عسل الجنوب المر: كيف شرّد النزوح النحالين ومناحلهم؟

“بعبدن عبادة، وما عندي مصدر رزق غيرن”. بهذه الكلمات، وبغصّة ودموع، يصف مربّي النحل “أبو علي” دقدوق من عيتا الشعب (بنت جبيل) منحلته وهو الذي يعشق مهنته في تربية النحل.

يمتلك أبو علي منحلة قرب موقع الراهب الإسرائيليّ المتاخم لبلدته، وقد بات من المستحيل اليوم تفقّد مصدر رزقه بسبب الحرب والاحتلال الإسرائيليّ. خسر أبو علي منذ بدء الحرب في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 نحو 60 قفيرًا من النحل، معظمها احترق بسبب قذائف الفوسفور التي أطلقتها قوّات الاحتلال في حينه.

بعد هدنة الـ60 يومًا التي تلت وقف إطلاق النار في الـ27 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، نقل أبو علي ما تبقّى ونجا من منحلته إلى صور، ورمّم ما استطاع ترميمه، وجدّد المناحل، ليصبح عددها نحو 130 قفيرًا، لكنّ حسابات أبو علي لم تتطابق مع بيدر الحرب التي عادت بقوّة بدءًا من الثاني من آذار الماضي، فتجدّدت خسارته وبلغت ما يقارب 40 خليّة. ناهيك بخسارته لبيته ومحلّه التجاري، وموسم العسل الذي ينتظره من عام إلى آخر. اليوم، جلّ ما يطلبه ويتمنّاه هو العودة إلى أرضه.

نفوق النحل وخسارة الموسم

الضرر الذي أصاب قطاع النحل وموسم قطاف العسل اتّسع هذا العام، إذ اشتدت الحرب مع بداية فصل الربيع، وهو الفصل الذي ينقل فيه النحّالون نحلهم إلى الساحل في الجنوب تحضيرًا لموسم زهر الليمون، والجنوب هو الأكثر إنتاجًا للعسل الربيعي الساحلي المعروف بعسل زهر الليمون، بسبب انتشار معظم  بساتين الحمضيات في لبنان، ومنها الليمون، على الساحل الممتدّ من صيدا إلى صور. وما حصل هو أنّ معظم النحل هذا العام “طرّد”، ما أدّى إلى خسارة النحّالين الموسم وكذلك خسارتهم جزءًا كبيرًا من نحلهم.

والتطريد، أو التقسيم الطبيعيّ، هو عمليّة تكاثر في مستعمرات النحل، عندما تغادر خلالها الملكة مع جزء من الشغّالات الخليّة لتأسيس مستعمرة جديدة، وغالبًا ما يحدث عند ازدحام الخليّة في موسم الربيع. إلّا أنّ غياب الرعاية نتيجة نزوح النحّالين سرّع هذه العمليّة، وأدى كذلك نقص الغذاء إلى نفوق نسبة كبيرة من النحل. ومن لم يخسر نحله، خسر موسم قطف العسل.

يشير رئيس جمعيّة مزارعي ونحّالي لبنان المتجدّد علي شقير، إلى أنّه “بناءً على الاتّصالات مع النحّالين ممّن عادوا لتفقّد مناحلهم في أعقاب الهدنة، هناك تقدير بوجود خسارة تقارب الـ 8000 خليّة نحل”. أضاف لـ”مناطق نت”: “في كلّ سنة، يتجاوز عدد النحّالين في الجنوب نحو 2000 نحّال، إذ إنّ نحّالين من خارجه يأتون ويضعون نحلهم في بساتينه للاستفادة من موسم زهر الليمون، إلّا أنّه وبسبب الحرب بقيت قفران عالقة في الجنوب ولم يتمكنّ مالكوها من الوصول إليها، أيّ إنّ نحو 2000 عائلة تضرّرت نتيجة خسارة موسم العسل”.

قفران نحل تالفة بسبب الحرب في الجنوب

وتجدر الإشارة أنّه وبحسب تقرير صادر عن منظمة “الفاو” حول تقييم الأضرار والخسائر الزراعية الناتجة عن الحرب، بين تشرين الأوّل/أكتوبر 2023 وبين تشرين الثاني/نوفمبر 2024: “تأثّر إنتاج نحل العسل بشكل كبير أيضًا، إذ تضرّر 49,850 قفيرًا في مناطق مختلفة، وبلغت قيمة الأضرار نحو مليون دولار أميركي، ولا سيما في قضاءي صور وبنت جبيل”.

خسارة العسل تهديد للأمن الغذائي

خسر محمّد حسن نحو 120 خليّة نحل في حرب العام 2023 في زبقين (صور)، وفي هذا العام خسر الموسم الربيعيّ بسبب النزوح، إذ لم يتبقَّ له سوى 40 خليّة من أصل 124. يعمل محمّد في قطاع النحل منذ 36 سنة، يقول: “لولا حبّي لمهنتي لما استمرّيت فيها بسبب الخسائر التي نتكبّدها اليوم، لكنّني بدأت أكره هذه المهنة وأفكّر بالتخلّي عنها”. يتابع محمد حديثه لـ”مناطق نت” قائلًا: “كلّ برواز نحل يكلّف 10 دولارات ناهيك بكلفة تأمين الموّاد اللازمة للرعاية من الطبقة العازلة وغيرها”. فأمام كلّ هذه الكلفة وجد محمّد نفسه اليوم دون موسم.

ويشير محمّد حسن إلى أنّ سوق العسل تعتمد على المغتربين، وبالتالي فقد تضّررت السوق وقدرة الناس الشرائيّة الضئيلة ستجعل كثيرًا منهم يتوجّهون لشراء العسل التجاريّ نظرًا إلى سعره المتدنّي في مقابل سعر العسل الطبيعيّ.

من ناحيته يقول مجيد كويّس أمين سرّ مربّي النحل في الجنوب وأمين سرّ “جمعيّة مزارعي ونحّالي لبنان المتجدّد” والذي خسر 100 خليّة نحل من أصل 125 بسبب الجوع، إنّ “هناك خسارة تقارب الـ80 في المئة في القفران المتواجدة على ارتفاع 200 متر وما فوق بسبب الجوع”.

يشير كويّس إلى أهميّة النحل ودوره الذي لا يقتصر على إنتاج العسل فقط، إذ للنحل دور أساس في تلقيح 70 في المئة من ثمار المواسم. يتابع لـ”مناطق نت”: “إن أربع سنوات من دون نحل تعني انقراض البشريّة لأنّه لن يكون هناك غذاء للبشر أو الحيوانات”. مضيفًا أنّ “مسألة الاهتمام بقطاع النحل هي مسألة أمن غذائيّ، لأنّه عندما يكون هناك نحل في البستان، تزداد إنتاجيّة المحصول بنسبة 30 في المئة وتتحسّن جودة الثمار”.

الملقِّحات من النحل وغير النحل تؤثّر بنسبة 35 في المئة من الأراضي الزراعية عالميًا، لناحية الإنتاج الزراعي، وتدعم إنتاج 87 من المحاصيل الغذائية الرئيسية في العالم. وفق تقرير صادر عن منظمة “الفاو” بعنوان: لماذا يُعدّ النحل مهمًّا؟

ووفق كويّس، إذا ما استطاع النحّالون قطف عسلهم فقد يصل سعر الكيلوغرام الواحد من العسل هذا العام إلى نحو 50 دولارًا بسبب انخفاض الإنتاج.

“لم تعد ترد أي موافقة من قبل إسرائيل بالسماح للنحالّين بالذهاب لأراضيهم واستعادة نحلهم”.

“وعود بلا أفعال”

يوضح رئيس اللجنة الوطنيّة العليا لتربية النحل وإنتاج العسل في لبنان رائد زيدان المكلّف من قبل وزارة الزراعة- قطاع النحل ، لـ “مناطق نت” أنّه “لا يوجد مسح شامل يحدّد نسبة الضرر التي أصابت القطاع بسبب استحالة الوصول إلى المناطق التي يتواجد فيها العدوّ الإسرائيليّ اليوم والمناطق الخطرة، مثل الخيام وبنت جبيل والناقورة. بالإضافة إلى قرى في مرجعيون وحاصبيّا منع جيش العدّو النحّالين من استعادة مناحلهم”.

ووفق زيدان “حاولت وزارة الزراعة مساعدة النحّالين في استعادة مناحلهم عبر الحصول على أذونات من خلال التواصل مع مخابرات الجيش واليونيفيل التي تتواصل بدورها مع جيش الاحتلال، إلّا أنّه ومنذ بداية شهر نيسان (أبريل) لم تعد ترد أيّ موافقة من قبل إسرائيل بالسماح للنحّالين في الذهاب إلى أراضيهم واستعادة نحلهم”.

وعن المساعدات المقدّمة من قبل الوزارة لمساندة النحّالين، يقول زيدان: “تمّ تأمين الدعم لنحو 450 نحّالًا ونحّالة. وكانت المساعدات عبارة عن مبالغ نقديّة. لكنّ عملية تقديم المساعدات التي بدأت منذ فترة قصيرة لم تنتهِ بعد”.

في المقابل، يؤكد جميع النحّالين الذين تحدثّت إليهم “مناطق نت” أنّهم لم يحصلوا على أيّ دعم من وزارة الزراعة، وأشاروا إلى التقصير من قبلها بحقّهم وبحقّ هذا القطاع، وأنّ جُلّ ما حصلوا عليه هو مجرّد كلام دون أيّ فعل، ناهيك بالمحسوبيّات.

انهيار قطاع

تتمثّل مطالب النحّالين اليوم في: “تقدير حجم الخسائر التي لحقت بهم، والتي تشمل تعويض عدد القفران التي تضرّرت أو فُقدت، وتعويض الموسم الذي خسره النحّالون من حيث الإنتاج، وإذا أمكن تقديم مساعدات للنحّالين النازحين ممّن يعتمدون على هذا الموسم لتأمين عيشهم وقوت يومهم بعدما خسروا كلّ شيء وتحمّلوا أعباء النزوح”، وفق ما ذكره علي شقير، رئيس “جمعيّة مزارعي ونحّالي لبنان المتجدّد”.

وأمام هذا الواقع، لا تتمثّل الخسارة بمجرّد أرقام في عدد النحل والموسم المتضرّر، بل بانهيار مصدر رزق كامل لعائلات ترتبط بالأرض، وللاستقرار والأمن الغذائيّ. وبين عدوان حرب حرمتهم من مناحلهم ونزوح فُرض عليهم وأفقد النحل رعايته وغذاءه، وغياب أيّ دعم فعليّ يوازي حجم الكارثة، يبقى القطاع معلّقًا على أمل العودة وإعادة إحيائه فيما يواصل النحّالون الانتظار بين ما نجا من خلايا وما تبّقى من قدرة على الاستمرار.

صور تظهر حجم الأضرار التي طالت قطاع النحل في الجنوب بسبب الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى