الهدنة الهشّة: حياة معلّقة بين الأصل والنزوح

نعيش هدنةً هشّة، زمنًا معلّقًا بين سكونٍ موقت واحتمالٍ دائم للاشتعال؛ يعود بعض الأهالي إلى بيوتهم كزائرين، يفتحون الأبواب بحذر، يمضون ليلةً واحدة بين الجدران التي تعرفهم جيّدًا ثمّ يغادرون، فيما يضع آخرون ثياب الشتاء في الخزائن كإشارة إلى عودةٍ مأمولة، ويحملون معهم ملابس الصيف إلى أماكن النزوح، وكأنّ الفصول نفسها دخلت في ارتباكٍ يشبه ارتباك البشر.

في جبل عامل، يتسلّل الربيع إلى القرى ككائنٍ يعرف طرقه القديمة، تمتدّ الحقول على مهل، يتبلور اللوز على أشجاره، وتستعيد الأزقّة صوتها الأوّل، فيبدو كلّ شيء وكأنّه يعود إلى إيقاعٍ محفوظ في التراب، حيث يظهر البيت كجزء من دورة الحياة، كعضو في جسدٍ أوسع اسمه القرية. وفي اللحظة نفسها، يمرّ النزوح كقاطعٍ حاد داخل هذا الاكتمال، فيتحوّل الربيع إلى صورة تُرى من بعيد، وتغدو القرية ذاكرة تُحمل في الداخل بدل أن تُعاش بكامل الحواس.

النزوح كاقتلاع داخلي

النزوح يتجاوز حركة الجسد من مكان إلى آخر، ويتحوّل إلى اقتلاعٍ داخليّ يعيد تشكيل العلاقة مع الذات. في علم دراسات الهجرة القسريّة، يُوصَف الإنسان النازح بأنّه يعيش بين مكانين، في حالة انقسام ملتبس بين ما ينتمي إليه وما يعيشه فعليًّا.

هذه الحال تولّد شعورًا مستمرًّا بالتعليق: حضورٌ في مكان، وامتدادٌ في مكان آخر. في هذا الفراغ، تتبدّل اللغة الداخليّة للفرد، وتتغيّر طريقة فهمه للزمن والاستقرار.

هواء مختلف في المجادل

في بلدة المجادل (صور)، تجلس ابتسام درويش أمام بيتها، تراقب الحقل كمن يقرأ سيرةً قديمة. تقول: “حين أكون هنا، أشعر أنّني أتنفّس بشكلٍ مختلف، كأنّ صدري يتّسع. في النزوح، الهواء نفسه كان ثقيلًا”. تصمت لحظة، ثم تردف: “عدتُ إلى البيت، لكنّني شعرت بأنّني أعود بنقصٍ ما. هناك جزء بقي في مكان النزوح، في تلك الغرفة الموقّتة”.

كلامها يكشف انقسامًا داخليًّا: عودةٌ مكتملة في الشكل، ومعلّقة في العمق. هذا النوع من التجربة تصفه دراسات نفسيّة بأنّه امتداد للأثر الصدميّ، حيث يبقى الشعور بعدم الاكتمال حاضرًا حتّى بعد العودة، بخاصّة وأنّها عودة ضمن هدنة. في هذا الإطار تتابع درويش قائلة: “أولادي منقسمون إلى فريقين، من يريد البقاء، ومن يريدنا أن نشدّ الرحال إلى بيت النزوح في منطقة الظريف ببيروت، حيث لا يزال إيجار الشقّة ساري المفعول ونستطيع ان نبقى لشهرين آخرين”.

حوراء بيضون: “وأنا في بيتي في الشهابيّة، حينما أضع شيئًا في مكانه، أفكّر بسرعة: كيف أحمله لو اضطررت إلى الرحيل؟”

الذاكرة بوصفها بيتًا موازيًا

في النزوح، يصنع الإنسان لنفسه بيتًا آخر داخل الذاكرة. يحتفظ بتفاصيل صغيرة: باب، نافذة، شجرة، صوت ماء. هذه العناصر تتحوّل إلى مرجع داخليّ، إلى مساحة يعيش فيها حين يبتعد عن مكانه.

في دراسات الذاكرة الجماعيّة، يظهر أنّ الأماكن تظلّ حاضرة في وعي الإنسان عبر التفاصيل الحسّيّة، وأنّ فقدانها يخلق حاجة مستمرّة لإعادة تخيّلها واستحضارها.

في بلدتها الشهابيّة (صور)، تلمس حوراء علي بيضون جدار منزلها ببطء، كأنّها تتحقّق من صلابته. تقول: “في النزوح، كنت أرتّب أغراضي كلّ يوم. ثمّة شعور دائم بأنّني على وشك المغادرة”. وتضيف: “حتّى الآن، وأنا في بيتي في الشهابيّة، حينما أضع شيئًا في مكانه، أفكّر بسرعة: كيف أحمله لو اضطررت إلى الرحيل؟”. هذا السلوك يعكس تحوّلًا عميقًا في الإحساس بالأمان. يصبح الاستقرار فكرة تحتاج إلى تدريب، ويغدو البيت مساحة يُعاد تعلّمها، خطوةً خطوة. في المكانين، الحقائب مهيّئة للمغادرة السريعة.

“كنت أبحث عن هذه الرائحة”

في هذا الزمن المعلّق، حيث الهدنة تمرّ كخيطٍ رفيع فوق حياةٍ قابلة للانقطاع في أيّ لحظة، يبدأ الجسد بحفظ القلق على طريقته، يتسرّب إلى الحركة، إلى ترتيب الأشياء، إلى تلك العادات الصغيرة التي تولد من حاجةٍ خفيّة للاستعداد الدائم. كأنّ الإنسان يعيش بنصف استقرار ونصف ترحال، يحمل بيته في داخله ويختبره كلّ يوم من جديد.

ومن هنا تحديدًا، من هذا الجسد الذي صار ذاكرة حيّة، يمكن فهم ما تقوله مروى قبيسي في زبدين (النبطية) وهي تمشي بين الأشجار، تنحني قليلًا، تلتقط ورقة خضراء وتفركها بين أصابعها ببطء، كأنّها تحاول أن تستعيد شيئًا تسرّب منها، ثمّ تقول بصوتٍ خافت يتداخل فيه التعب مع الدهشة: “كنت أبحث عن هذه الرائحة في النزوح، كنت أفتّش عنها في الهواء، في الشوارع، في الغرف، في الثياب التي حملناها معنا، كأنّني أبحث عن دليلٍ يربطني بما كنت عليه، كلّ الأماكن كانت نظيفة، مرتّبة، فيها كلّ شيء، وفيها أيضًا فراغٌ لا يُرى، فراغ يشبه فقدان شيءٍ لا يُسمّى”. تصمت لحظة وتغلق عينيها، كأنّها تختبر الذاكرة عبر الحواس.

تتابع: “حين عدت، شعرت أنّ الأرض تعرفني قبل أن أتعرّف إليها، كأنّها تنتظرني، كأنّها تحتفظ بشيءٍ منّي في غيابي، لكنّني أنا احتجت إلى وقت كي أعود إليها، كي أستعيد قدرتي على الإحساس بها، على سماعها، على لمسها من دون خوف”.

العلاقات الاجتماعية زمن الترحال

في هذا الكلام يتكشّف الانتماء بوصفه تجربة حسّيّة عميقة، لا تُختصر في الجغرافيا، بل تمتدّ إلى أدقّ التفاصيل التي تشكّل علاقة الإنسان بمكانه، حيث تتحوّل الرائحة والملمس والصوت إلى مفاتيح للذات، ويغدو ابتعادها ابتعادًا عن جزءٍ داخليّ دقيق، يعود ببطء، على إيقاع الذاكرة، وعلى مهل الربيع الذي لا يتوقّف عن الحضور.

النزوح يعيد تشكيل العلاقات بين الناس. القرب اليوميّ يتحوّل إلى لقاءات موقّتة، والعلاقات الجديدة تحمل طابعًا عابرًا. يظهر شعور بأنّ كلّ شيء قابل للتبدّل، وأنّ الروابط تحتاج إلى حذرٍ في الاستثمار العاطفيّ.

تقول زينب نسر: تعرّفت إلى أناس كثيرين، لكن ثمة شعورًا دائمًا بأنّ كلّ شيء موقّت”. هذا الإحساس يولّد نوعًا من الانتماء الهشّ، حيث يعيش الإنسان بين رغبة في التواصل، وحذرٍ من الفقد. ثمّ تختم: “على العموم أصبحت غالبيّة الناس منشغلة بشؤونها، لقد فقدنا عادة التواصل المباشر مع الآخرين في زمن الهواتف”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى