إسرائيل تواصل تدمير تراث الجنوب المعماري والأثري

يستكمل الجيش الإسرائيليّ ما بدأه في حرب 2023- 2024 تدمير ما تبقّى من أبنية وعمارات قرى وبلدات منطقة جنوب لبنان الحدوديّة، وبخاصّة قرى الحافة الأماميّة من خلال التجريف أو التفخيخ والنسف أو بواسطة طيرانه الحربيّ الذي يطلق قنابل تدميريّة ضخمة تدكّ بالكامل كلّ ما تصيبه، في نيّة معلنة لإنشاء منطقة عازلة في مواجهة مستوطناته الشماليّة القريبة من الحدود اللبنانيّة.

بذلك يكون الجيش الإسرائيليّ قد قضى على مجمل العمارة الأثريّة والتراثيّة في القرى الحدوديّة التي يعود تاريخها إلى ما قبل 100 عام، ومنها إلى مئات السنين، على نحو “المسجد الكبير” في مدينة بنت جبيل البالغ أكثر من 400 عام وهدمته إسرائيل خلال الـ 15 من نيسان (أبريل) الجاري، ومسجد بليدا الأثريّ (مرجعيون) المعروف بمسجد “النبي شعيب” الذي دمرته قبل أن تجرفه في حرب 2024 على الرغم من أنّه مدرج على لوائح الجرد العام لوزارة الثقافة اللبنانيّة وعلى رغم قيمته التراثيّة والتاريخيّة كأحد أقدم مساجد منطقة جبل عامل والذي يعود تاريخه في بعض الروايات إلى ألف عام.

وكان الجيش الإسرائيليّ قد استهدف في حرب الـ66 يومًا وكذلك في فترة الهدنة التي بدأت بعدها في الـ 27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 واستمرّت مدّة شهرين متتاليين عديدًا من المواقع التراثيّة والدينيّة بأساليب مختلفة، كالتفخيخ مثلًا في مساجد: “يارين” و”البستان” و”أمّ التوت” و”يارون” و”الظهيرة”، بين قضاءي صور وبنت جبيل. واستخدام الجرّافات في هدم مسجدي “طير حرفا” و”مارون الراس” (بنت جبيل) وقد أظهرت شرائط فيديو عمليّة هدمه خلال الثاني من ديسّمبر (كانون الأوّل) 2024، أيّ بعد قرار وقف إطلاق النار.

وجرى بعد حرب 2024 توثيق تدمير 13 مسجدًا وكنيستين في الأقلّ باستخدام القصف المباشر، بينها مناطق مدرجة على لائحة الأبنية التراثيّة مثل مسجد “طيردبّا” (صور) ومسجد “كفرتبنيت” (النبطية) وكنيسة “دردغيّا” (صور) ومسجد “حيّ البياض الأثريّ” في مدينة النبطيّة. وبلغ عدد المساجد التي دُمرت قبل وبعد وقف إطلاق النار 21 مسجدًا وثلاث كنائس، إضافة إلى دور عبادة تراثيّة تتوزّع بين مناطق جنوب (نهر) الليطانيّ وشماله.

غارات قرب آثار صور

في الحرب الأخيرة التي بدأت في الثاني من مارس (آذار) الماضي بدا واضحًا أن الجيش الإسرائيليّ وبأوامر من قياداته العليا بتدمير القرى الحدوديّة من الصفّ الأوّل (الحافّة الأماميّة) بالكامل، ثمّ انتقل في عمليّة التدمير الكلّيّ إلى قرى الصفّ الثاني من الحدود على نحو الطيبة ومدينة الخيام في قضاء مرجعيون، ثمّ إلى الصف الثالث من الحدود على نحو القنطرة ودير سريان وقد أظهرت صور جوّيّة تدمير هاتين القريتين بالكامل، وكانتا تحتويان على مبان قديمة عمرها من عمر السكّان الأوائل فيهما.

صورة جوية لتدمير دير سريان

وفي السادس من آذار (مارس) الماضي، شنّت إسرائيل غارة على بعد أمتار قليلة من الموقع الأثريّ في صور، ما أودى وفق وزارة الصحة اللبنانيّة بثمانية أفراد من عائلة واحدة، فيما تحوّل منزلهم إلى كومة من الركام. وقال مدير الحفريّات الأثريّة بوزارة الثقافة في منطقة الجنوب نادر سقلاوي أمام الصحافيين: “كانوا الضحايا جيراننا. ظنّوا أنّ وجودهم بالقرب من الموقع الأثريّ سوف يحميهم، باعتبار أنّ التراث العالميّ لا يفترض أن يتعرّض للقصف خلال الحروب والنزاعات المسلّحة”.

وروى أنّه لدى توجّه فريق من الوزارة “إلى الموقع لمسح الأضرار بعد نحو يومين من الغارة، وجد بعض الأشلاء البشريّة على سطح المتحف الذي هو قيد الإنشاء”. وتسبّبت الغارة في تحطّم نوافذ المتحف جرّاء عصف الصاروخ الذي أطلقته طائرة حربيّة، لكنّها لم تلحق ضررًا بالمقبرة الأثريّة العائدة إلى القرنين الثاني والثالث الميلاديّين، ولا بقوس النصر الضخم والقنوات المائيّة وميدان سباق الخيل داخل الموقع، وهي آثار تشكّل شواهد على ازدهار الحقبة الرومانيّة.

ومن المعروف أنّ آثار مدينة صور جنوب لبنان مشمولة بمبادرة “الدروع الزرقاء” التي أطلقتها لجنة تابعة لمنظّمة الأمم المتّحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو)، على أكثر من ثلاثين موقعًا أثريًّا في لبنان، بينها آثار صور، وضعت عليها العلامات في رسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الجيش الإسرائيليّ، إذ تُلزم اتفاقيّة لاهاي للعام 1954 الأطراف المتحاربة بحماية الملكيّة الثقافيّة في حال النزاع المسلّح.

وندّد وزير الثقافة غسّان سلامة “باستهداف العدوان الإسرائيليّ للموروث الثقافيّ والحضاريّ”؛ وقال في بيان بعد الغارة قرب المعلم الأثريّ: “المواقع الأثريّة لا تضمّ أيّ وجود عسكريّ أو أمنيّ، ولا يمكن بالتالي استخدام هذه الحجّة لقصفها أو المساس بها”.

تدمير الخيام

بدأت بلدة الخيام التي أضحت مدينة تتعرّض للتدمير الإسرائيليّ منذ اجتياح العام 1978، ولم تمرّ حرب بعدها إلّا ونالها نصيب هائل من التدمير، وكان أهلها يعيدون بناءها في كلّ مرّة، لكنّ ما تعرضت له من تدمير شبه كلّيّ في العام 1978 قضى على مجمل عمارتها التراثيّة ولم يبقَ منها إلّا حيزًا قليلًا لا يتجاوز تعداده أصابع اليدّ. أمّا حرب 2024 والأخيرة 2026 فدمّرتا ما يمكن تسميته بعمارة تقليديّة في أكبر مدن قضاء مرجعيون يضاف إليه عشرات القصور التي بناها أبناء الخيام بعد التحرير في مايو (أيار) 2000 وبعد حرب يوليو (تموز) 2006.

كان اللافت في عمارة الخيام الحديثة، هذا الكمّ الهائل من القصور والدور الفخمة و”الفيلّات” التي انتشرت في مختلف أحيائها السكنيّة، أو على تلك التخوم التي كانت بعيدة من السكن، على أنماط مستمدّة من العمارة التقليديّة اللبنانيّة المتطوّرة، والعمارة الإيطاليّة الحديثة، إلى عديد من التصاميم التي تركت جماليّتها وبصماتها في مختلف أرجاء البلدة. وشجّعت شبكة الطرقات والبنى التحتيّة والكهربائيّة العامّة ومشروع الكهرباء البلديّ، في العقدين الأخيرين، تنامي حركة العمران وانتشاره، إذ لم يبقَ حيّ من أحياء البلدة بعيدًا من حركتي البناء والسكن.

تعرّضت هذه القصور الثمينة في حرب 2024 إلى تدمير واسع أتى على عديد منها وجعلها ركامًا، لكنّ الحرب الأخيرة دمّرت عددًا كبيرًا منها إذ قرّر الجيش الإسرائيليّ محو أيّ بناء وصل إليه بالجرف والتفخيخ والتفجير، وما عجز عنه أغارت عليه طائراته الحربيّة فسوّته بالأرض، منها دارة الحاج خليل الحاج إبراهيم آل عبدالله المبنيّة في العام 1862.

دارة عمرها 164 عامًا

هي دارة الحاج خليل العبدالله في الخيام، أحد أبرز القيادات التاريخيّة في المنطقة. شُيدت نحو سنة 1862 على يد والده الحاج إبراهيم العبدالله، الوريث السياسيّ والمعنويّ لأبيه الحاج حسن بن محمد آل العبدالله التنّوخيّ، مؤسّس عائلة آل العبدالله وعميدها.

عمل في بناء الدار، معماريّون من كسروان في جبل لبنان، على هندسة العقد الحجريّ، مستخدمين الأحجار المميّزة في تشييد قناطر بالغة الدقّة والمتانة، تشكّل في تقاطرها سقوف “الديوانيّة” التي تقوم عليها الدار كلّها، متميّزة برحابتها واتّساعها لمئات الأشخاص، تجاورها غرف مستقلّة للضيافة.

شهدت الدار في عهد بانيها الحاج إبراهيم اجتماعات مكثّفة في إبّان “واقعة الخيام” في العام 1894، بحسب المؤرّخ محمّد جابر آل صفا في كتابه “تاريخ جبل عامل”، إذ “تلقّى مع موفَدَي السيّد حسن يوسف مكّي، الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ضاهر (وهم من أشهر أوائل علماء النبطيّة) الرسائل التي كانت ترِد من زعماء العشائر إلى الزعيمين الحاج محمّد والحاج إبراهيم آل عبدالله، وانتهت الواقعة من دون إراقة دماء. بعدها لقّب آل عبدالله بأصحاب السيوف البيضاء”.

دارة آل العبدالله في الخيام التي هدمت أخيرًا
دار بمنازل كثيرة

عُرفت دار الحاج خليل عبر تاريخ الخيام، بـ”دار بمنازل كثيرة”، إذ شهدت أحداثًا وأدوارًا وطنيّة وعربيّة في أواخر الفترة العثمانيّة، كما في مرحلة الانتداب الفرنسيّ. وتولّى صاحبها رئاسة بلديّة الخيام، وعمل مستنطقًا في محكمة مرجعيون، وانتُخب ممثلًّا لمنطقة مرجعيون – حاصبيّا في المؤتمر السوريّ الذي انعقد في دمشق العام 1920، لمبايعة الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكًا على سوريا. وشارك في “مؤتمر وادي الحجير” في 24 أبريل (نيسان) 1920، وصياغة مقرّراته. وبسبب مواقفه المعارضة نُفي الحاج خليل وصُودرت أملاكه من قِبل سلطات الانتداب الفرنسيّ. وبعد “معركة ميسلون” لجأ إلى فلسطين فأقام في قرية الزبيد ولم يعد إلى الخيام إلّا بعد صدور عفو عنه وعن أقرانه المبعدين.

لجأ إليها العشرات من أبناء الخيام كملجأ معماريّ محصّن، في خلال المعارك التي دارت في الجوار بين “جيش الحلفاء” و”جيش دول المحور” في الحرب العالميّة الثانية سنة 1941. استمرّت الدار تشهد على أدوار سياسيّة اجتماعيّة، عبر الوريث السياسيّ والمعنويّ النائب الراحل علي الحاج خليل العبدالله، ممثلًا لمنطقة مرجعيون – حاصبيّا في البرلمان اللبنانيّ طوال الفترة الممتدّة بين عامي 1972 و1992.

بعد تحرير الجنوب العام 2000، استضافت الدار اجتماعات المجلس البلديّ في الخيام نحو سنة قبل تأهيل أحد الأبنية المدرسيّة وتحويلها مقرًّا موقّتًا للبلديّة. وأصابت الدار التي لجأ إليها عديد من أبناء البلدة، ما أصاب الخيام من تدمير وأضرار في خلال الحرب الإسرائيليّة، في تمّوز 2006، ما استدعى ترميمها بجهد هندسيّ متقن، حافظ على الجوانب التراثيّة، مع مواءمة إضافات معماريّة وهندسيّة مدروسة. كان يقطنها أخيرًا ويرعاها الطبيب جهاد علي الحاج خليل العبدالله.

داخل دار آل العبدالله
ستّ مرّات من التدمير

يؤكّد صاحب الدار الحالي الطبيب جهاد عبدالله أنّ ” الدار بنيت خلال العام 1862 أيّ قبل تيودور هرتزل والمؤتمر الصهيونيّ الأوّل في سويسرا بين 29 و31 أغسطس (آب) 1897. وتمّ حرقها أو تدميرها ستّ مرات منذ العام 1920 إبّان الانتداب الفرنسي، وأعيد بناؤها أو ترميمها في كلّ مرّة، ولهذا سوف نعيد بناءها بعد انتهاء الحرب والتحرير ونجتمع فيها من جديد”. وقال إنّ “الدار جرى تدميرها أوّل مرّة على يد الجيش الفرنسيّ سنة 1920، قبل معركة ميسلون حيث دخلها الكولونيل نيجر القائد الفرنسيّ ليقضي على الثوّار الجنوبيّين المطالبين بالوحدة مع سوريا ومنادين بالملك فيصل على رأس دولة سوريّة لبنانيّة موحّدة، وكان جدّي الحاج خليل في طليعة هؤلاء الثوّار وممثلًا لجبل عامل في المؤتمر السوريّ العام وعضو مؤتمر وادي الحجير”.

ويضيف الطبيب عبدالله “كان التدمير الثاني وقت الحرب العالميّة الثانية العام 1941 في معركة بين الحلفاء وجيش فيشي جرت بالجوار. أمّا التدمير الثالث فكان في اجتياح العام 1978 (عمليّة الليطاني) في إبّان احتلال المنطقة الحدوديّة وضمّها إلى مشروع الشريط الحدوديّ الذي نفّذته إسرائيل مع أعوانها. وكان التدمير الرابع في إبّان حرب تمّوز 2006، والخامس في معركة ‘أولي البأس‘ 2024، والسادس أخيرًا في الـ31 من آذار 2026”.

“عين الطيبة الكبيرة”

بعد التدمير المنهجيّ الذي تعرّضت له بلدة الطيبة (مرجعيون) في الحرب الأخيرة كتب الباحث البيئيّ والتراثيّ الدكتور هشام يونس (رئيس جمعيّة الجنوبيّون الخضر): “أحاول أن أتبيّن من الصور المنتشرة لبلدة الطيبة التي تعرّضت لتدمير إجراميّ واسع حال عينها الأثريّة ‘العين الفوقا‘، إحدى أجمل عيون عاملة ولبنان. وتُظهر بنية العين الرائعة جدرانًا حجريّة دائريّة وسلّمًا حجريًّا حلزونيًّا، وهي عناصر معماريّة تتقاطع مع نماذج تعود إلى الحقبتين الرومانيّة والبيزنطيّة، دون وجود، بحدود معرفتي المتواضعة، دليل أثريّ موثّق يثبت نسبتها المباشرة إلى حقبة بعينها. في المقابل، يشير المتداول بين الأهالي إلى أنّ أعمال ترميم أو إعادة تأهيل جرت خلال الفترة العثمانيّة، دون أن يتيح ذلك الجزم بطبيعة هذا التدخّل أو تأثيره على الشكل القائم للعين”.

تقع العين الفوقا في المنطقة القريبة من ساحة البلدة التي قام الجيش الإسرائيليّ بتدميرها بعد تفخيخها ونسفها ثمّ تجريفها، ولا يعرف مصيرها وما نالها من عمليّة التدمير الكلّيّة هذه، إذ سبق للإسرائيليّين أن دمّروا في حرب 2024 العين التحتا التي تبعد نحو 150 مترًا عن العين الفوقا، إضافة إلى تدمير عدد من البيوت التراثيّة التي تعود إلى أكثر من 100 عام فيها. ومن الطبيعيّ أن ينال التدمير الأخير من عشرات البيوت التراثيّة في الطيبة.

العين الكبيرة في الطيبة
عين الأرض نحو السماء…

هي من أروع عيون المياه وأجملها، في جنوب لبنان قاطبة، إذ يميّزها موقعها المنخفض عن سطح الأرض بنحو عشرة أمتار؛ غربيّ ساحة الطيبة، والوصول إلى غديرها عبر درج “حلزونيّ” في تجويف من حجر صخريّ شيّد بإتقان، على النمط “الهرميّ” المعكوس، من دائرة متّسعة من أعلى وضيّقة عند حوض الماء.

يتحدّث المسنون في البلدة، عن أنّ “العين الفوقا” بنيت منذ أكثر من 200 عام؛ أيّام العثمانيّين؛ ويردّد بعضهم أنّ عمرها من عمر الضيعة القديمة؛ أو قد تكون تاريخيّة رومانيّة أو بيزنطيّة نظرًا إلى أسلوب بنائها الشبيه ببعض المدارج الرومانيّة.

ويرجّح أخرون أن يكون أبناء “علي الصغير”، وهو الجدّ الأكبر لآل الأسعد من أقطاب جبل عامل، هم من حفرها ودوزن جدرانها عندما استقرّوا في تلك المنطقة. وكانت لها قنطرة عند مدخلها، هوت بفعل القدم وأعادت بلديّة الطيبة بناءها خلال ترميمها الأخير.

كان الأهالي يعتمدونها مصدرًا رئيسًا لشرب الماء السلسبيل؛ تقصدها الصبايا والنسوة لنقل المياه منها إلى البيوت، معبّأة بالجرار فوق رؤوسهنّ؛ ويعتقد الأهالي أنّها تنبع من مكان غير مكانها، وتغور وسط موقعها “الدائريّ” لتتفجّر مجدّدًا قرب “العين التحتا”.

دار آل حمدان في حاروف

هي دار الراحل الحاج عبدالله حمدان الواقعة على تلّة حيّ “الثغرة” قرب مسجد بلدة حاروف (في قضاء النبطيّة شمال الليطاني)، دمّرها الجيش الإسرائيليّ بغارة من طيرانه الحربي صبيحة الثلاثاء خلال الـ 24 من مارس الماضي.

شيّد هذه الدار المرحوم الحاج عبد الله أحمد حمدان العام 1930، أيّ قبل ستّ سنوات من ولادة المفكّر اليساريّ المعروف الدكتور حسن عبدالله حمدان “مهدي عامل” (1936) الذي اغتيل في بيروت خلال الـ 18 من أيّار 1987. وفيها ولد أشقاؤه (القاضي) حسين حمدان و(الدكتورة) سامية حمدان و(الدكتور) طلال حمدان. وقد استقبل صاحب الدار فيها المرجع الشيعيّ الإمام موسى الصدر. وضمّت كثيرًا من أمسيات الشعر في حاروف وأبرز وجوهها الراحلون الشاعر محمّد علي الحوماني والشاعر الغنائيّ والزجليّ عبد الجليل وهبي والشاعر عبّاس حرقوص والشاعر محمّد شاهين. كذلك أقيمت فيها أعراس زواج معظم أبناء عائلة حمدان في البلدة.

كان صاحب الدار تاجر أقمشة في محلّة الغبيري ببيروت، لكنّه أصرّ على بناء دار له في مسقط رأس العائلة في حاروف من الحجر الصخريّ مُزيّنًا أبوابها وشبابيكها بالعتبات ذات القطعة الصخريّة الواحدة وبأقواس من الحجارة المصقولة المشغولة بأيادي معماريّين متخصّصين، مقطّعة بزجاج ملّون ودرف من خشب الزنزلخت القديم.

منزل آل حمدان في حاروف قبل تدميره
“كان لي بيت وذكرى”

وعلى صفحته “فايسبوك” كتب الأستاذ الجامعيّ الدكتور علي جابر شعيب (1949) من بلدة الشرقيّة في قضاء النبطيّة: “هنا كان بيتي. 45 سنة حتّى اكتمل بناؤه. لم أستطع أن أضيف لمسة واحدة إلى هذا الحضن الذي شيّدته، وحملت له الحجارة بمنقاري، حجرًا حجرًا من مقالع الصبر ومن نهار عيني. فإذا أحببته فلأنّه عانى معي الانتظار المرّ، ورائحة الآمال الموعودة. أحببته لأنّه حضن أطفالي وأحفادي يرتعون في جنباته. أحببته لأنّه منحوت من أضلعي، ودوزنت كلّ حصاة وكلّ حشيشة في حديقته. أحببته لأنّه عرف معي صلاة أصابعي وهي تتلمّس الطريق إلى الله. فما أحلاك يا بيتي ورائحة العافية تهبّ من بياض جدرانك، هبّات تتمنّى السعادة لو عمرت فيك زمنًا”.

وختم: “كان لي بيت وذكرى، انطفأ البيت، وعاشت الذكرى”. دمّرت غارة إسرائيليّة دارة الأستاذ شعيب الثلاثاء خلال الـ31 من آذار 2026.

تنصّ اتفاقية لاهاي العام 1954 لحماية الممتلكات الثقافيّة في حالة النزاع المسلّح وبروتوكولاها لعاميّ 1954 و1999 على حماية الممتلكات الثقافيّة. وتُعدّ حماية المواقع الثقافيّة والدينيّة في حالات النزاع التزامًا بموجب البروتوكولين الإضافيّين الأوّل والثاني لاتفاقيّة جنيف 1977.

دار الدكتور شعيب في النبطية قبل التدمير
دار الدكتور شعيب في النبطية بعد التدمير

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى