الكبار، تُعلّق صوره على جدران الغرف والنوادي، فتتحوّل إلى مصدر إلهامٍ يوميّ. هكذا، لم تعد الرياضة فكرة محلّيّة، بل نافذة مفتوحة على العالم، يدخل منها الضوء إلى مدينةٍ تبحث عن نفسها.

بناء الإنسان بين التعليم والتدريب

عمل عليوان في التعليم، ودرّب في مؤسّسات عدّة، حاملًا معه رؤيةً تعتبر الرياضة جزءًا من التربية الشاملة. لم يكن يكتفي بتعليم الحركات، بل كان يزرع في طلّابه فكرة الانضباط، الإصرار، والالتزام. الجسد، في نظره، ليس هدفًا بحدّ ذاته، إنّما وسيلة لبناء شخصيّة متماسكة.

في ناديه، لم يحضر الحديد وحده، معه كان هناك نوعٌ من الصمت المركّز، من التركيز الذي يشبه الطقوس. كلّ تمرين كان يحمل معنى، وكلّ تكرار كان خطوةً نحو سيطرةٍ أعمق على الذات.

عمل عليوان في التعليم، ودرّب في مؤسّسات عدّة، حاملًا معه رؤيةً تعتبر الرياضة جزءًا من التربية الشاملة

“ميونيخ” الإصرار صار إنجازًا

في أولمبياد ميونيخ 1972، ارتسم اسم محمّد خير طرابلسي كقصّة إرادة تكتب نفسها بحديدٍ يلمع وعرقٍ يختلط بالعلم. هناك، وقف عليوان في موقع القرار، دافعًا نحو مشاركة بدت شاقّة، فانبثقت منها لحظة فضّيّة تضيء سجلّ لبنان. الميداليّة لم تكن رقمًا وحسب، بل نبرة حضور لبلدٍ صغير يمدّ صوته في فضاء واسع. وقد اشتهر عليوان يومها بصرخته المدويّة في القاعة لطرابلسي المصاب اذ خاطبه باللهجة البيروتية: “شيلها كرمال لبنان”.

وطرابلسي من مواليد بيروت العام 1950، بدأ مساره بثباتٍ صاعد؛ في الألعاب الأولمبيّة الصيفيّة 1968 رفع 377 كيلوغرامًا، ثم سجّل العام 1969 رقمًا عالميًّا للناشئين في الوزن المتوسّط عند 140 كيلوغرامًا، فصار اسمه مرادفًا للطموح المنضبط. في ميونيخ، جاءت الذروة بفضّيّة من فئة 75 كيلوغرامًا، كأنّها خلاصة سنواتٍ من الصقل.

توالت الانتصارات في دورة الألعاب المتوسّطيّة في الأعوام 1975 و1979 و1983، ومعها ذهب دورة الألعاب الآسيويّة العام 1978 وفضّة 1982. شارك في بطولات عالميّة في هافانا وموسكو وصوفيا، وحضر ثلاث دورات أولمبيّة، فترسّخ حضوره كقيمة رياضيّة لبنانيّة، لم تكن لتأخذ مسارها لولا ذلك الدعم من عليوان الذي آمن بقدراته.

زمنان لتاريخ العضلات

هكذا يُقفل النصّ على قوسٍ مكتمل، يبدأ من صالةٍ صغيرة في الظريف وينتهي في ذاكرة مدينةٍ بأكملها. في سيرة مليح عليوان يلتقي زمنان: زمنٌ كانت فيه العضلة تُنحت ببطءٍ، تُبنى فوق سنواتٍ من الصبر والتمرين حتّى تغدو شهادةً حيّة على العناد الجميل، وزمنٌ آخر تسارعت فيه الوتيرة، فصارت بعض الأجساد تُستدعى بعجالةٍ عبر موادّ هرمونيّة، يلمع فيها البريق سريعًا ويخفت المعنى.

بين هذين الإيقاعين، يقف إرثه كميزانٍ دقيق، يعيد الاعتبار إلى فكرة التراكم، ويذكّر بأنّ الجسد حين يُصاغ من تعبٍ طويل يكتسب لغةً أعمق من الشكل. هنا، لا تنتهي الحكاية عند رجلٍ رحل، بل تمتدّ في كلّ جسدٍ تدرّب على يديه، في كلّ صورةٍ عُلّقت على جدار، في كلّ صفحةٍ أرّخت لبداية مشهدٍ كامل.

بيروت التي احتضنت تلك البدايات ما زالت تحمل أثره، مدينة تعرف كيف تحوّل تعبها إلى ملامح، وكيف تكتب من انكساراتها شكلًا جديدًا للحياة. هكذا يُكتب الختام: زمنٌ يتبدّل، وجسدٌ يبقى شاهدًا، وذاكرةٌ تتقوّى كلّما طال بها العمر، كأنّها تمرينٌ مستمرّ على البقاء، بدأه مليح عليوان منذ عقود طويلة.

صورة لمليح علوان على غلاف مجلة نجوم الرياضة التي أسسها سنة 1955

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى