بين مطرقة الخوف وسندان التشاؤم البحث عن الطمأنينة

من المغري أن يسوقنا هذا العالم إلى قراءات تتناسب مع شكله الحديث. قراءات نحاول من خلالها ولوج ثنايا اضطراباتنا، وما يتناهب يوميّاتنا من آفاق حالكة السواد. فمن “فلسفة الخوف” للكاتب النروجي لارس سفيندسون، إلى “في التشاؤم” للكاتب الأميركيّ يوجين ثاكر، نلقى العالم وقد انبسط داخل الأذهان، بكلّ جلوّه وما يطفح به من أسباب التشاؤم والخوف.

ليس العالم في كلّ من هذين الكتابين هو تلك الدول التي تقوم على ثوابت جغرافيّة معترف بها دوليًّا، إنّما العالم كما تمّ التطرّق إليه عبر صفحات “فلسفة الخوف” و”في التشاؤم”، هو وحدة شديدة التراصّ والصلابة والراهنيّة المزدحمة بكمّ هائل من المستجدّات اليوميّة. أمّا هذه العناصر الثلاثة، أيّ، التراصّ والصلابة والراهنيّة، فتستمدّ قوامها من ثنائيّة الخوف والتشاؤم، وذلك بصرف النظر عن طريقة تمظهرهما في هذه الدولة أو تلك، في هذه الناحية من العالم أو في ناحية أخرى.

فنحن هنا في سياق التحقّق العمليّ لعولمة حقيقيّة تتجاوز في متانتها وتأصّلها كلّ أنواع العولمات الأخرى الاقتصاديّة منها أو الثقافيّة، الاجتماعيّة أو السياسيّة، ذلك أنّ المعايشة اليوميّة – الواعية أو غير الواعية – للخوف والتشاؤم، تشدّ من أزر هذه العولمة الانفعاليّة التي تقوم على الخوف والتشاؤم، أكثر بكثير ممّا تدّعيه كلّ العولمات الأخرى. بالتالي، من المغري بحقّ متابعة تصلّب العالم وتراصّه من خلال عناصر تستدعي محض الهشاشة والارتياب وعلى رأس هذه العناصر الخوف والتشاؤم – واستطرادًا – الملل الذي ربّما يستوجب مادّة قائمة بذاتها.

القيادات الكبرى في هذا العالم تركز على الخوف كآليّة ناجحة في كلّ استثمار سياسيّ محلّيًّا كان هذا الاستثمار أو عالميًّا.

متابعة مرهقة للأخبار

يخبرنا مؤلّف “في التشاؤم” أنّ ثمّة ثيمة تحكم مجمل النشاط البشريّ، فرديًّا كان هذا النشاط أو جماعيًّا، مفادها أنّ أجمل ما في أيّامنا في هذا العالم الحديث، هو انقضاؤها وذلك بعد ساعات العمل الطوال أو بعد المتابعة المرهقة لأخبار العالم عبر شاشات التلفزة أو وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو غيرها من الأنشطة التي تستدعي تلك الرغبة بانقضاء اليوم على الرغم من تشابهه مع ما سوف يليه من أيّام.

وما يعزّز من تجذّر هذه الثيمة ما جاء في كتاب “فلسفة الخوف”، حيث التركيز من قبل القيادات الكبرى في هذا العالم على الخوف كآليّة ناجحة في كلّ استثمار سياسيّ محلّيًّا كان هذا الاستثمار أو عالميًّا. إنّ الطريقة التي يصوغ فيها الخوف فضاءاتنا كبشر قد تباغتنا من آن لآن، إلّا أنّ هذه المباغتة سرعان ما تتلاشى عندما نقرأ هذا الخوف على ضوء تشاؤمنا اليوميّ المصرّح به أو المكبوت في دواخلنا، التشاؤم المؤطّر بوضوح الصورة أو ذلك الذي نعمد إلى تجاهله رأفة بأنفسنا مع الوعد بأيّام أفضل، وهو وعد لا يتجاوز أن يكون سرابًا تجيد شركات التأمين مثلًا بلورته بما يتناسب مع هلعنا.

يجمع معظم علماء الاجتماع في العالم على البُعد الاجتماعيّ للعواطف والانفعالات فضلًا عن أبعادها الشخصيّة، وما يشير إليه بوضوح صاحب كتاب “فلسفة الخوف” في هذا السياق هو أن البنية الاجتماعيّة للخوف ليست بالبنية المؤطّرة جغرافيًّا على الإطلاق.

بين الخوف والشعور بالأمان

إنّ الخوف هو ظاهرة عالميّة لها ما يبرّرها في كلّ أصقاع العالم، ذلك أنّ الحدود الفاصلة بين الخوف والشعور بالأمان تراها على الدوم محلّ تخلخل وانزياح، حيث الأزمات الاقتصاديّة هنا وصرف العمّال هناك، زيادة ميزانيّة الأسلحة والجيوش في هذه الدولة وصولًا لإلى اندلاع الحروب بين دول أخرى، فضلًا عن غيرها من الأمور التي تجعل الشعور بالخوف محلّ عَدْوَة، وهي عدوة تراها تستعر فتجتاز الحدود وتحتلّ كلّ قلوب العالم، حتىّ عالم الدول التي تظنّ بنفسها أنّها بمنأى عن كلّ ويلات العالم وكوارثه وحروب نفطه أو غيرها من الحروب.

نعم، إنّ الخوف مُعْدّ إلى حدّ لا يطاق وما يزيد من حدّة هذا الأمر، هو أنّ كلّ كوكب الأرض مهيّأ لتبادل هذه العدوة بسبب ما يحايث عالم المعيش من ضروب التشاؤم المتجذّرة أصلًا، وهو ما يلخّصه يوجين ثاكر في كتابه عن التشاؤم بالخلاصة الآتية: “ارتباط المزاج المعتلّ للبشر بعالم لا يبالي البتّة”. فنحن، كما جاء في كتاب “في التشاؤم” نعيش في عصر نستطيع فيه أكثر من أيّ عصر آخر أن نسمع أخبارًا سيّئة.

قد يدفع الخوف الذي يرسم ملامح الناس بنسب متفاوتة بين الدول، بعض الناس إلى التمسّك باللامبالاة أو تجاهل الأسباب اليوميّة لهذا الخوف قدر الإمكان، بحيث ترى هؤلاء الناس يندفعون إلى طرائق التفكير التي تدعو إلى البهجة والإطمئنان والتفاؤل، وليس من باب العبث في هذا الصدد تحديدًا أنّ وصف صاحب كتاب “في التشاؤم” هذا النمط من التفاؤل بالقول: إنّه تفاؤل يقوم على أشدّ أنواع التشاؤم صلابة، وهنا المفارقة.

وربّما هذا النوع من التفاؤل ينطبق أكثر ما ينطبق على متفائلي بلادنا، حيث كمّ الكوارث التي تولي العناية لكلّ أسباب التشاؤم إلى حدّ الدهشة. حروب تليها حروب، أزمات تقتات على أزمات وصولًا إلى انصراف الحواس إلى كلّ ما يشي بالموت الداهم في أيّ لحظة.

“إذا ما طرقنا أبواب القبور وسألنا الموتى عمّا إذا كانوا يرغبون في العودة إلى الحياة مرّة أخرى فسوف يهزّون رؤوسهم بالنفي”.

بين باب البيت وباب المقبرة

وانطلاقًا من هذه الصورة ومن تاريخ هذه البلاد بالإجمال تراني قد تعوّدت لدى تأمّلي النصف الممتلىء من الكوب أن أكون على ثقة بأنّه نصف مملوء بالسموم كما يقول أحدهم.

فأن يعيش المرء في بقعة جغرافيّة يحتلّ فيها كلّ من الخوف والتشاؤم مكانة قبليّة تعود إلى ما قبل الولادة وصولًا ربّما إلى أجداد الأجداد، هي بقعة تستدعي عندئذ أكثر ما تستدعي إلى الذهن عبارة قالها في أحد الأيام واحد من أعظم متشائمي العالم: “إذا ما طرقنا أبواب القبور وسألنا الموتى عمّا إذا كانوا يرغبون في العودة إلى الحياة مرّة أخرى فسوف يهزّون رؤوسهم بالنفي” (شوبنهاور)…إنّها بلادنا حيث ذلك الترادف الفظّ بين باب البيت وباب المقبرة، بين سقف البيت وتراب القبر.

  • “فلسفة الخوف”، تأليف لارس سفيندسون، منشورات منطاد، الكويت، ترجمة ناصر عبد الحميد.
  • “في التشاؤم”، تأليف يوجين ثاكر، منشورات الكرمة، القاهرة، ترجمة أنور الشام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى