“ضليع” من ذوي الهمم دينامو العطاء في زمن الحرب

في مطبخٍ متواضع في بيروت، حيث تختلط رائحة الطعام بصوت الأواني وحركة الأيدي المتسارعة، يشدّ “ضليع الرمح” الانتباه من دون أن يسعى إليه. يتحرّك بخفّة بين الطاولات، يحمل الصحون، يرتّبها، يملأ الفراغات كأنّه يعرف مسبقًا أين يجب أن يكون. لا ينتظر توجيهًا، ولا يطلب استراحة، بل يعمل بصمتٍ يشبه يقينًا داخليًّا بأنّ له دورًا حقيقيًّا هنا، دورًا لا يقلّ أهمّيّة عن أيّ شخص آخر يقف إلى جانبه.

“أنا أحبّ الناس… لهذا أساعدهم”

ضليع، شاب بعلبكي يعيش مع متلازمة داون، لم يسمح لظروفه ولا للنزوح أن يضعاه في خانة الانتظار. منذ انتقاله إلى بيروت، وجد مكانه في مبادرة “عطاء الخير”، التي انطلقت منذ جائحة كورونا، واستمرّت خلال الحرب، لتكون مساحة إنسانيّة مفتوحة أمام كلّ من يريد أن يعطي، لا أن ينتظر.

يقول شقيقه جاد إنّ ضليع “إنسان صبور، عطوف، ذكي، وغير كسول، بل هو نشيط ومجتهد ويمكن الاعتماد عليه في تفاصيل كثيرة من الحياة اليوميّة”. لا يراه جاد كحالة خاصّة، بل كفردٍ فاعل، له حضوره واستقلاليّته. يتابع جاد لـ “مناطق نت”: “أكثر ما يميّزه هو مشاعره الصادقة، فهو شخص محبّ جدًّا، يحبّ الناس من حوله بصدق، ويهتمّ بنظافته وشكله وبحضوره أينما كان”.

هذا الحبّ ليس مجرّد كلمات عابرة. فلطالما ردّد ضليع عبارة بسيطة تختصر كلّ شيء: “أنا أحب الناس”، لكنّه لم يكتفِ بقولها، بل ترجمها فعلًا يوميًّا داخل المبادرة، حيث يشارك في تحضير الطعام والمساعدات، من دون كلل أو تردّد، وكأنّه وجد في هذا العمل معنى لوجوده ومساحة يعبّر فيها عن ذاته.

نزوح وغياب الخصوصيّة

لم يكن النزوح إلى بيروت تجربة سهلة عليه. عنها يقول جاد إنّ “ضليع تأثّر كما يتأثّر أيّ إنسان واعٍ، خصوصًا في اللحظات الصعبة، فعندما حصلت غارة قريبة منّا، تصرّف بوعي، اختبأ في مكان آمن بمفرده، ثمّ عاد بعد انتهاء الخطر. الخوف كان حاضرًا، لكنّ ردّة فعله لم تكن ارتباكًا، بل كانت مليئة بالإدراك، وكأنّه يعرف كيف يحمي نفسه في لحظة الخطر”.

في البدايات، واجهت العائلة صعوبات الحياة الجديدة: النوم على الفرش، غياب الخصوصيّة، صعوبة تأمين أبسط الاحتياجات اليوميّة من حمّام وغسيل وثياب. تفاصيل قاسية، لكنّها كانت واقعًا مفروضًا. إلّا أنّ ضليع، كعادته، لم يقف عند هذه التفاصيل، بل تأقلم تدريجًا. “مع الوقت رتّبنا أمورنا وصار عندنا حمّام وغسّالة ومشي الحال”.

لا يزال البعض يتعامل معه على أنّه مادّة  للتسلية،يطلبون إليه ترداد كلمات غير لائقة، ويصوّرونه للسخرية ويعطونه المال مقابل ذلك.

داخل العائلة، لا يُعامل ضليع كاستثناء. فأشار جاد إلى أنّهم يعتمدون عليه في مهام يوميّة، من شراء الحاجيّات من الدكّان، إلى المساعدة في التنظيف، وحتّى التواصل مع الآخرين عند الحاجة، وشدّد على أنّه “شخص واعٍ ويمكن الاتّكال عليه”. وعلى رغم أنّ عمره البيولوجيّ يتجاوز الأربعين، إلّا أنّ العائلة تتعامل مع قدراته مثلما هي، وتفهم طريقة تعبيره الخاصّة، إذ قد يكون لسانه ثقيلًا أحيانًا، لكنّه قادر على إيصال ما يريد، ويفهم كلّ ما يُقال له.

المشكلة، برأي جاد، ليست في ضليع، بل في نظرة بعض أفراد المجتمع. إذ لا يزال البعض يتعامل مع أشخاص مثله على أنّهم مادّة للسخرية أو للتسلية. يقول: “يطلبون إليه ترداد كلمات غير لائقة، ويصوّرونه للسخرية ويعطونه المال مقابل ذلك”. هذه الصورة، كما يقول: “مجحفة، لأنّ الحقيقة مختلفة تمامًا. ضليع، ذكي وواعٍ، وإذا أُعطي الفرصة، يمكنه أن يقدّم طاقة مذهلة، بل ربّما يعلّم الآخرين كيف يعملون بطريقة أذكى”.

نازح يساعد نازحين

هذه الفرصة وجدها ضليع في “عطاء الخير”. تعرّف إلى المبادرة عبر مقاطع فيديو قبل الحرب، ثمّ انخرط فيها خلال نزوحه، وشارك أيضًا في التجربة السابقة، ليصبح اليوم جزءًا أساسًا من فريق العمل. فهو يعرف معظم الأشخاص هناك، تربطه بهم علاقة صداقة منذ العام الماضي، ما جعله أكثر انسجامًا وانخراطًا.

فدوره داخل المبادرة لا يُحدّد له مسبقًا، بل يصنعه بنفسه. يعبّئ صحون الأرز، ينقلها إلى الطاولات، يضعها في الأقفاص، ثمّ ينقلها إلى البرّادات. ويشارك كذلك في تحضير السلطات وإغلاق الصحون، ويضيف الزيت والخضار وفق ما يراه من الآخرين. عنه يشرح جاد “هو يأخذ دور أيّ شخص موجود، ويعمل وكأنّه واحد من الفريق تمامًا”.

يبدأ يومه باكرًا. يستيقظ عند السابعة والربع صباحًا، يغسل وجهه، يرتدي القفّازات والمريول، وينزل مباشرة إلى العمل. يراقب المكان، يبحث عن النقص، ويتحرّك كي يملأه من دون أن يطلب إليه أحد ذلك. يعمل لساعات طويلة، يضحك، يمزح، ويتفاعل مع من حوله، لكنّه لا يتوقّف إلّا عندما ينتهي الجميع. حتّى في تفاصيله الصغيرة، يحمل حسًّا جماعيًّا لافتًا، إذ لا يطلب الطعام قبل الآخرين، ولا يأكل إلّا عندما يجتمع الجميع حول المائدة.

من يراقبه من قرب، يلحظ أنّه يفهم كلّ ما يدور حوله. قد لا يعبّر بالكلام دائمًا، لكنّ نظراته، ردّات فعله، وطريقة اندماجه مع الآخرين، تكشف أنّه يدرك ما يجري حوله بدقّة، وأنّ لديه عالمًا داخليًّا غنيًّا بالمشاعر.

لحظة تختصر كثيرًا

يروي جاد موقفًا لا يمكن نسيانه، حين تعرّض المكان إلى قصف قريب، “رأيته يختبئ في مكان آمن، ثمّ يخرج ليتفقّد الجميع”. لحظة تختصر كثيرًا: وعيًا، شجاعة، وإحساسًا بالمسؤوليّة تجاه الآخرين.

وجود ضليع داخل المبادرة لا يمرّ مرورًا عاديًّا. هو ليس مجرّد مشارك، بل عنصر يضيف طاقة خاصّة إلى الفريق. حضوره يخفّف الضغط، ويخلق جوًّا مختلفًا، وينعكس أيضًا على من يعرفه من أبناء الحيّ، ممّن يفرحون برؤيته ويتعاملون معه كصديق، يجلسون معه ويتبادلون الأحاديث، في مشهد يؤكّد أنّه جزء طبيعيّ من هذا المجتمع.

ضليع الرمح من ذوي الهمم أثناء عمله في خدمة النازحين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى