نازحون “روس” في الزلقا: حرب لا تفرّق بين الهويّات

“ثمّة 11 سيّدة من الجنسيّة الروسيّة وأزواجهنّ من الجنسيّة اللبنانيّة، إضافة إلى رجال من حاملي الجنسيّة الروسيّة متزوّجين من سيّدات لبنانيّات نزحوا إلى الزلقا”، هذا ما افادت به مديرة متوسّطة الزلقا الرسميّة في ساحل المتن الشماليّ الأستاذة رانيا رزق لـ”مناطق نت”، وتابعت: “المتوسّطة استقبلت 54 نازحًا من الجنوب والبقاع وبيروت، وهم يتوزّعون على 13 غرفة في الطابقين الأوّل والثاني”.

أضافت رزق: “في الحرب السابقة سنة 2024، اختلطَت في هذه المتوسّطة عائلات لبنانيّة مع عائلات أخرى من الجنسيّة الروسيّة، لكن خلال هذه الحرب لم يَعد هناك أيّ اختلاط”، لافِتة إلى أنّ “”مكتب التعاون الروسي – اللبناني Roslivan هو الذي يؤمّن الكهرباء واشتراك الموتور للنازحين، ونحن نهتمّ يوميًّا بتنظيف أدراج الطوابق والممرّات بين الغرَف، وكل عائلة تنظّف الغرفة التي تشغلها وترتّبها”.

على الرغم من مرور نحو أسبوع على دخول وَقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم يترك معظم النازحين مراكز الإيواء ولم يغادروها، والسبب، كما يقولون، هو لتبيان الخيط الأسود من الأبيض واتّضاح الصورة بشكل كامل، لكن هذا لم يمنع عددًا منهم من زيارة بلدته وتفقّد منزله والعودة إلى حيث كان، باستثناء نازحي القرى الحدوديّة الممنوعين من العودة إليها.

Roslivan يهتمّ بالنازحين

من ناحيته أشار أحد النازحين في المدرسة محمّد علّوه وهو موظّف في “مكتب التعاون الروسيّ – اللبناني” (Roslivan) إلى أنّ “المكتب هو الذي يهتمّ بالعائلات النازحة إلى هذه الثانويّة كونها تضمّ عددًا من نساء يحملنَ الجنسيّة الروسيّة ومتزوّجات من لبنانيّين”، تابع لـ”مناطق نت”: “بعد نزوح عائلات عديدة من منطقتيّ النبطيّة وصور، اتصلَت بمكتب التعاون الروسيّ – اللبناني Roslivan الذي نَسّق مع رئيسه محمّد ناصرالدين لانتقال هذه العائلات إلى متوسّطة الزلقا الرسميّة”. أضاف علّوه “بما أنّني مُساعد منسّق العلاقات اللبنانيّة – الروسيّة، طلبَ إليّ ناصرالدين تنظيم سَكن العائلات هنا”.

يتحدّث علّوه عن أهوال هذه الحرب، ويروي كيف وصل به الأمر إلى مدرسة الزلقا فيقول: “يوم الأربعاء الـ 11 من نيسان (أبريل) الجاري، تعرّضت المنطقة التي أسكن فيها في منطقة حَيّ الأمراء – الشويفات إلى غارة إسرائيليّة قويّة أدّت إلى تصدّع شِقّتي فنزحنا إلى هنا”. يضيف مستعيدًا أيّام التهجير الأولى “وزّعت جمعية ‘نسانِد‘ على النازحين وَجبات غذائيّة لمدّة ثلاثة أيّام، وما زال Roslivan يؤمّن وَجبة غداء يوميّة، إضافة إلى معلّبات وأدوات طبخ”. وشدّد على أنّ “كلّ شيء هادئ هنا، ونحن نحرص يوميًّا على راحة العائلات النّازحة”.

متوسطة الزلقا الرسمية
“فرّقتنا الحرب المجرمة”

يمسَح علّوه دمعة انحدرت من عينه، ويتنهّد قائلًا: “في السابق كنت أزور قبر المرحوم والدي، الكائِن في وادي التركمان – الهرمل، مرّة كلّ أسبوعين، وبسبب هذه الحرب المَشؤومة، لم أستطع أن أزوره مرّة واحدة. اشتقتُ إلى أن أقرأ الفاتحة عند قبره، ولا أستطيع الآن سوى أن أصلّي له يوميًّا”.

يُتابع “هذه الحرب المُجرمة فَرّقت العائلات بعضها عن بعض، فوالدتي تسكن مع أختي في منطقة سير الضنّيّة – السّقي، وشقيقي هَيثم الذي كان يسكن في حَيّ السبيل – الهرمل، انتقلَ للسكن في منطقة مَشحا في عكّار. وبعدما كنت أزورهم مرّتين في الأسبوع، أصبحتُ الآن أطمئنّ إلى أحوالهم من خلال الواتساب، كلّ العائلات هنا تشتاق للعودة إلى أماكن سَكنها الأساسيّة، وترى وجوهها وَاجِمة من شدّة الحَنين، لذلك تجد أفرادها يَتسَلّون يوميًّا بالـ”باسكت بول” والفوتبول والتنس، لعلّهم بذلك يتوقّفون عن التفكير بأرزاقهم المدمّرة”.

وأشار علّوه إلى أنّ “هناك أربعة أشخاص فقط من النازحين يستقلّون سيّاراتهم ويذهبون صباحًا إلى أعمالهم في بيروت، أمّا الجنوبيّون فلا يغادرون، لذلك هم يعانون مشكلة التغَيّر المُفاجئ الذي طرأ على نمط حياتهم اليومية”.

نَجوَتُ بأعجوبة”

من ناحيته يروي النّازح أحمد موسى موسى (37 سنة) من كفرصير (قضاء النبطية)، حكاية نجاته من الموت ونزوحه بكثير من المرارة. موسى متزوّج من سيّدة تحمل الجنسيّة الروسيّة، ولديه ابنتان: روز (13 سنة) وزهراء (8 سنوات)، تحدّث بألم عَمّا حَصل معه في قريته كفرصير، فقال: “عندما بدأت الحرب، صَمّمتُ على البقاء وعائلتي في مَنزلنا، وبخاصة لأن لا مكان لدينا نَلتجئ إليه في بيروت. بتاريخ السادس من آذار (مارس) الماضي وكان يوم سبت، وبينما كنت عائدًا إلى منزلي ومعي جرّة غاز، استهدفت غارة إسرائيليّة بناية قريبة من بنايتنا”.

وتنهّد وتابع حديثه لـ”مناطق نت”: “من شدّة عَصف الصاروخ، طرتُ في الجَوّ وسقطّت على الأرض. ثمّ سمعتُ كثيرًا من الصراخ، لكنّني لم أستطع تمييز الأصوات، وبعد أن انقشَع الدخان، وقفتُ شاكرًا ربّي على أنّني نجوت من الموت بأعجوبة، خصوصًا أنّ جرّة الغاز التي كنت أحملها لم تنفجِر بعد أن تدحرجت من يديّ على الأرض”.

يستعيد موسى ما حصل قائلًا: “بعد الغارة بربع ساعة جاءت جرّافة من بلديّة كفرصير وفتحت الطريق، في حينه ركضتُ نحو البناية التي أسكن فيها، وبعدما تيقّنتُ أنّ عائلتي بخير، طلبتُ من زوجتي أن تُحضِر ما تيَسّر من أغراض وحاجيّات ضروريّة، وانطلقتُ بسيّارتي نحو بيروت”. يتابع “خلال الطريق، هاتفَت زوجتي مكتب التعاون الروسيّ – اللبناني، فطلبوا منها أن نتوجّه إلى متوسّطة الزلقا الرسميّة، فوصَلنا إلى هنا نحو الساعة السادسة مساء”.

على الرغم من مرور شهر على حصول هذه الحادثة “فإنّها ما زالت تتراءى أمامي يوميًّا” يقول موسى، ويردف “لدى وصولنا إلى هنا، كانت غرفتنا مؤمّنة، وهي بمساحة 30 مترًا مربّعًا، تمّ تزَويدنا بأربع فرشات وأربع وسادات. وإلى الآن لا نزال ننام على الفرشات فوق بلاط الغرفة”.

الغارة الإسرائيلية على الحي الذي يسكن فيه النازح النازح أحمد موسى في بلدة كفرصير
وضع ماليّ صعب

عن عمله ووضعه في بلدته قبل الحرب أشار موسى إلى أنّه يعمل سائق شاحنة (كميون) منذ سنة 2016 في معمل كرتون وشوكولا لدى شركة خاصّة في بلدة صير الغربيّة، ويتقاضى راتبًا يبلغ 600 دولار شهريًّا، موضحًا أنّه “بما أنّ هذا الراتب لا يُمَكنّني من أن أُعيل عائلتي، فإنّ زوجتي تهتمّ بأعمال الخياطة في المنزل”.

عن وضع عمله حاليًّا يشير موسى بكثير من القلق: “مَرّ عليّ 46 يومًا لم أقبض دولارًا واحدًا من راتبي، وعندما اتّصلت بصاحب العمل، أجابني بأنّ الشركة أقفلت أبوابها بسبب الحرب والتهديدات الاسرائيليّة المتكرّرة. أحزنُ على ما آلت إليه أمورنا، وعلى زملائي الذين توقّفوا قسرًا عن العمل في الشركة، ما أدّى إلى تدمير حياة أكثر من 100 عامل وإداريّ”.

حاليًّا، “أنا أفتّش عن عمل يوميّ، أستطيع من خلاله كَسب بعض المال، وقمت بالتقدّم إلى أكثر من شركة هنا في بيروت، وحتّى الآن لم يجبني أحد حول ذلك”. ويوضح موسى أنّه يتنقّل كلّ يوم “بين ملعب المدرسة وسوبّر ماركت قريبة من المدرسة المتوسّطة. وأتمشّى وعائلتي على الرصيف المؤدّي إلى شارع الزلقا الرئيس، وأحيانًا نحتسي القهوة في كافيتريتا “يونايتد”. وعندما تُلحّ عليه ابنته الصغرى قائلة: “بابا، بَدّي شوف بنت عَمّي”، يبتسم لها ويجيب: “بَعد شوَي منحكيها واتساب”.

“أتلهّف للعودة إلى كفرصير”

وعن جيرانه في كفرصير، يقول: “لقد توزّعوا بين مناطق لبنانيّة عِدّة ، كالجديدة والبترون وسوق الغرب وعاليه، وأنا أطمئنّ عليهم يوميًّا من خلال الواتساب”.

دمّرت الغارات الاسرائيليّة الشارع الذي كان يسكن فيه موسى. تَحمَرُّ عَينا أحمد موسى تأثّرًا ثمّ يقول: “أتلهّف للعودة إلى كفرصير. أتمنّى أن أتفقّد ما بَقي في حَيّنا، وأشتمّ هواءه العَليل، وأتمشّى مع عائلتي في حارات بلدتي”. ثمّ يبتسم ويَنهي حديثه بالقَول: “أشتاق إلى لعب البليارد في cafe صالِح، على طريق عام عدشيت، حيث كنتُ أقضي بعضًا مِن ليلي وأنا أتحَدّى رفاقي في هذه اللعبة”.

النازح أحمد موسى مع ابنته الصغرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى