“فزر كفرمتّى” بين ازدهار السياحة والحفاظ على الطبيعة والتراث

في السنوات الأخيرة، تحوّلت بلدة كفرمتّى في قضاء عاليه إلى واحدة من أبرز الوجهات التي يقصدها اللبنانيّون خلال فصل الصيف. فالبلدة التي كانت تُعرف بهدوئها وطابعها الريفيّ، أصبحت اليوم محطّة لعشّاق الطبيعة ورياضة المشي، إضافة إلى الزّوار ممّن يبحثون عن الشاليهات والمسابح والهواء الجبليّ المنعش.
لكن خلف هذه الحركة السياحية المتزايدة، يبرز سؤال أساس: هل استطاعت كفرمتّى تطوير قطاعها السياحيّ من دون أن تخسر طبيعتها وتراثها، أم إنّ الضغط المتزايد على المنطقة بدأ يفرض تحدّيات جديدة؟
مسار بين الصخور والأشجار
من أبرز المناطق التي تتميّز بها كفرمتّى “فزر كفرمتّى”، (الفزر: شقّ صخري) وهو ممرّ طبيعيّ بين الصخور والأحراج، بات معروفًا لدى هواة الـ”هايكنغ” (نشاط المشي الطويل) والسياحة البيئيّة. المسار الذي يمتدّ بين الجبال يجذب الزوّار بسبب طبيعته المختلفة، حيث يمرّ الناس بين الصخور والأشجار وصولًا إلى مناطق تضمّ مجاري مياه ومساحات خضراء.
ومن أكثر النقاط التي يتوقّف عندها الزوّار داخل الفزر، وجود صخرتين كبيرتين متقابلتين، يروي أهالي البلدة عنهما حكايات قديمة. فبحسب ما يتناقله السكّان، كان الممرّ بين هاتين الصخرتين ضيّقًا جدًّا في الماضي، إلى درجة أنّه لم يكن يتّسع إلّا لمرور بغلين فقط. هذه الرواية لا تعكس فقط طبيعة المكان، بل تربط الزائر بتاريخ المنطقة وطريقة التنقّل القديمة فيها.
نهضة سياحيّة
لكنّ المشهد في كفرمتّى لا يقتصر على الطبيعة فقط. فخلال السنوات الماضية، ازداد عدد الشاليهات والمسابح بشكل كبير، حتّى أصبحت البلدة تضمّ عشرات المشاريع السياحيّة التي تستقبل الزوّار من مختلف المناطق اللبنانيّة، بخاصّة خلال الصيف وعطلات نهاية الأسبوع.
حول هذا التطوّر، يشير رئيس بلديّة كفرمتّى فادي الغريب إلى أنّ “السياحة أصبحت جزءًا أساسًا من الحركة الاقتصاديّة في البلدة”. مؤكّدًا أنّ “الشاليهات والمسابح لعبت دورًا كبيرًا في تنشيط المنطقة”. لكنّه يلفت في الوقت نفسه إلى أنّ “زيادة أعداد هذه المشاريع بشكل عشوائيّ ربّما تؤدي إلى تراجع الطلب عليها مستقبلًا إذا لم يتمّ تطوير أنواع أخرى من السياحة”.
يتابع الغريب لـ”مناطق نت”: “كفرمتّى يجب ألّا تعتمد فقط على الشاليهات والمسابح، بل تحتاج إلى توسيع النشاطات السياحيّة المرتبطة بالهويّة المحلّيّة والطبيعة الموجودة فيها”. يضيف أنّ “هناك أفكارًا عديدة يمكن العمل عليها، مثل إنشاء ‘بيت للمونة‘ لتسويق المنتجات التقليديّة والزراعيّة التي تشتهر بها البلدة، إضافة إلى دعم المعالم الموجودة فيها، من الفزر إلى الأحراج وركوب الخيل والمعالم التراثيّة الأخرى”.
ويرى الغريب أنّ “تنويع النشاطات السياحيّة يساعد في دعم الحركة الاقتصاديّة بشكل أكبر، لأنّ السائح لن يأتي فقط من أجل مسبح أو شاليه، بل من أجل تجربة متكاملة مرتبطة بالطبيعة والتراث والحياة الريفيّة”.

تحدّيات مستجدّة
ثمّة تحدّيات عديدة تواجه النشاط السياحيّ في كفرمتّى يعرضها الغريب مؤكّدًا أنّ “الحفاظ على المعالم الأثريّة والتراثيّة يجب أن يكون جزءًا من أيّ خطة سياحيّة مستقبليّة”. مشيرًا إلى أنّ “الخطوة الأولى تبدأ بتسجيل هذه المعالم وترخيصها عبر لجنة الثقافة في لبنان، حتّى تصبح معروفة بشكل رسميّ وتحصل على الحماية اللازمة”.
ويوضح كذلك أنّ “البلديّة تسعى إلى الاهتمام بكلّ معلم سياحيّ أو تراثيّ موجود في البلدة، من خلال وضع إشارات ولوحات تعريفيّة على الطرقات العامّة، تشرح للزوّار تاريخ هذه المواقع وأهمّيتها والمعاني المرتبطة بها”. ويعتبر الغريب أنّ “هذه الخطوة تساعد السائح في التعرّف أكثر إلى كفرمتّى، بدلًا من أن تكون الزيارة مقتصرة فقط على الشاليهات والمسابح”.
في مقابل هذا النشاط السياحيّ، تبرز أيضًا تحدّيات مرتبطة بالبيئة والنظافة، بخاصّة مع الارتفاع الكبير في أعداد الزوّار خلال الصيف، إضافة إلى زيادة عدد السكّان بعد موجات النزوح الأخيرة.
النظافة همّ أساس
يصف رئيس البلديّة ملف النظافة بأنّه “الهمّ الأساس” حاليًّا، موضحًا أنّ “البلدية بدأت منذ فصل الشتاء بتنظيف الأحراج والمسارات الطبيعيّة. كذلك نظّمت يوم نظافة عامّ بالتعاون مع شركة ‘سيتي بلو‘ والمؤسّسات الأهليّة في البلدة، بمشاركة عدد من أبناء كفرمتّى، إذ شملت الحملة تنظيف الطرقات والأحراج والمسارات الطبيعيّة بهدف الحفاظ على نظافة المنطقة مع ازدياد الحركة السياحيّة فيها”.
ويضيف أنّ البلديّة اضطرّت إلى تخصيص آليّة وثلاثة عمال لجمع النفايات بسبب ارتفاع الكمّيّات اليوميّة إلى نحو خمسة أطنان يوميًّا، نتيجة زيادة عدد السكّان والزوّار. وتعمل البلديّة حاليًّا على تنظيف الطرقات العامّة والأحياء من الأعشاب والحشائش للحفاظ على نظافة المنطقة.
ولا تتوقّف الأعمال عند هذا الحدّ، إذ يجري أيضًا العمل على تأهيل طرقات الأحراج والطرقات الزراعيّة لتصبح أكثر أمانًا للناس، خصوصًا مع ازدياد حركة المشي والتنقّل داخل المناطق الطبيعيّة.
لحماية بيئيّة
من ناحيته، يشدّد المهندس البيئيّ فوّاز غبار على ضرورة تنظيم التوسّع السياحيّ بطريقة تحافظ على طبيعة كفرمتّى على المدى الطويل. ويشير لـ”مناطق نت” إلى أنّ “الخطوات المطلوبة الأهمّ هي منع تسرّب المياه المبتذلة أو مياه المسابح إلى النهر والمياه الجوفيّة، لأنّ ذلك ربّما يؤدّي مع الوقت إلى تلوث مصادر المياه والأراضي الزراعيّة”.
ويلفت غبار إلى “أهمّيّة فرض آليّة واضحة لجمع النفايات ومنع انتشارها داخل الأحراج، لا سيّما أنّ تراكم النفايات البلاستيكيّة سيرفع خطر الحرائق ويؤثّر في الحياة الطبيعّية بالمنطقة”.
ويعتبر غبار أنّ “أيّ مشروع سياحيّ جديد يجب أن يخضع لدراسة بيئيّة قبل حصوله على الترخيص، بهدف الحدّ من التوسّع العشوائيّ وتشجيع المشاريع التي تحترم طبيعة البلدة”. كذلك شدّد على ضرورة تنظيم الموسيقى والإضاءة الليليّة داخل بعض المشاريع، لأنّ الضجيج المستمرّ قد يؤثذر في هدوء المنطقة والحياة البرّيّة فيها.
“حماية الفزر ومسارات المشي يجب أن تكون أولويّة”. هذا ما دعا إليه غبار مشيرًا إلى أنّ ذلك يتمّ “من خلال منع إقامة مشاريع سياحيّة قريبة منها بشكل يضرّ بالطبيعة أو يغيّر هويّة المكان”، مؤكدًا أنّ “الحفاظ على الطابع الطبيعيّ هو العنصر الأساس الذي يجذب الناس إلى كفرمتّى اليوم”.

انتعاش اقتصاديّ.. لكن؟
عن الواقع السياحيّ في كفرمتّى، يبرز رأي أبناء البلدة ويتفاوت بين الارتياح والقلق في الوقت نفسه. يقول أحد أبناء البلدة يدعى رامي، إنّ “الوضع اختلف كثيرًا مقارنة بالسنوات الماضية”، موضحًا أنّ “الحركة الاقتصاديّة كانت ضعيفة جدًّا قبل أن تبدأ كفرمتّى باستقطاب الزوّار بهذا الشكل”.
يشرح رامي لـ”مناطق نت” أنّ “ازدياد أعداد الناس، بخاصّة في فصل الصيف، خلق فرص عمل جديدة وحرّك الأسواق والمحال التجاريّة داخل البلدة”، مضيفًا أنّ “كثيرًا من الشباب أصبحوا قادرين على العمل داخل منطقتهم بدل البحث عن فرص خارجها”.
لكن في المقابل، يشير إلى أنّ “الحركة الحاليّة ما زالت غير كافية لكلّ القطاعات، وأنّ بعض المصالح لا تزال بحاجة إلى دعم أكبر حتّى تستفيد بشكل فعليّ من النشاط السياحيّ الموجود”.
بين الماضي والحاضر
بين الماضي والحاضر، تبدو كفرمتّى أمام مرحلة جديدة تحاول فيها الموازنة بين التطوّر والحفاظ على هويّتها. فمن جهة، هناك طبيعة واسعة ومسارات تجذب الزوّار وتدعم الاقتصاد المحلّيّ، ومن جهة أخرى، توجد مخاوف من أن يؤدّي التوسّع غير المنظّم إلى ضغط على البيئة والأحراج والمعالم التراثيّة.
ومع استمرار توافد الناس إلى البلدة عامًا بعد عام، يبقى التحدّي الأساس أمام كفرمتّى وفاعليّاتها المختلفة هو كيفيّة الحفاظ على خصوصيّتها الطبيعيّة والتراثيّة، وفي الوقت نفسه تطوير قطاع سياحيّ قادر على الاستمرار. فالمكان الذي كان في الماضي ممرًّا ضيّقًا تعبر منه البغال بين الصخور، أصبح اليوم وجهة يقصدها الآلاف، لكن يبقى السؤال: هل تستطيع كفرمتّى أن تحافظ على هذا التوازن في السنوات المقبلة؟









