شبح الحرب يرفع الطلب على أدوية الأعصاب بقاعًا

لم تنحصر خسائر الحرب الدائرة اليوم بالبشريّة والمادّيّة وتدمير القرى والبلدات وحسب، بل هناك نوعٍ آخر من الخسائر يتعلّق بمستقبل الناس وسلامتهم من الناحيتيْن النفسيّة والصحّيّة. فالألم النفسيّ أشدّ وطأةً وخطورةً على الإنسان الذي سَلِم من القتل والموت ولم يسلم من أمراضٍ نفسيّةٍ أخرى ربّما ستلازمه سنواتٍ أو تصبح داءً مزمنًا بلا شفاء.

توتّر وقلق وأدوية أعصاب

فالمواطن اللبنانيّ بعامّة والمستهدفة منطقته بصورةٍ خاصّةٍ لم يتشافَ بعد من الصدمات النفسيّة التي أصابته في الحرب الماضية، حتّى جاءت الحرب الأخيرة لتُثقل عليه أمراضه وأزماته العصبيّة وما يترافق معها بسبب التوتّر الدائم الذي يعيشه على مدار الساعة.

أبناء منطقة بعلبك الهرمل الذين يعيشون رعب القتل اليوميّ جرّاء أصوات طائرات الموت الإسرائيليّة، وما ينتج عنها من استهدافات غير متوقّعة أو محدّدة، يسجّلون نسبةً عاليةً في تناول أدويّة الأعصاب والقلق والصدمات النفسيّة التي بات تأمينها بالنسبة إليهم أوْلى من تأمين الخبز والماء. وسكّان المنطقة بغالبيّتهم لا سيّما أصحاب الأمراض المزمنة، كمرضى الضغط والسكّريّ، هم أكثر الناس تناولًا لأدوية الأعصاب والأمراض النفسيّة لكون التوتّر العصبيّ والخوف المتواصل يُسهم في تأزيم أوضاعهم الصحّيّة ويهدّد حيواتهم.

ينسحب الأمر عينه وبصورةٍ أخطر على فئة الأطفال إذ يشكّل القلق حاجزًا نفسيًّا وفكريًّا أمام تقبّلهم التعاطي مع مسألة تعليمهم من بعد، ما يوقعهم في أزمةٍ تعلّميّة.

للوقوف على الحالات النفسيّة التي يعيشها أبناء المنطقة، في هذه الظروف العصيبة، التقت “مناطق نت” عددًا منهم وسجّلت الشهادات الآتية: يقول علي يزبك من بلدة حوش الرافقة إنّ قلقه بسبب الخوف المتراكم من الحرب الماضية ازداد أضعافًا في هذه الحرب. وإنّه بدأ بتناول نوعيْن من أدوية الأعصاب: “واحدًا للاسترخاء وآخر للقلق الليليّ”. ويتابع لـ”مناطق نت”: “إنّ أصوات الصواريخ وما يمكن أن تسبّبه من قتلٍ ودمارٍ ورعبٍ ليس فيها عنتريّات ولا رجولة. فأنت ترى الموت أمام عينيك. وتنتظر دورك على مدار اليوم. وإذا لم نَخَف من كلّ هذا الهوْل فنكون من دون إحساسٍ ولسنا بشرًا.”

لا نوم من دون مهدّئات

ويشير يزبك إلى أنّه يعيش على أعصابه منذ اليوم الأوّل للحرب. “ليس خوفًا على نفسي وحسب، بل على أسرتي. لذلك حال التوتر الدائم أتلفت أعصابي. ولا أرتاح قليلًا، إلّا بعد تناول حبّة الـXanax  التي تجعلني أنام بعض الوقت. وبعد انتهاء مفعولها أعود إلى قلقي الذي أصبح جزءًا من أوجاعي اليوميّة.”

ويختم بالقول “إنّ ما نعيشه اليوم، من أمراضٍ نفسيّةٍ قاهرةٍ يُنسينا أمراضنا العضويّة، ويجعلنا نتمنّى كلّ شيءٍ يخطر بالبال في مثل هذه الحال. حتّى الموت إذا كان فيه خلاصنا فليأتِ. وجع مرّةٍ ولا كلّ مرة.”

ابن حوش الرافقة علي يزبك: إنّ ما نعيشه اليوم يجعلنا نتمنّى كلّ شيءٍ يخطر بالبال، حتّى الموت إذا كان فيه خلاصنا فليأتِ.

آلة قياس الضغط تلازمني

من جهتها تشرح المواطنة سمر مرتضى من بلدة تمنين وضعها النفسي بسبب الحرب بأنّه أصعب من أيّ مرضٍ آخر فتّاك. “فهو يُميتني ألف مرّةٍ في اليوم؛ بين خوفٍ وقلقٍ ودقّات قلبٍ سريعةٍ ورجفة يديْن وأحيانًا شبه غيبوبةٍ حينما أسمع صوت الطائرات والإنفجارات”.

وتؤكّد لـ”مناطق نت” أنّ آلة قياس الضغط تلازمها حتّى وهي تتنقّل داخل بيتها. “أنا مريضة ضغط، ومرضي يحتاج إلى هدوء أعصابٍ دائم. ولكن، اليوم يرتفع ضغطي بين ساعةٍ وأخرى إلى مستوياتٍ خَطِرة. وطبيبي حذّرني من استمراريّة ذلك وخطورته على القلب والدماغ. لذلك وصف لي دواء Cipralex وهو مرتفع الثمن، من أجل إبقاء جسمي بحال استرخاء.”

وتشير مرتضى إلى أنّ توتّرها الدائم أدّى إلى إعاقتها في الاهتمام بإدارة بيتها كربّة منزل “أقوم بأعمال بيتي اليوميّة وأنا على أعصابي وقلبي بيدي. ودائمًا ثمّة هاجس سقوط الصواريخ علينا فجأةً في تفكيري. لذلك أعمل بصورةٍ خاطفةٍ من دون إتمام العمل كاملًا.”

وترى أنّها إذا بقيَت على حالها النفسيّة السيّئة ستطلب من طبيبها دواء للأعصاب إضافيًّا “فأنا لم أعد أهتمّ بأضرار الأدوية، همّي الوحيد أن أرتاح فقط.”

أنا ضائع، فإلى متى؟

أمّا حسن ابن الـ 12 عامًا من بلدة السعيدة وهو تلميذٌ في الصّف السابع الأساسيّ فيختصر حاله النفسيّة الحاليّة بعبارة واحدةٍ: “أنا ضائع.” يحاول حسن الابتعاد عن توصيف وضعه الذي لا يزال يعيشه منذ الحرب الماضية، متجاوزًا وصف آلامه النفسيّة والفكريّة، منتقلًا إلى سؤالنا: “إلى متى؟”.

سؤالٌ كبيرٌ من رجلٍ صغيرٍ. خفّفت من ثِقله والدته التي تدخّلت لتقول إنّ ابنها واعٍ وأكبر من عمره. لذلك وصف له الطبيب دواءً خفيفًا لتوتّره المتحوّل إلى تساؤلاتٍ تُرهق عقله وتعوق عمليّة تعلّمه من بُعد، لا سيّما وأنّه من المتفوّقين في مدرسته. يختم حسن بجملةٍ واحدة: “أريد أن أعيش بأمانٍ وسلام”.

أدوية أعصاب أكثر مبيعًا

وللصيادلة في المنطقة آراؤهم حول الأزمات النفسيّة التي يتعرّض لها المواطنون لونهم أكثر التصاقًا بالمرضى من حيث مصدر الأدوية وبعض الاستشارات الطبّيّة أحيانًا.

بحسب الصيدليّ حسن قطايا فإنّ أكثر الأدوية التي يبيعها هي أدوية مهدّئاتٍ مثل: ڤاليوم، باروتين وغابريكا وهي تعالِج التوتّر والقلق وغيرها. ويشير لـ “مناطق نت” إلى أنّ بعض المرضى يشترون أدويةً أجنبيّة المصدر على رغم ارتفاع سعرها. والبعض الآخر يعتمد على أدوية وطنيّة الصنع بسبب انخفاض ثمنها، وهم يستهلكونها بكثرة.

ويلفت إلى أنّ مبيعه اليوميّ من الأدوية يتركّز على تلك الأدوية التي تُصنّف نفسيّة “يمكن القول إنّ 65 في المئة من الأدوية التي نبيعها يوميًّا هي أدويةٌ تتعلّق بالقلق وتوتّر الأعصاب والأرَق الليليّ. حتى أنّ هناك من يستخدم دواءين في اليوم الواحد نظرًا إلى تفاقم حالته.”

الصيدليّ حسن قطايا: 65 في المئة من الأدوية التي نبيعها يوميًّا هي أدويةٌ تتعلّق بالقلق وتوتّر الأعصاب والأرَق الليليّ.

ويؤكّد قطايا أنّ غالبيّة المرضى ممّن يأتون إليه، وعلى الرغم من حصولهم على وصفاتٍ طبّيّةٍ من أطبّائهم يطرحون كثيرًا من الأسئلة حول وظائف الأدوية الخاصّة بالأعصاب لضمان فاعليّتها في علاج الحالات التي يعانون منها. “فهذا دليل على شدّة المعاناة من الأعراض التي تُصنّف أنّها أصعب من الأمراض العضويّة التي تُعالج بدواءٍ محدّدٍ في مدّةٍ محدّدة” يقول.

خوف من الإدمان

ويقول الصيدليّ ساجد شحادي إنّ الارتفاع الحادّ في نسبة المواطنين ممّن يتناولون أدوية مهدّئة بسبب الظروف الأمنيّة الراهنة والتي تبلغ أحيانًا في اليوم الواحد، 70 في المئة، بالإضافة إلى كونها مشكلةً بحدّ ذاتها وتُنهك النفس والجسد والأعصاب، إلّا أنّ خطورتها تكمن في إمكانيّة إدمانها وعدم القدرة على تركها لأنّها تصبح جزءًا من حاجة الدماغ إليها.

ويشير لِـ “مناطق نت” إلى أنّ ظاهرة تناول أدوية الأعصاب والمهدّئات متفشيّةٌ بصورةٍ واضحةٍ في مجتمعات المنطقة، بحيث لا توجد أسرةٌ لا يتناول فيها إثنان أو ثلاثة أفرادٍ منها أدويةً خاصّةً بالخوف والتوتّر والقلق. وهذا من شأنه بروز نتائجه السلبيّة في المدى القريب.

ويختم شحادي لافتَا إلى أنّ خطورة الوضع المستقبليّ لدى فئة الأطفال والفتيان الذين هم بين عُمْر الثماني سنوات والـ15 عامًا ممّن لم يجد ذووهم خيارًا لأعراض الخوف المتواصل لديهم جرّاء أصوات الطائرات واستهدافاتها سوى إعطائهم مهدّئاتٍ بوصفاتٍ طبّيّةٍ تلائم أعمارهم وتساعدهم على قليل من الاستقرار النفسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى