نجونا من الحرب لكن كيف نداوي الندوب التي لا تُرى؟

نجونا مرّة أخرى أو نكاد، ومن حرب مدمّرة جديدة. أسأل نفسي بعد كلّ حرب أو أزمة في هذا البلد: “هل علينا أن نحصي عدد المرّات التي نجونا فيها، أم عدد المرّات التي ينتظرنا فيها الموت؟”. لم يكن هذا السؤال نظريًّا، بل كان يتشكّل يوميًّا في المكان الذي تشبّثت به في إبّان الحرب على رغم المخاطر والغارات.

في هذه البلاد، صارت النجاة جزءًا من يوميّاتنا. لا تأتي كحدث استثنائيّ، بل كشرط من شروط الوجود. بقيت في منزلي في بلدة أنصار، جنوب لبنان، مع والدي، فيما كانت إسرائيل تُفرغ كلّ ما حولنا من معناه: البلدة من أهلها، الحيّ من جيرانه، والإنسان من إحساسه بأنّ العالم مكان قابل للعيش. ففي ظلّ الاحتلال، تسقط المسلّمات: يتزعزع معنى البيت، ولا تعود الأرض حقًّا واضحًا، وتصبح الحياة نفسها مجرّد احتمال.

ومع هذا الإفراغ المستمرّ، لم يعد في رأسي متّسع لشيء سوى النجاة. كنت أبحث عنها في كلّ شيء. وكنت أتحسّر في كلّ مرّة، على هشاشتنا أمام آلة القتل، وأتمنّى ألّا تكون إبادتنا وتجريف أراضينا سهلة إلى هذه الدرجة.

العلاج بالكتابة

لذلك، كانت الكتابة محاولة لفهم ما يتجاوز الحدث نفسه: لفهم ما تفعله الحرب بمن يبقى حيًّا بعدها. رحت أبحث عمّا يحدث في داخلي، لا في الخارج فقط. هناك وجدت في علم النفس والكتب التي تتناول الصدمة النفسيّة، مفاتيح أوّليّة للفهم: كيف تستحيل الحرب سمومًا داخليّة تقتلنا ببطء، وكيف يصبح الإصغاء إلى الجهاز العصبيّ، جزءًا من محاولة البقاء نفسها؟

من هنا، أحاول في هذا النصّ أن أشرّح النجاة، ليس بوصفها حالة عابرة، بل بوصفها حالة نفسية وعصبيّة ووجوديّة، تعيد تشكيل علاقتنا بالخوف وبالجسد وبالمعنى.

التطبيع مع الخطر

إذا أردتُ أن أصف يوميّات كلّ من قرّر أو اضطرّ للبقاء بمنزله في الجنوب، فإنّ “التطبيع مع الخطر” هو التعبير الأقرب. ليس بمعنى قبول نفس-جسديّ بالخطر، إنّما تعوّد عصبيّ قسريّ عليه. في الحروب، لا نعتاد على الخطر لأنّنا لم نعد نخاف، بل لأنّنا لم نعد نحتمل أن نخاف في كلّ مرّة.

في الأيّام الأولى، كان كلّ شيء قاسيًا إلى درجة لا تحتمل. كنّا أنا وأبي في المنزل، لا نعرف إن كان البقاء قرارًا أم إلزامًا. لكن مع الوقت، بدأ كلّ شيء آخر يحدث. لم تتوقّف آلة القتل، ولم تصبح بلدتي أكثر أمانًا، ومع ذلك، عدت ببطء إلى بعض تفاصيل الحياة: أشرب القهوة، أسمع فيروز، أقرأ كتابًا، أكتب، وأحضّر الطعام. لم تكن هذه عودة للحياة الروتينيّة، بقدر ما هي محاولة للبقاء داخل ما لم يعد يشبه الحياة.

لا يطبّعنا الاحتلال مع الخطر عبر القتل والتدمير فقط، بل عبر تكرارهما. عبر جعل التهديد حالة يوميّة ودائمة إلى درجة أنّ الجسد يضطرّ إلى إعادة استجابته له في البداية، يفتح الخوف أبوابه كاملة، ثمّ، مع الوقت، يتعلّم أن يقتصد في نفسه. ليس لأنّ الخطر أصبح أدنى، إنّما لأنّ الاستمرار تحت وطأته يتطلّب ذلك.

التطبيع مع الخطر هو أن يجعل االخطر قابلًا للتكرار، فيجبر الناس على التعامل معه كحالة عيش وليس كحادث عابر.

صوت الطائرات الحربيّة لم يعد مجرّد صوت في السماء، هو دلالة على القتل والاغتيال.كلّما سمعته، أنتظر ما سيأتي بعده.

النجاة كتشوّه في قراءة الواقع

ما يتشوّه في الحرب ليس قرانا في الجنوب ولا الأرواح  وحسب، بل الطريقة التي نقرأ من خلالها العالم. ما يسمّيه ستيفن بورغس “الإدراك العصبيّ للخطر” إذ يصف كيف يبحث الجهاز العصبيّ، من دون وعي كامل منّا، عن إشارات الأمان والتهديد. في الحرب، تختلّ هذه القراءة.

صوت الطائرات الحربيّة لم يعد مجرّد صوت في السماء، هو دلالة على القتل والاغتيال. كلّما سمعته، أنتظر ما سيأتي بعده. حتّى الهدوء تغيّرّ في بعض الأيام، حين كان يغيب صوت آلة القتل، لم أكن أشعر حينها بالراحة. يطول الصمت أكثر ممّا يجب، فيصبح تهديدًا بدلًا من لحظات راحة. الموت أيضًا لم يعد بعيدًا! لم يعد فكرة، كان احتمالًا حاضرًا بشكل دائم. والبيت لم يعد كما كان، أصبح هدفًا محتملًا بدلًا من أن يكون ملاذًا آمنًا.

وهكذا لا تنقلب حياتنا رأسًا على عقب فقط، إنّما يتبدل الإحساس بها، حتّى يصبح ما كان مألوفًا غريبًا، وما كان غريبًا جزءًا من يوميّاتنا، فيعيد الجسد قراءته للواقع، قبل أن نتمكّن نحن من فهمه.

اقتصاد النجاة

إذا كانت النجاة تُفهم عادةً على أنّها غياب الموت، فإنّها في لبنان تصبح شيئًا آخر تمامًا. هي ليست لحظة، هي حالة فسيولوجيّة مستمرّة، يعيد فيها الجسد تعريف ما هو طبيعيّ كي يتمكّن من الاستمرار.

في هذا السياق، لا تُدار الحياة بالطريقة التي نعرفها! تدار بإيقاع مختلف، أقرب إلى اقتصاد نفسيّ وجسديّ جديد. لا نتصرّف كما نريد، بل كما تسمح به قدرتنا المحدودة على الاحتمال. يصبح الانتباه موردًا نادرًا، والطاقة تُصرف بحذر، والخوف لا يُعاش بكامل حدّته، لكنّه يُخفّف كي نستطيع الاستمرار.

نختار، أو نظنّ أنّنا نختار، متى ننتبه ومتى نتجاهل، متى نصغي ومتى نُطفئ جزءًا من استجابتنا. في الواقع، يتعلّم الجسد أن يوزّع موارده الداخليّة: أن يبقى يقظًا بما يكفي للبقاء، وهادئًا بما يكفي لعدم الانهيار.

هنا يظهر دور ما يُعرف بالعصب المبهم، أو العصب العاشر، وهو جزء من الجهاز العصبيّ يصل بين الدماغ وأعضاء الجسد، وينظّم إيقاع القلب والتنفّس وحركة الأمعاء وعمليّة الهضم، ويساهم بإحساسنا في الأمان حين يكون متوازنًا أو منظّمًا. في الظروف العاديّة، يساعدنا على التنقّل بسلاسة بين التوتّر والهدوء. أمّا في الحروب، فيختلّ هذا الإيقاع: يبقى الجسد في حال تأهّب أطول ممّا يجب، ويصعب عليه العودة إلى حال الاستقرار، وأحيانًا ينزلق إلى حال من التجمّد، كأنّه ينسحب قليلًا ليحمي نفسه.

ضمن هذا الاقتصاد، لن يكون الهدف أن نشعر بالراحة، بل أن نبقى ضمن حدّ يمكن احتماله. نوفرّ انتباهنا كما نوفّر الكهرباء، وقد نؤجّل استجاباتنا مثلما نؤجّل قراراتنا. هذه ليست بحياة طبعًا، إنّها إدارة مستمرّة للبقاء.

في النهاية، يتقلّص كلّ شيء إلى هذا الحدّ الأدنى: أن نستمرّ. النجاة ليست خيارًا، هي إدارة دقيقة لما تبقّى من القدرة على التحمّل.

الحرب تترك أثرًا في الناجين، في ذاكرتهم، في خوفهم، وفي طريقتهم بالتمسّك في الحياة. وربّما هذا ما نعرفه كلبنانيّين جيّدًا.

محاولة التفاوض مع الجسد

حين لا يمكنك إيقاف الحرب، تحاول أن تعلّم جسدك أن يتوقّف عن خوضها في داخلك. لم يكن هذا استنتاجًا نظريًّا، بل حاجة ظهرت مع كوني لبنانيًّا وجنوبيًّا، حين لم يعد ممكنًا أن يبقى الجسد في حالة تأهب دائم.

ساعدتني قراءاتي في مجال الصدمة النفسيّة والعلوم العصبيّة ودراستي في مجال علم النفس العياديّ على فهم الاستجابات الجسديّة التي أختبرها في كلّ حرب، وعلى تجربة بعض ما يُعرف بالتمارين السوماتيّة (Somatic Exercises)، إنّها محاولة وليست حلًّا.

هدف هذه التمارين هو نقل الجسم من وضع النجاة إلى الإحساس الجسديّ بالأمان والهدوء. بكلمات أخرى، هي عبارة عن تمارين هدفها تهدئة الجهاز العصبيّ وإعادة  الاتّصال مع الجسم. على الصعيد الشخصيّ، أحدثت هذه التمارين فرقًا معي، إذ منحتني القدرة على التماسك، إلى حدّ ما، طوال فترة العيش خلال الحرب، وأقنعتني بأنّه حين يُمنح الجسد إشارة بسيطة بالأمان، يستطيع أن يرتاح قليلًا، حتّى لو بقي الخطر حاضرًا.

بطبيعة الحال، لم ولن تتوقّف الحرب بسبب هذه التمارين، لكنّها كانت تخفّف من أثرها الداخلي عليّ، وتمنحني مساحة من الأمان كنت بحاجة إليها، وكانت كافية لأستمرّ في العيش تحت أصوات آلة القتل بأقلّ أضرار نفسيّة وجسديّة ممكنة.

شو بيبقى من الرواية

حين تغنّي فيروز: “شو بيبقى من الرواية؟”، لا يبدو السؤال عن الحكاية وحدها، إنّما عمّا يبقى منّا بعد الحرب. فالحرب لا تترك روايتها كما حدثت تمامًا، بل تترك أثرًا في الناجين، في ذاكرتهم، في خوفهم، وفي طريقتهم بالتمسّك ف يالحياة. وربّما هذا ما نعرفه كلبنانيّين جيّدًا: أنّ النجاة لن تكون خروجًا كاملًا من الحرب، هي أن نحمل ما بقي منها فينا، ونستمرّ.

رابط لتمارين جسديّة بسيطة تساعد في تهدئة الجهاز العصبيّ والانتقال من حال التوتّر إلى الشعور بالأمان والراحة.

https://youtu.be/yI9onBb1KrY?si=pR8dkZ-KPVWPKDIc

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى